فلسطين بين مصر والسعودية

إقرأ وقارن!

فلسطين بين مصر والسعودية 

نقدم فيما يلي مقطعًا من نص المحاضرة الثالثة التي ألقاها الزعيم في 25 كانون الثاني 1948:

…يمكن أن يعاون السوريين من الخارج دول لها بسورية صلات تاريخية ودموية وثقافية وقرابة مصالح. ولكن لا يجوز أن يقرر أحد، مهما كان قريبًا لنا، قضية تخصنا نحن. يجب أن ينتظر إلى أن نقرر نحن ليوافقنا على تقريرنا. فيجب أن نضطلع نحن بمسؤولية قضايانا القومية وأن نقرر مصيرنا بإرادتنا وأن نبقي تقرير المصير من حقنا وحدنا. بهذا المبدأ يمكننا أن نفهم كيفية نظرنا إلى الأمور ويمكن أن نخطط سياسة وسياسات وأن نعين الأهداف التي نريد.

إن عدم اعتبار السوريين قضية فلسطين قضية سورية محض بالمعنى القومي، وعدم تناديهم إلى عقد مؤتمر فيما بين الدول السورية للبت في قضية فلسطين- للدفاع عنها- أخرج القضية من حقوق السوريين إلى نطاق مشاع بين حقوق عدة دول ضمن العالم العربي. صارت حقوق مصر والعرب ومراكش الخ.. مثل حقوقنا نحن وهذا غلط كبير، هذا تفريط في الحقوق القومية. ومع شدة تبجح السوريين بأنهم يمتازون بالفكر والعقل على بقية العالم العربي كانوا من هذه الناحية متأخرين ولنا بعصبية مصر مثل. إذا قابلنا بين موقف السوريين من الأولى وموقف المصريين من الثانية، اتضح الفرق الكبير بين وضوح مصالح مصر للمصريين وغموض مصالح سورية للسوريين. المصريون لم يضعوا قضية السودان في يد الجامعة العربية ولم يسمحوا بجعلها قضية غير مصرية بحت، لأنهم يشعرون أن السودان يخصهم ولا حق لأحد غيرهم بتقرير مصير ذلك الجزء من وطنهم ولا يقبلون أن يتدخل لبنان أو الشام أو العراق في الأمر وتنوب عن السودان أو عن مصر في البت في مصيره.

أما نحن فقبلنا أن تتدخل في قضية فلسطين أية شخصية غير سورية من العالم العربي وأن تعدها قضية لها كما هي لنا وأن تعتبر نفسها متساوية معنا نحن في الحقوق والمسؤولية وفي تقرير المصير. لم ينتظر العرب والمصريون إلى أن يقول السوريون كلمتهم ليؤيدوها كدول شقيقة أو محبة أو متألمة أو مشتركة في بعض المخاوف، بل تدخلوا مباشرة كأن الأرض تخصهم كما تخصنا ولهم ذات الحق كما لنا.

من الذي يكفل لنا أن العمل صار بإخلاص من جميع الجوانب التي تدخلت في القضية لمصلحة فلسطين والأمة السورية؟

والصحيح أن النتيجة السيئة في كل الشوط الماضي في صدد فلسطين حصلت من تلك التدخلات الواسعة غير المضبوطة التي عرضت القضية إلى مساومات وتأثيرات ما كان يجب أن تتعرض لها.
إننا نشك كثيرا في أن المملكة العربية السعودية كانت تشعر بالفعل أن فلسطين يجب الدفاع عنها كما يشعر السوريون وللغاية السورية عينها التي يريدها السوريون. فالأرجح، الذي تدل الدلائل عليه، أن المملكة السعودية رأت أن في تدخلها مجالاً للعمل لمسائل خاصة بها ويمكننا أن نعتقد، وهنالك أسباب تؤيد هذا الاعتقاد، إن مصالح مادية هامة تمكنت المملكة العربية السعودية من الحصول عليها بطرق المساومات على كيفية تقرير مصير فلسطين. إن القروض المالية الكبيرة التي تستعد دولة الولايات المتحدة الأميركانية لإقراضها لها وفي المصالح المادية الكثيرة التي حصلت بين الولايات المتحدة الأميركانية والمملكة العربية السعودية لا تسمح بأن نظن أنها بعيدة عن تنفيذ خطط السياسة الأميركانية في صدد قضية فلسطين. كذلك نرى أن المصريين نظروا إلى قضية فلسطين من وجهة مصرية بحتة.

في الوقت الذي لا يوجد فيه تخطيط سياسة سورية وليس للسوريين موقف واحد صريح موحد، وسورية مجزأة وكل جزء من أجزائها يكون احتكارا لبعض الفئات الرأسمالية أو الإقطاعية- في الوقت الذي نجد فيه سورية في هذه الحالة السيئة، نجد أمتين من أمم العالم العربي قد كونتا وحدتيهما على أسس أمتن وأقوى على تقرير مصيرهما وأقوى على التدخل في ما يخص الأمة السورية وحدها بدون منازع!

لو كان هذا المبدأ السوري القومي الاجتماعي الأول وجد فعله في الأمة السورية جميعها بسرعة لما وصلت قضية فلسطين إلى الحالة المؤسفة التي وصلت إليها الآن. وكذلك نقول عن الاسكندرون وكيليكية. وإن عندي من الوثائق ما يدل على دلالة صريحة على النتائج الوخيمة التي يسببها إهمال هذا المبدأ الذي يجب أن يكون مقدسًا في كل سورية. حين تم انتزاع منطقة الإسكندرون وإلحاقها بتركية والأمة السورية جريح دامية قام عام 1938 وزير خارجية مصر برد زيارة لوزير الخارجية التركي في أنقرة وتبادلا الأنخاب على كل ما تم لإنجاح تركية، وعلى هذه النتيجة الباهرة الجميلة: إنه لم يبقَ بين تركية ومصر من أرض حائلة إلا فلسطين! فكان هذا القول من قبل وزير خارجية مصر بمثابة الاعتراف للاشتراك بتنفيذ الخطط الأخرى وهي ضم منطقة حلب- دير الزور أيضًا إلى تركية، والإجهاز على غرب شمال سورية كله فلا يبقى بين تركية ومصر أي حائل إلا فلسطين!

إن التفريط في حقوقنا بعدم اعتبار سورية أمة تامة وأن سورية الوطن هي للأمة التامة هو الذي أفقدنا أجزاء غنية ويهددنا اليوم بفقد فلسطين.

 

المركز في 3 كانون الثاني 2009                                                      عمدة الإذاعة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *