الزوبعة

المساعدات القومية الاجتماعية في معارك فلسطين

للتاريخ!

نقدّم فيما يلي مقالة للزعيم نشرت في النشرة الرسمية أيار 1948:

“المساعدات القومية الاجتماعية في معارك فلسطين”

“كانت سياسة الحزب السوري القومي الاجتماعي في صدد الخطر اليهودي واضحة من أول العمل القومي الاجتماعي. فقد نبّه الزعيم في خطابه الشهير في أوائل سنة 1933، في افتتاح نادي الطلبة الفلسطينيين في الجامعة الأميركانية، إلى الخطر اليهودي على جنوب سورية، ودعا إلى وحدة العمل السوري القومي في فلسطين. وفي سنة 1937، عندما أفلتَ سماحة مفتي فلسطين وفرّ إلى بيروت، زاره الزعيم مهنِّئًا بسلامته ومرحّبًا. وفي تلك الزيارة استوضح الزعيم من سماحة المفتي وجود خطة مرسومة للعمل في فلسطين، وأبدى رأيه في الخطر اليهودي وكيفية العمل الناجح وأعلن استعداد الحزب السوري القومي الاجتماعي للاشتراك في محاربة الخطر اليهودي. ولكن «المجلس الإسلامي الأعلى» و«اللجنة العربية العليا» انفردا بالعمل في فلسطين فلم يتسنَّ للحزب القومي الاجتماعي أداء المساعدة السياسية والتخطيطية التي كان يمكن أن يؤديها وأن توفر على السوريين في الجنوب ما عانوه فيما بعد بسبب عجز السياسة التي أتبعت.

بيد أن الحزب السوري القومي الاجتماعي، على حداثة عهد نشأته، ظل يعمل في سبيل المحافظة على المنطقة الجنوبية المهددة ودفع الخطر عنها. فتابع الزعيم حملاته لإيقاظ الرأي السوري العام في جميع الدويلات السورية، وأخذ يشرح طبيعة القضية الفلسطينية شرحًا جديدًا يعين ماهيتها الصحيحة التي لم تكن واضحة من قبل وجعل لها الصفة القومية الحقيقية وأنقذها من النظرات والاعتبارات الرجعية والحزبيات الدينية. فدخلت قضية فلسطين في وحدة قضايا الأمة السورية. وفي سنة 1937 عينها وضع الزعيم مذكرة الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى رابطة الأمم في صدد تقرير لجنة اللورد بيل المشهورة التي قالت بتقسيم فلسطين. فكانت مذكرة الحزب المذكرة الوحيدة التي تناولت قضية فلسطين في أساسها القومي الصحيح وأعطت الحجج القومية التي لا تدحض ولا تجيز أي تلاعب في حقوق الأمة السورية في فلسطين. وقد صارت مذكرة الحزب القومي الاجتماعي التي وضعها الزعيم مثلاً للمذكرات التالية التي وضعتها هيئات حكومية وشعبية في دويلات سورية وفي العالم العربي.

وعلى الرغم من حداثة عهد الحزب السوري القومي الاجتماعي ومن الملاحقات الاحتلالية والمقاومات الرجعية التي تعرّض لها بعد إظهار أمره، فإنه اشترك بقوات صغيرة محدودة في ثورة سنة 1936 وكان لقواته الصغيرة أثر فعال في المعارك وفي إبراز المزايا الجندية السورية. وقد سقط في معارك الثورة المذكورة عدد من المقاتلين السوريين القوميين الاجتماعيين، بينهم القائد المشهور سعيد العاص.

وقد تابع الحزب القومي الاجتماعي اهتمامه بقضية فلسطين فنشر ودعا إلى جعلها قضية سوريّة عامة. وكانت دعوته إلى القومية السورية الاجتماعية متضمنة الدعوة إلى إنقاذ جنوب سورية من الخطر. ولما عاد الزعيم من رحلته إلى المغتربات، بعد غياب استمر تسع سنوات بسبب الحرب، عادت المقاومات الرجعية تلعب دورها ودخل الحزب في عراك شديد في الجمهورية اللبنانية ليثبت وجوده نهائيًا وحقه في حمل رسالته وبث دعوته الحقيقيتين. وقد استغرق العراك المذكور سبعة شهور طويلة بذل فيها الحزب من المجهود وأنفق من المال ما لو بذل وأنفق في العمل القومي الاجتماعي بانتظام، لكان ينتظر أن يكون أدى إلى نتائج عملية كبيرة، ولكن السياسات الخصوصية أبت أن تترك لهذه الحركة العظيمة حرية العمل فقامت تعرقل سير الحزب عرقلة لم تفد إلا عدو الأمة والوطن.

حالما خرج الحزب السوري القومي الاجتماعي من عراكه الأخير منتصرًا، بعد أن كلفه العراك ما كلفه، وكانت المسألة الفلسطينية قد بلغت في تطورها الأنترنسيوني حدًا خطيرًا وجه الزعيم عنايته الأولى إلى هذه المسألة وقرّر القيام بحشد سوري قومي اجتماعي عام في بيروت في الثاني من نوفمبر الماضي، يوم تصريح بلفور المشؤوم، ليعلن لمنظمة الأمم المتحدة وللعالم أجمع موقف الحركة القومية الاجتماعية والأمة السورية من المحاولات الجارية لنزع حقوق الأمة السورية عن فلسطين وإعطائها للغرباء اليهود. ولو لم تتخذ الحكومة اللبنانية موقفًا مانعًا من تنفيذ الحشد المذكور لكان شهد العالم أعظم حشد منظم تعرفه سورية كلها وأعظم حشد منظم في العالم العربي كله. وقد حالت الصدمة المذكورة بين الحزب والعمل في سبيل فلسطين كما كان في مقدور الحزب أن يفعل. ولكن الزعيم لم يتخلَّ عن القصد العظيم، فأوقف الحشد منعًا من الاصطدام مع القوات اللبنانية وعوّض عن خطابه الذي كان مزمعًا أن يرتجله، برسالة إلى القوميين الاجتماعيين والأمة السورية، فصّل فيها ببيانه وإقدامه ونظرته العالية قضية فلسطين وغيرها من القضايا القومية وأظهر مساوئ العلاجات اللاقومية وحمل على سياسة الخصوصيات والاحتكارات الوطنية التي وصلت بالمسألة الفلسطينية إلى الكارثة، وعلى الروح الاتكالية التي ولدتها اعتقاداته اللاقومية وأوضح طريق الإنقاذ ودعا الدول السورية إلى مؤتمر تجمع الشؤون السورية ويقرر نهجًا سوريًا عامًا في صدد تطور المسألة الفلسطينية ولكن سياسة الخصوصيات وفوضى العمل القومي ظلتا مسيطرتين. ولما ظهرت نتيجة اقتراع الجمعية العمومية لمنظمة الأمم المتحدة قامت السياسة الاعتباطية غير المسؤولة بحملة تحريض عجلت الأعمال العدائية في فلسطين وابتدأت الإرهابات وأعمال التقتيل فأصاب السوريين إرهاق وخسائر في النفوس والأموال عظيمة وانفضح عجز السياسات الخصوصية التي عالجت المسألة الفلسطينية علاجًا خصوصيًا.

عندما اشتدت الحالة وكثرت الخسائر السورية في فلسطين وعظمت الفوضى، قامت الإدارة الحزبية المركزية باتصالات وبعدة محاولات لتنظيم تعاون بين العاملين لإنقاذ حالة فلسطين. ومن الاتصالات المتوالية ما قام به حضرة عميد التدريب الأمين أديب قدورة مع «مكتب فلسطين الدائم». وقد عرض العميد فكرة تشكيل جحفل سوري قومي اجتماعي يتولى الأعمال الحربية في جبهة تقرر مع القيادة العامة. ولكن مساعي العميد لم تلاقِ روح تعاون وقيل له أن «المكتب» لا يتألف من أحزاب ولا يعمل مع أحزاب!! ولم تصل مساعي الحزب بجميع الطرق، للوصول إلى التسليح، إلى نتيجة إيجابية.

تجاه هذه الحالة أخذت تتشكل فرق سورية قومية اجتماعية تشكلاً غير ذي صبغة حزبية. فقام قوميون اجتماعيون بجمع قوة متطوعة غير حزبية انخرط فيها عشرات القوميين الاجتماعيين الذين صاروا مئات وتمركزت أعمال المجاهدين القوميين الاجتماعيين في منطقة صفد وقد سقط منهم عشرات في القتال، خصوصًا الفرقة التي سارت من الحفة، منفذية اللاذقية العامة، التي سقط عدد غير قليل من أفرادها في معركة صفد. وقد قام القوميون الاجتماعيون في مناطق عكا وحيفا والقدس بتنظيم قوات قومية اجتماعية أعطت نتائج باهرة شهد بها كل العاملين بإخلاص من رؤساء لجان وقادة مواقع وغيرهم. وأدى الخبراء القوميون الاجتماعيون في الكهرباء والكيمياء خدمات جليلة بتأمين المواصلات التلفونية وغيرها بين الجبهات ومركز القيادة وبصنع المتفجرات وبنسف مراكز القوة اليهودية. وسنفصل ذلك في جدول خاص حالما نستكمل المعلومات المطلوبة.

في أوائل هذا الشهر، قبل زحف القوات السورية والمصرية وقد تحرجت الحالة في أورشليم، اتصلت رئاسة لجنة الدفاع وقيادة الحركات السورية في تلك المدينة بمنفذية القدس العامة وعرضت على المنفذية استعدادها لقبول أية فرقة قومية اجتماعية محاربة تقوم بقوادها وعلمها وألويتها وتأمين مؤونتها وتعويضًا شهريًَا معينًا، وتجهيزها بالسلاح والذخيرة، إذا لم يكن لها سلاح ونقلها من أية نقطة إلى جبهة أورشليم. فأوفد منفذ أورشليم العام مندوبًا يبلغ عمدة التدريب ما عرض على المنفذية العامة. وعرضت عمدة التدريب الأمر على الزعيم الذي قرر فورًا، قبول العرض وأصدر أوامره بتعبئة كتيبة كاملة وتوجيه سرية أولى في أقرب فرصة، وبإرسال مفاوض مركزي يجتمع إلى لجنة القدس وقيادتها للاتفاق النهائي على جميع التريبات التي تؤمن وصول السرية الأولى إلى مركزها وأماكن إقامتها ونوع سلاحها وإعاشتها وغير ذلك. وبينما الوفد يتهيأ للانتقال إلى أورشليم قدم موفد آخر من منفذية أورشليم يحمل معلومات جديدة وهي أن إدارة الموقع السوري في القدس قد عدلت عن تقديم سلاح للفرقة القومية الاجتماعية وأنها تتعهد بتقديم الذخيرة والإعاشة والتعويض الشهري فقط. فأوقف الزعيم الوفد المركزي عن السفر وأمر بإبقاء المعبئين في حالة الاستعداد فقط.

إن القوميين الاجتماعيين يجدون أنفسهم في حالة نفسية وألم شديد من الأساليب الخصوصية التي حرمتهم من تقديم كل المعونة التي كان يمكن منظمتهم البديعة تقديمها في الناحيتين السياسية والحربية. والذين يحاربون منهم في عدة جبهات وتحت عدة أعلام سوريّة ويحاربون متألمين لعدم تمكنهم من رفع علمهم والاستقلال بصفوفهم وقيادتهم المحلية وحرمانهم من إظهار ما يمكن نظامهم البديع وروحيتهم الحربية الممتازة أداءه في المعارك الدائرة وهم وإن حرموا رفع علم الزوبعة القومية الاجتماعية في الساحة فقد رفعوه خفاقًا في قلوبهم وحملوه بين ضلوعهم. الشهداء الذين سقطوا وهم ينشدون:

سورية! لك السلام               سورية!          نحن الفدى!

سورية! لك السلام               سورية!          أنت الهدى!”

المركز في 6 كانون الثاني 2009                                             عمدة الإذاعة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *