وعد بلفور والسلام الزائف

“أمّا وعد بلفور فهو من أغرب الوعود الأثيمة المنافية لحقوق الأمم، ولا أعرف أنّ التاريخ سجّل أغرب من هذا الوعد.” سعاده، 1936.

تمخّض جبل سلام زائف فأنجب فأرًا ينخر ترابه.
سواء أكان هذا المثل شعبيًّا أو فلسفيًا فلربما يكون الأوفى تعبيرًا عن النتائج العينية الوحيدة التي حظي بها أولئك السعاة المعبِّدون سبل سلام موهوم مع عدوٍّ يقول لهم، جهارًا وأمام تواقيعهم وقبلها، وتحت نصوص دينية مقرونة بالممارسة والأفعال، إنهم قد “أتى بهم ربّهم إلى الأموريين والحثيين والفرزيين والكنعانيين والحويين واليبوسيين فيبيدهم” (سفر الخروج 23)، ولم يزل هو هو من دير ياسين وبئر السبع إلى صبرا وقانا، ومن بغداد وبابل إلى دمشق وتدمر، ولم يزالوا أيضًا وأيضًا يعبدون ربّهم الذي “يدفع إليهم سكان الأرض، فيطردونهم من أمامهم. ولا يقطعون معهم ولا مع آلهتهم عهدًا.” (سفر الخروج 23).

ربما هي من نتائج طبيعتنا الأصيلة أن نُسقط، حتى على انحطاط خُلُق أعدائنا، من طيب خامتنا الإنسانية وصدق تجاوب نفسيتنا وتفاعلها المتقدّم تاريخيًّا مع هذا الوجود، ناهيك عن مكنوناته الطبيعية والإنسانية على حدّ سواء. هو إسقاط ولو أتى بدافع من هذا القبيل يبقى التعامل معه مسألة غاية بالخطورة والتهديد، ويُخطئ كثيرًا من يظنّ أنه يستطيع من خلالها حماية ملكه أو سلطته أو على نحو أرقى دولته، فـ “رغبة” اليهود المفترضة بـ “السلام” ليس هناك من بإمكانه التسويق لها إلّا العبيد، فيما المعلن من قبلهم أنفسهم هو النقيض من ذلك. فأن نسلّم بـ “صدق” نواياهم رغم ما أثبتوه بالأقوال والأفعال، ومن غير وجل أو تردّد، وعلى مدى قرن كامل من اتفاقية سايكس – بيكو وتصريح بلفور، ومن إعلان النوايا والتمرّس بها بالقرائن التي تثبت كيف أن “شعبك يا إسرائيل” بالفعل “هوَ شعبٌ كلَبوَةٍ يقومُ، وكأسد ينهَضُ واقفًا.لا ينامُ حتى يأكُلَ الفريسةَ ويشربَ دَمَها حَلالًا.” (سفر العدد 23) وربّهم وحده الذي يعلم إرضاءً لأيّ نوازع هو هذا القتل ولأيّ سبب.

فإنْ سلّمنا بصدق نوايا الداعين لهكذا سلام من سياسيينا، وأقرّينا أدبيًّا بسلامة مراميهم وصفاء أسبابهم، وأخذنا نعاين بالعقل وندرس بالمنطق والتمحيص عملًا خطيرًا هو بحجم السير بمعاهدات مع كيان العدوّ الذي أمره دينه بإبادتنا، فأيّ هدف سيكون خلفها غير سوقنا نحو مسلخنا بأيدينا نحن وبعقولنا نحن، في حين أن إتمام أمر كهذا، وعند نقطة ما، سوف يستدعي لزومًا التخلّص من الذين وقّعوا تلك المعاهدات قبل سواهم من المعارضين لها، فتتحقّق الشروط الأولى لمخططات التطبيع عبر التوقيع الأول فيما يسقط مانع الاستدراج في سحب تنازلات جديدة من خلال إزاحة أصحاب التواقيع أنفسهم.
فإقرار سلام يكون فقط عندما تتوفر شروطه، وأول وأهم تلك الشروط هو أن يكون هدفًا فعليًا للأطراف الساعية إليه، وهنا سنعرض بعض مقوّمات هذا “السلام” لدى عدوّنا، وأنتم ليس عليكم إلّا أن تصدّقوا ما تمكنكم عقولكم من تصديقه:
هل يمكننا التسليم أنّ اليهود شعب ينبذ العنف ويحبّ السلام.. لا يُكنّ ضغينة للآخرين، ولا يتوخّى تسخير مكنوناتهم المادية والروحية خدمة لأهدافه الشاذة ومعتقداته الغريبة؟
هل يمكننا اعتبار أنّ اليهود شعب يتفاعل مع الآخرين، قابل لأن يندمج بهم ويشكّل معهم وحدة حياتية اقتصادية ووحدة مصير؟
هل يمكننا الوثوق أنّ اليهود أناس لا يحوكون المؤامرات، ولا ينشرون الضغائن والمفاسد، ولا يخرّبون الأمم والأوطان؟
هل نصدق أنهم الذين دفعوا بياسر عرفات إلى توقيع “السلام” لأنهم يريدون “السلام”، وهم الذين ضغطوا لشطب العبارات الداعية لإزالة دولة “إسرائيل” من ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، ولم يقوموا بالمقابل بوضع نصّ دستوريّ واضح يقول بحدود إسرائيلية تمتدّ من الفرات لتصل حدود النيل، ولم يعمدوا إلى تبنّي بيانات الأمم المتحدة القائلة بحدود العام 1967 على اعتبارها حدودًا رسمية لهم؟
هل سمحوا لعرفات بتسليح جيشه بما يحتاج للدفاع عن وطنه وشعبه، وذلك على اعتبار أنهم لا أطماع إضافية لديهم تستدعي الخشية من مقاومة السلاح الدفاعي العرفاتي في وجههم. فلم يفتحوا بعد التوقيع نيرانهم على السلطة الفلسطينية الممثلة بصاحب التوقيع يومها- أي عرفات نفسه- بالرغم من هول تنازلاته، ولم تحاصر مقارّه، ولم يقم أحد باغتيال حرسه وكوادره، ولم يجد نفسه مضطرًا أو مدفوعًا لتصفية مقرّبين ومعاونين له تحقيقًا لهذا “السلام”، وهم الذين – أي اليهود- قاموا بتأمين حمايته على اعتبار أنه أداة “السلام” ومحققه، فلم يصل بهم الأمر حدّ قتله مسمومًا. وحتى أمواله الشخصية والتي تفوق ميزانية دويلته هل بقيت للفلسطينيين، ولم يُصَرْ إلى توريثها كاملة لزوجته اليهودية الفرنسية التي استطاعت حمايته بيهوديتها من شرور قاتليه؟
هل أنه لم يلاقِ هذا المصير عينه آخرون، وسواء أكانوا من أمثال أنور السادات أم حتى عبد الناصر نفسه، وفي سبيل استدراج التنازلات ذاتها، ولم يُسجن من مؤيّدي “السلام” أحد كالبرغوتي، ولم يحدث قتل وتصفيات لا حصر لها ولا تعداد؟
ببساطة ذلك هو “السلام” الذي أمكن لسعاة “السلام” تشييده. وتحت وابل من هذا الخراب ، كانوا “يبشّروننا بالسلام ويهيّئون للحرب”، فما بالكم اليوم وهم يبشروننا بالحرب والدمار علنًا، ويطبّقون بشائرهم بلا وازع أو وجل، تنفيذًا لوعد يهوه إله بلفور.

في حساب اقتصادي بسيط ستستخلص نتائجه بأن اليهود لا يؤجّلون حربًا تحت شعار “السلام”، وبالتالي هي فوق أعناقنا أبدًا. فلا تؤخّروا أيها السوريون في سبيل حقّكم قتالًا ضدّ عدوّ بهذا الخبث، وهو الذي لا سبيل لنا إلى اجتنابه إلّا بقتال أشنع وصراعات أحطّ وأدهى، فلا تمنحوهم الفرص مجدّدًا كي يبادلوا قتالكم بحروب أهلية لا حصر لنتائجها، أو بنزاعات كيانية أو عرقية لا تعداد لمآسيها وأضرارها.

لتحيَ سورية وليحيَ سعاده
المركز في 02 تشرين الثاني 2019

عميد الثقافة والفنون الجميلة
الرفيق عارف مهنا

أجاز نشر هذا البيان رئيس الحزب الرفيق الدكتور علي حيدر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *