رسالة العمدة لعيد التأسيس 87

كلّما ازداد عمرك، ازدان بباقةٍ من نضجٍ وثقةٍ وثبات، كلّما تعتّقت أيامك تذهّبت بسنابلَ من عطاء…

الرفقاء المحترمون في الوطن وعبر الحدود،

يقول سعاده:
“إنّ خطط الحزب السوري القومي الاجتماعي كما هي في فكر الزعيم وتخطيطه وتوجيهه وعمله لم ترمِ قط إلى إنشاء كتلةٍ عقائديةٍ متحجّرة، بل إلى منظّمةٍ عقائديةٍ تفعل إدارةً وسياسةً وحربًا لتحقيق غايته. ودستور الحزب وتشكيلاته كلّها تدلّ على اتّجاهه العملي مع تأمين أساسه العقائدي. ولكنّ تطبيق هذا التخطيط لم يكن ممكنًا بمجرّد إرادة المؤسّس المخطّط، بل كان متوقّفًا على تطوّر الحركة نحو تهيئة أسباب التطبيق..”
(سعاده، الرسالة الخامسة إلى غسان تويني، 9 تموز 1946)

ومن هنا ينطلق إلى الشروط التي تحقّق هذا التطبيق:
اكتمال مرحلة التأسيس والنمو.
العدد الكافي من الأعضاء المتنوّعي المواهب.
حصول ظروف سياسية مؤاتية.

ومن هذا السياق يمكن عرض بعض الأسئلة:
هل اكتملت مرحلة التأسيس وحصل النمو؟
يمكن الإجابة عن القسم الأول من السؤال بنعم ولا؛ نعم لأنّ التأسيس الحقيقي الذي قام به سعاده أرسى القواعد المبدئيّة الفلسفيّة والعلميّة والعمليّة والدستوريّة والنظاميّة بقدرةٍ تفوّق بها على كلّ التحدّيات الداخلية والخارجية، والتي كانت مجتمعةً على محاربته بما تمثّل من سجون ومعارك واعتقالات، وفي فتراتٍ متتالية من تاريخ الحزب. الأساس هو أصل البناء، إنّ الحزب قد مرّ بتأسيساتٍ عديدة وليس بتأسيسٍ واحد، وربما استشهدنا بفترة التأسيس “الأول” للحزب، والذي اضطرّ الزعيم بعده إلى “حلّه” وإعادة تأسيسه، كما تُعتبر مرحلة عودته من المغترب القسري من مراحل التأسيس الحقيقية، التي قوّم فيها مسار الحزب الذي اتّبعه أصحاب “الواقع اللبناني”، وأخذ إجراءاته الإدارية بعد أن شرح من جديدٍ مبادئ الحزب وغايته، واهتمّ بالشأن التثقيفي ليمنع عن الحزب الميعان العقدي، ويمكن اعتبار كلّ مرحلةٍ من تاريخ الحزب تأسيسًا جديدًا يعتمد على التخلّص من الشوائب والانحرافات، والانطلاق بعزيمةٍ صادقةٍ وإرادةٍ صلبة، بناءً على خطةٍ واضحة.

أمّا عن النمو، وهو الأمر الذي لا يمكن فصله عن مراحل التأسيس، فله خطٌّ بيانيٌّ تصاعديٌّ عظيمٌ في تاريخ الحزب في سنواته الأولى، ولاسيّما بعد انكشاف أمر الحزب، ووقفة الزعيم في المحكمة المختلطة، التي يعتبرها هو أنّها الوقفة الأولى للتعبير عن شخصية سورية منذ ألفي عام! كما حصل في إعادة الندوة الثقافية، إذ سيّرالزعيم، بين المجموع المتزايد دائمًا في حضوره للندوات، تيارًا من الوعي والتثقيف، حيث نرى هذا الرابط العظيم بين الحركة التثقيفية والنمو. وهذا ما يميّز الحركة القومية الاجتماعية عن باقي المنظّمات والأحزاب والحركات التي تسعى إلى التراكم العددي على حساب نوعيّة ودرجة الوعي والأخلاق، وقد أصاب الحزب هذا الداء بسبب تصرّف بعض المسؤولين، فنرى أعدادًا كبيرة دخلت في سجلّات الحزب، ولاسيّما تضامنًا مع سعاده في فترات سجونه أو اعتقالاته… وما كان من سعاده إلّا أن أعفاهم من قَسَمِهم، وذلك لأنّ عملية التثقيف لم تحصل عندهم بعد.

هل توفّر في الحزب جهازٌ شخصيّ متنوّع المواهب بشكلٍ كافٍ؟
لتقديم إجابةٍ أوّلية، نعتمد قاعدة “الأعمال بنتائجها” لنخلص إلى أنّه لو تمّ حصول توفّر المواهب العملية الكافية، لكانت مسيرة النهضة قد فعلت في مجموع شعبنا بشكلٍ أفضلَ ممّا هو عليه الآن، وهذا ما عبّر عنه سعاده في أكثر من مجال “ولا تزال مشكلة الجهاز الشخصي لإدارة الحزب وسياسته غير محلولة..”، وهذا ما تكرّر في تاريخ الحزب لاحقًا بشكلٍ أو بآخر وبدرجاتٍ متفاوتة، ولاسيّما أنّ الدخول في معترك الحياة القومية الاجتماعية لناحية المسؤوليّات والوظائف، تشريعيّةً كانت أو تنفيذيّة، فإنّها لا تصبح موجودةً لمجرّد تعيين هؤلاء الرفقاء، ولنا من نعمة ثابت ومأمون إياس وفخري معلوف وغسان تويني وغيرهم دليلٌ واضح، ولذلك ركّز الزعيم على مسألة المواهب. ونراه في كثيرٍ من كتاباته يصنّف ويميّز بين عمل الرفيق وعمل المسؤول المعيّن أو المنتخَب، فالرفقاء يلهجون بعقيدتهم والمسؤولون يعملون بحسب وظائفهم، فيمكن لرفيق أو لمسؤولٍ أن يُبدع أدبيًّا أو إداريًّا.. ولكنّه لا يستطيع الكتابة أو العمل في السياسة، ولنا عبرةٌ من مَثَل الوفد الذي كُلّف حينها ليقابل الدكتور الشهبندر في الجرجانية، وعاد يُخبر الزعيم بما حصل، فكان جوابه أنّه قد أرسل الوفد ليتكلم بالسياسة وليس ليشرح العقيدة! ولنا من أسد الأشقر مَثَلٌ آخر وهو عندما بعث برسالةٍ إلى الزعيم يقترح فيها لو أنّه أنشأ “حزب الإصلاح اللبناني” و”حزب الإصلاح السوري”، وسيّر الحزبين باتّجاهٍ واحدٍ لأصبح الزعيم الموجّه الأول دون منازع، إلّا أنّ الزعيم، وبحسب رسالة الأشقر “لم يكن ناجحًا سياسيًّا وإذاعيًّا”ّ! والأمثلة كثيرة يضيق المجال لعرضها. لقد مرّ في تاريخ الحزب إمكانيات وأسماء كبيرة وكثيرة، ممّا جعل الجهاز الشخصيّ، في كثيرٍ من الفترات يبدو كافيًا، وقد حقّق الحزب نجاحاتٍ كبيرةً حتى بعد استشهاد الزعيم، ولاسيّما في مطلع الخمسينيات، إلّا أنّ الحالة العامّة والنتائج العملية الحقيقية لم تحصل كما يجب، لماذا؟ للإجابة عن هذا السؤال لن نعرض للشؤون الخارجية، رغم أنّها أساسيّة وضروريّة، ولكن لنستفد من تناول الأمور داخليًّا للانسجام مع الموضوع.

في مسار الحزب، ورغم توفّر إمكانياتٍ بشريةٍ مقبولةٍ وعددٍ معقولٍ منها، إلّا أنّ انتكاساتٍ كبيرةً وانحرافاتٍ عظيمةً حصلت في تاريخه. وإذا استبعدنا العوامل الخارجيّة، على أهميّتها، يمكن ردّ ذلك إلى عدم فعالية الروحية التي تُبنى عليها المؤسّسات بالدرجة الأولى عند بعض المسؤولين، وهذا ما أوصل بهم إلى النزعة الفرديّة وروحيّة “الكليك” كما أسماها الزعيم، فنرى مسؤولين، في مراحل مختلفة، لا يلتزمون بالدستور والنظام، ويخرجون حتى على عقيدة الحزب، ويتعاملون مع جهاتٍ خارجيةً دون علم المركز بذلك! ولنا في كتاب الرفيق ابراهيم يموت “الحصاد المرّ” كثيرٌ من الوقائع التي تدلّ على هذا الشأن، وفي غيره من المراجع، كذلك ما تُظهره المحاضرتان الأولى والثانية في هذا الخصوص على الأقل. وإنّ ما ركّز عليه سعاده هو بناء الأشخاص وتدريبهم بحسب مواهبهم، وهذا ما يمكن أن يُغني الحزب، وفي الوقت عينه لا يحصل تداخلٌ في الصلاحيات، وبذلك وقى الزعيم وحمى الحزب ومؤسّساته من التضارب، وربما التصارع، وخصوصًا إذا ما ركّزنا على العقليّة الأخلاقيّة وفضائل الجندية التي اشتغل فيها سعاده حتى استشهاده، وتابعها الحزب عبر “الانتفاضة” خارج الانحرافات والانقسامات التي حصلت لاحقًا، والتي لا يزال كثيرٌ من القوميّين يعانون من تأثيراتها عليهم.

هل حصلت الظروف السياسيّة المناسبة؟
يمكننا من تفهّم تاريخ بعض محطّات الحزب أن نتناول السياسة لناحية مجرياتها العالمية، ولناحية القدرة على الاستثمار السياسي الذي كان سعادة يعتمده، والذي نراه يواكبها بأدقّ تفاصيلها، حتى إذا ما سنحت الفرصة المناسبة استثمرها بدرجةٍ فائقة، وهذا ما حاول أن يقوم به في ما يخصّ المسألة الفلسطينية مثلًا، فإنّه أنتج واقعًا جديدًا لصراعنا مع اليهود، وهو المفهوم القومي المستند إلى التاريخ، وليس العروبي أو الديني أو الانعزالي…، وكادت فرق القوميين تنجح مع شرفاء الأمّة في القضاء على اليهود لو كان هنالك إمدادٌ بالسلاح للمقاتلين. وما الشعار الذي أطلقه رياض الصلح “لا سلاح للقوميّين الاجتماعيّين” إلّا دليلٌ على التخاذل والتعامل مع اليهود من قبل سياسيّين بارزين من بلادنا. ومن اللافت أنّ سعاده لم يتوانَ عن التعاون مع هيئاتٍ مختلفةٍ لتأمين ذلك، حتى من يحمل صفةً دينيّة، ولاسيّما “إسلاميّة”، في محاولةٍ منه لتحقيق القوّة اللازمة للقضاء على اليهود ومنع مشاريعهم القائمة على الاغتصاب. فلا نستطيع أن نفصل الفكر عن الحركة، والفهم العقدي عن العمل السياسي… فالحزب هو حزبٌ سياسيٌّ بامتياز، وبهذا الشأن يوضح سعاده أنّ قبول أمر الواقع السياسيّ في لبنان مثلًا هو قبولٌ سياسيٌّ وليس قبولًا عقائديًّا، دون التأثير على الولاء القومي ودون تناقض، وهذا ما جعل السياسة في الحزب تتّجه لخدمة العقيدة من ضمن مصلحة الأمّة العليا، والتعامل السياسي مع ظرفيّة الأحداث، فانفصال لبنان عن الشام يعتبره سعاده من أكثر الصفحات السود التي أصابت لبنان، وفي الوقت نفسه تعامل مع اللبنانيين بمخاطبتهم “أيّها الشعب اللبناني”، كما وأنّ التعامل مع الكيان الشامي سياسيًّا كان كشعبٍ ودولة، وجعله يُنشئ شُعبًا سياسيّةً تتعاطى السياسة كما يُلائم كلّ كيانٍ دون الفصل العقدي في جسم الأمّة. وقد أنشأ وقتذاك “لجنةً إداريّةً عليا” لدولة الشام، على قاعدةٍ شبيهةٍ باللامركزية كما أسماها سعاده، للعمل السياسي فيها بعد الحصول على رخصة “الحزب القومي” على أنّه حزبٌ لبناني، وبالرغم من ذلك يرى غسان تويني أنّ هنالك “تحجّرًا أكاديميًّا”! فللسياسة دورٌ لا غنى عنه في عمل من يحقّ لهم الاشتغال سياسيًّا، وقد حصر الزعيم العمل السياسي في من هم مؤهّلون لهذا العمل موهبةً وتدرّبًا ووظيفة، كي يحمي الرفقاء من تلوّناتها، ويعطيَ الدور لتحقيق الأهداف عبر الفريق المخوّل للعمل في السياسة.
نخلص في هذه الرسالة المختصرة لنصل إلى القيمة الحقيقيّة وهي “وحدة المسؤولية في وحدة الإدارة الحزبية”، فإذا انطلقنا من عمل أيّ رفيقٍ في أيّ فرعٍ حزبيّ في بلادنا، نجد له الدور الأساس في بناء النهضة، عبر تدبّر قَسَمه والالتزام به، وعبر ما أعطاه إيّاه الدستور من حقّ إبداء الرأي تسلسلًا أو مباشرة، بحسب مقتضى درجة الخطورة، ولا يعني ذلك أبدًا أن ينشر الرفيق رأيه على صفحاتٍ ورقيةً أو إلكترونية! وصولًا إلى عمل أيّ مسؤولٍ معيّنٍ أو منتخَب، فواجبه العمل بسياق ما يفرضه النظام، وإلّا كان خارج المسؤولية وخارج وحدة الإدارة الحزبية، مما يضطرّ الإدارة إلى أن تتّخذ إجراءاتها بحقّه بعد محاولات المعالجة، فيصبح خارج الحزب اقتداءً بما عمله سعاده، وتنفيذًا للنظام، وحفاظًا على سلامة الحزب ونقائه ووحدته.

نستمدّ من التأسيس في تشرين الروحيّة ونظام الفكر والنهج، لأنّ بلادنا اليوم في أشدّ الحاجة إليه لينتشلها من وضعها المرير. فليكن الرفقاء هم هؤلاء العاملين، بحبٍّ وصبرٍ والتزامٍ ونظامٍ وأخلاقٍ ومعرفة، على إعلاء شأنها وجعلها أمّةً تسير نحو الفلاح القومي، حينها يكون التأسيس عيدًا يزدان الوطن به ويحمله الشعب نداءً وواجبًا مدى الأجيال.

المركز في 16 ت2 2019
تحيا سورية ويحيا سعاده
عميد الداخلية
الرفيق ربيع الحلبي

أجاز نشر هذا البيان رئيس الحزب الرفيق الدكتور علي حيدر.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *