كلمة الرئاسة الموقرة في مؤتمر التحالف الوطني الديمقراطي

عيد التأسيس

أيّها المواطنون والرفقاء،
في السادس عشر من تشرين الثاني 1935، صدر أمر القبض على حضرة الزعيم ومسؤولين ورفقاء في الحزب، بعد أن استمرّ العمل السرّيّ منذ عام 1932، وقد تشعّب هذا العمل ونما، إلّا أنّ أحد ضعيفي النفوس استطاع الوصول إلى مستندات حزبية، وإيصالها إلى الأمن العام اللبناني، وقد أعلن سعاده هذا اليوم يومًا لتأسيس الحزب، “من هذه النقطة ابتدأت الثورة الروحية العملية على الخوف والوجل والتهرّب، على صفات الخنوع والذلّ. «إنّي أسّست حزبًا قوميًّا في السرّ لا لكي يبقى في السرّ، بل ليظهر للملأ معلنًا تجدّد أمّةٍ كان العالم يظنّها ميتة» هذه هي العبارة التي أجبت بها على سؤال قاضي التحقيق الأجنبي عن السبب في كون الحزب سرّيًّا.” (سعاده، خطاب أول آذار 1938)

منذ ذلك اليوم، نعمل في الحزب لنكون أهلاً بالتعاقد مع الشارع صاحب الدعوة، نعمل تحقيقًا لتجدّد هذه الأمّة، وفي هذا العمل: “نحن حركة هجومية لا حركة دفاعية. نهاجم بالفكر والروح، ونهاجم بالأعمال والأفعال أيضًا. نحن نهاجم الأوضاع الفاسدة القائمة التي تمنع أمّتنا من النموّ ومن استعمال نشاطها وقوّتها. نهاجم المفاسد الاجتماعية والروحية والسياسية.
نهاجم الحزبيّات الدينية،
نهاجم الإقطاع المتحكّم بالفلاحين،
نهاجم الرأسمالية الفردية الطاغية،
نهاجم العقليّات المتحجّرة المتجمّدة،
نهاجم النظرة الفردية. ونستعد لمهاجمة الأعداء الذين يأتون ليجتاحوا بلادنا بغية القضاء علينا، لنقضي عليهم.
هذه هي وجهة سيرنا. هذا موقفنا في المشاكل السياسية الكبرى المحيطة بنا.
إذا كان لا بدّ من هلاكنا يجب أن نهلك كما يليق بالأحرار لا كما يليق بالعبيد.
نحن لا نعني بحركتنا لعبًا ولا تسلية.” (سعاده، المحاضرة التاسعة، 21 آذار 1948).

هذه حال الحزب، أمّا حال كيانات الأمّة فليس فيها تجدّدٌ، بل أوضاعٌ متردّية من وجوه عديدة. ففي العراق الذي لا يزال يعاني من سيطرة الاحتلال المباشرة وغير المباشرة، يشهد اليوم حراكًا شعبيًّا، تحت عنوان المطالبة بتغيير البنية السياسيّة، وبالذات المفسدين، وتعديل الدستور، وإيجاد فرص عمل لملايين العاطلين عن العمل، وتحسين الأوضاع المعيشيّة (30% من العراقيّين تحت خطّ الفقر)، حيث تردّي الأوضاع الاقتصاديّة رغم غنى العراق بالثروات والمياه، في مواجهة قوى سياسيّة ودينية طائفية متجذّرة ومستفيدة من الوضع القائم بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وهذه القوى تعطّل، وتحاول تفجير أي محاولة إصلاحية يمكن أن تهدّد مصالحها وسطوتها على المشهد العراقي العام.. حيث نجد اتفاقًا بين القوى السياسية التقليدية للإبقاء على السلطة الحالية، ولو اضطرّ الأمر إلى استخدام القوة. وهنا نشير إلى أنّ هذا الحراك أتى بعد عزوفٍ طويل للعراقيّين عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية السابقة حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة 19% من العراقيين في الانتخابات الأخيرة.
لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ مشاكل العراق شبيهة بتلك الموجودة في لبنان، فكلّنا يذكر كم طالت المدة في كلا الكيانين لتشكيل الحكومة في كلّ منهما، وكلّنا يعرف مدى الفساد المستشري بين المسؤولين في الكيانَين، أمّا الفارق فهو أنّ الحكومة العراقية بادرت إلى “الاستجابة” لمطالب المواطنين بالعنف، دون أن نغفل دور الاحتلال في ذلك القرار، ما أدّى إلى وقوع عدد لا يستهان به من الضحايا الذين كان كلّ مطلبهم الحياة الكريمة.

كما أنّنا نجد أنّ الحراكين قد حدثا بعد بروز مواقف وممارسات سياسيّة من بعض المسؤولين السّياسيّين في الكيانين، وعقب الإعلان عن بعض الإجراءات الضريبيّة الّتي تنهك كاهل الفئات الفقيرة. أمّا في العراق، فإنّ الحراك قد بدأ غداة فتح معبر البوكمال على الحدود العراقيّة الشّاميّة. وهذا ما يذكّرنا باندلاع “ثورة” السّودان غداة زيارة رئيس السّودان دمشق نهاية العام الماضي. والجدير ذكره أنّ الحراك الّذي اندلع في العراق في بداية شهر تشرين الأوّل قد هدأ بعد عدّة أيّام، ولكنّه عاد وتجدّد عقب اندلاع الحراك في لبنان. ويواجه الكيان اليوم أسوأ تهديد له منذ 2003، حيث يقترب الوضع من نزاعٍ أهلي واسع، يمهّد لحرب أهلية خارج السيطرة والضبط، تدخل العراق حينها في مشروع “الفوضى الخلاقة” المطلوبة أميركيًّا.

وبغية محاولة معالجة الوضع القائم، طلع علينا من الزّعماء السّياسيّين من طالب بتغيّير النّظام السّياسيّ في العراق من نظام ديمقراطي برلماني إلى نظام رئاسي، ولم يجرؤ أحد على المس بالنّظام الطّائفي في العراق. فليست المشكلة الأساسية في العراق أن يكون نظامه برلمانيًّا أو رئاسيًّا، إنّما المهم ألّا يكون طائفيًّا. فبسبب النّظام الطّائفيّ و”العرقيّ” تحوّل العراق من عراق واحد إلى ثلاثة: عراق كرديّ في الشّمال، وعراق سنّيّ في الوسط، وعراق شيعيّ في الجنوب. ولهذا نجد أنّ المرجعيّة الدّينيّة الشّيعيّة هي الّتي انبرت لإيجاد الحلول للوضع جراء الحراك القائم هناك. من هنا، نجد الحاجة ماسّةً لاتّخاذ العبر وإدراك الدّروس الّتي تُعلّمنا إيّاها الأحداث الجارية. فلا بدّ لكلّ من العراق ولبنان التّخلّص من الدّاء السّرطانيّ المتمثّل في النّظام الطّائفي القائم على المحاصصة بين أمراء الطّوائف وترك النّاس تغرق في بؤسها وشقائها دون جدوى، وإقرار الدّستور الّذي يؤسّس لقيام دولة المواطنة القائمة على التّساوي الحقيقي في الحقوق والواجبات بين أبناء البلد الواحد. لا بدّ من الإسراع في البدء بمعالجة الوضع العراقي بقطع طريق الانزلاق باتّجاه الحرب الأهلية، وكذلك على التدخّل الخارجي الذي بدأت تظهر ملامحه علنًا. هذا التدخّل الذي وصل عبر الممثّلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق إلى وضع “خارطة طريق” للخروج من الأزمة! في الوقت الذي يستطيع فيه العراقيون الذهاب إلى أبعد من ذلك تحقيقًا لمصلحة الكيان عبر سلسلة من الإجراءات والتدابير السريعة والاستثنائية في ملفات محاربة الفساد والإصلاح الانتخابي، انطلاقًا من قواعد واضحة قائمة على المصلحة العامة الجامعة لكلّ العراقيّين.
في هذه الأجواء، يجب أن لا يغيب عن الانتباه الهجوم على قاعدة القيارة الجوية التي تُعتبر من أهم القواعد التي تتواجد فيها قوات أميركية، وما لهذا الهجوم من دلالات تشير إلى توجيه الاتّهام إلى الوجود الأميركي بشأن جزءٍ كبير مما يحصل للعراقيّين.

أمّا في لبنان، وبعد سلسلةٍ من القرارات والأحداث الظالمة للمواطن، الذي لم يعد يستطيع تحصيل رمقه بالغالب، وأبرزها التلاعب بأسعار الدولار، وعدم التصدّي لهذا الأمر من قبل حاكم المصرف المركزي مبدع “الهندسات المالية” المربحة للمصارف – وقد بدأت تباشير الأزمة المصرفية أوائل الصيف، حيث توقّفت المصارف عن تسليم زبائنها مبالغ كبيرة بالدولار – تلتها إضرابات الأفران ومحطات الوقود، تلتها حرائق عجزت الحكومة عن مكافحتها ومعالجة نتائجها – وسبب هذا العجز هو إهمال السلطة لأبسط واجباتها في أخذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة الكوارث – فضلاً عن الإجراءات الضريبيّة التي أحكمت الخناق على أعناق اللبنانيّين فاندفعوا في انتفاضة مفاجئة، ولم تقتصر المفاجأة على السلطة وحدها، بل إنّ المواطنين أنفسهم تفاجأوا بردة الفعل الواحدة، التي لا زالت مستمرّة منذ حوالي الشهر، وقد تكون المرة الأولى في حياة الكيان التي يندفع فيها أبناؤه، لهذه المدة، دون أيّ حساباتٍ فئويّةٍ، سواءٌ أكانت طائفيّةً أو إقطاعيّاتٍ سياسيّة – أعني بها الأحزاب التقليدية اللبنانية – أو مناطقية، بل إنّ الألم والظلم وحّد اللبنانيّين للمرة الأولى، فاكتشفوا أنّهم متشابهون ومتقاربون بعد ما تربوا عليه من تقسيم في أحضان الطائفية والإقطاع الطائفي. مقابل ذلك كان تلكّؤ السلطة ومراهنتها على الوقت، وعلى تعب الناس وتشتيتهم، وتهديدهم بشوارع أخرى موالية، أدّت إلى فسح المجال أمام بعض المصطادين في الماء العكر، من منظّماتٍ وأحزاب محلية، ومن أطراف خارجية تدعم بعض أطراف الحراك. وكان للإعلام دور سيّء في تعزيز الشرخ ومحاولة تعويم أطرافٍ محددة، فتسارعت التطورات، وسط حالة النكران والمكابرة من قوى السلطة، وكانت مطالب المعترضين تزداد تنوعًا وتصاعدًا مع مرور الوقت دون وضع حلول من السلطة، وصار الناس مطالبين بالخروج من الشارع مقابل وعود بالإصلاح.. مقابل استنفار أطراف السلطة التي أصبحت أقلّ مرونةً وأقلّ قدرةً على التفاعل مع المتغيرات السريعة.
لقد كنا، مع حلفائنا، من أوائل المشاركين في الحراك، محاولين عقلنة المطالب وتدريجها، كما كنا حريصين على ألّا تتحوّل التظاهرات إلى أدوات ضغط على المقاومة أو التآمر عليها. وكنا ندعو إلى الاستفادة من هذه الانتفاضة، التي أظهرت الشعب اللبناني بشكلٍ موحّد، وليس كرعايا طوائف، وقلنا إنّ المؤسّسة الوحيدة التي يمكن أن تشبه هذا المشهد الموحّد هي المؤسّسة العسكرية، التي دعوناها إلى التفاعل مع المشهد بطريقة إيجابية، والبناء عليه، للوصول إلى مؤسّسات لدولة مدنية تتعامل مع الشعب من خلال مخاطبته كشعبٍ واحدٍ موحّد. ودعونا إلى التأسيس على ذلك للخروج من النظام الطائفي السياسي ونظام المحاصصة الطائفية الاقتصادي ونظام الملل الطائفية التي لكلٍّ منها قوانينها وتشريعاتها، إلى نظام سياسي واقتصادي واجتماعي جديد، قائم على حقوق المواطن وواجباته ليكون منتجًا بطريقة من الطرق؛ نظام قائم على فصل الدين عن الدولة ومنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين، وإزالة الحواجز بين الطوائف والمذاهب… مع وضع قانون انتخاباتٍ قائم على النسبية على أساس لبنان دائرة واحدة، وخارج القيد الطائفي.
دعَونا إلى ذلك ووضعنا – في الحزب – رؤيتنا لأهداف الحراك في مطالب واضحة، وعبر خطواتٍ واضحة:

تشكيل حكومة:
• إنتقاليّة، مكوّنة من طاقم عمل متجانس، كفؤ، نظيف الكف وحائز على ثقة اللبنانيين.
• ببرنامج إنقاذي-إصلاحي شفّاف ذي مُهل زمنيّة محدّدة، وصلاحيّات تشريعيّة فيما يتعلّق بتحقيق برنامجها.

تعمل على:
• وضع وتنفيذ سياسات ماليّة ونقديّة تؤدي إلى تدعيم الاقتصاد الوطني والعملة المحليّة.
• فصل القضاء عن السياسة وجعله مستقلاً عن السلطة التنفيذّية.
• رفع الحصانات وإلقاء الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لكلّ من تولى أو شارك في السلطة، بالإضافة إلى أموال عائلاتهم والمقرّبين منهم.
• مباشرة الإجراءات الآيلة الى استرجاع الأموال المنهوبة.
• إستعادة أموال الهندسات الماليّة، وفرض ضرائب تصاعديّة عادلة على أرباح المصارف.
• إلغاء رواتب ومخصّصات الرؤساء والوزراء والنواب السابقين.
• إعلان تملّك كافة المنشآت القائمة أو المتعديّة على الأملاك العامّة، ووقف كلّ الاحتكارات في مختلف القطاعات.
• سنّ قوانين لتحفيز وحماية الإنتاج المحلي.
• وضع قانون إنتخابات عصري، نسبي، وخارج القيد الطائفي يحترم أحكام الدستور، وذلك خلال مهلة شهرين من تاريخ التكليف.
• إجراء إنتخابات نيابيّة مُبكرة خلال مهلة أربعة أشهر من تاريخ التكليف.
• اتخاذ الاجراءات اللازمة لتحقيق الأمن المعيشي والاجتماعي، ومعالجة المشاكل الحياتيّة والبيئيّة التي تطال الجميع لا سيّما الفئات المستضعَفة وذوي الدخل المحدود.
• إقرار قانون موحّد للأحوال الشخصيّة.
• وضع منهاج تربوي موحَّد يعزّز المواطنة في النشء والأجيال الصاعدة.

كما أعلنّا رفضنا لمظاهر مفروضة قد توصل إلى الفوضى التي يريد البعض الوصول إليها للاستثمار فيها، ومنها قطع الطرقات العشوائي، وتخريب المنشآت.
ولا بدّ من التأكيد أنّ موقفنا من أيّ تغيير متعلّقٌ بالمحافظة على حقّ الشعب في مواجهة العدوّ، وإحقاق حقّنا، وحماية المقاومة بكلّ أشكالها.

في المقابل يتصاعد التهويل بوقوع حربٍ أهلية، وتكرار تجربة 1975، ونرى بعض المظاهر التي لا تمّت إلى المطالب المرفوعة من الحراك بصلة، وقد يكون ذلك مدفوعًا من الإرادات الخارجية التي تريد العبث بلبنان والتضييق عليه في مجالَي المقاومة والعلاقة مع الكيانات الشقيقة، عبر تسلّق بعض أحزاب السلطة وميليشيات الحرب، وحرف المطالب المعيشيّة إلى مطالب سياسية تتعلّق بتحسين شروطهم في تشكيل الحكومة الجديدة. لا بدّ لنا هنا من تنبيه مواطنينا من خطورة الانزلاق في هذا المطبّ، لأنّه هو الطريق لما أُسميَ “الفوضى الخلاقة” ووبالها على أمّتنا. ونعيد التأكيد على أنّنا، كما كنا إبّان الفتنة الدينية في 1936، وفي ما سُمّي “ثورة 1958″، والاقتتال الذي انطلقت شرارته عام 1975، سنكون دائمًا الدرع الواقي لمواطنينا ولن نألوَ جهدًا في حقن الدماء العزيزة حتى لا تراق هدرًا.

وفي فلسطين تبقى جذوة النضال مستمرّة بفعل المسيرات الأسبوعية التي يقوم بها مواطنونا في غزّة للتأكيد على حقّنا في الأرض السليبة، وبفعل مقاومة الاحتلال في الضفّة الغربيّة عبر أعمال بطوليّة، مستعملين كلّ الوسائل المتاحة من دهس أو طعن أو اشتباك بالنار، ناهيك عمّا يقوم به أهلنا في الأراضي الّتي احتلّت عام 1948 من أنشطة تبقي الصلة المتينة بالأرض والتّمسّك بها بلا هوادة. ولا بدّ لنا من التّنويه بالتّصدّي البطولي لكلّ عدوان على غزّة، فقد بات للقوى المسلّحة هناك إمكانات عالية المستوى باتت تشكل قوة رادعة للعدوّ، حيث غدا يحسب لها ألف حساب عندما يريد أن يقوم بأي عدوان غاشم، وذلك بفضل الصواريخ ذات المدى الذي يصل إلى مدن كبيرة وبعيدة عن القطاع. مع هذا المسار المشرق على الصّعيد النّضالي، يبقى الخلاف بين حركتي فتح وحماس مصدر قلق وترقّب لكافة القوى الفلسطينيّة مشكّلًا لها الشّغل الشّاغل للتّخلّص من هذا الوضع الشّاذ الذي ينفذ منه العدوّ ليصل إلى مبتغاه في فرض ما يراه يحقّق وعده اليهوهي في جرفنا من أرضنا. وآخر ما توصّلت إليه هذه القوى هو إجراء انتخابات، لانتخاب المجلس التّشريعي والمجلس الوطني الفلسطيني وانتخاب رئيس جديد للسّلطة. وأخشى ما نخشاه أن تكون نتائج هذه الانتخابات كنتائج سابقتها والتي كانت بمثابة الصاعق الذي فجّر الخلاف بين الحركتين. وإذا كان لا بدّ من هذه الانتخابات، فلتكن بعد حسن تدبير والاتفاق على احترام نتائجها مهما كانت وتطويق أي ذيول سيّئة لها، مع التشديد على ضرورة أن يكون أي عمل قادم، ومنه الانتخابات المزمع إجراؤها، مستندًا على “مشروع وطني” جامع ومحط توافق، ينهي الانقسام القائم بين المشاريع المطروحة، ويعيد الثقة – التي تتآكل شيئًا فشيئًا – بالقوى القابضة على الوضع الفلسطيني الحالي… وهذا ما يُنهي الانقسام ويستعيد الوحدة الفلسطينية على أساس مصالحة على “مشروع وطني” واضح..

ومن الجدير بالذكر أنّ الخطوط العريضة لهذا المشروع الوطني يرسمه الجيل الجديد على كامل تراب فلسطين، هذا الجيل الذي تستهدفه دولة الاغتصاب بالملاحقة والاعتقال.
ولا بدّ من الإشارة إلى الاعتداءات “الإسرائيليّة” التي طالت شخصيّات فلسطينية حتى في دمشق، ما يؤكّد أنّ حربنا مع اليهود مفتوحة وغير مقتصرة على أرضٍ محددة، وتستدعي أن يكون الردّ مفتوحًا.

أمّا في الشّام، فقد شهدنا تطوّرات عسكريّة وسياسيّة واقتصاديّة هامّة حصلت خلال الأشهر الأربعة الأخيرة تمحورت حول تحرير الجزء الجنوبي من محافظة إدلب والجزء الشّمالي من محافظة حماه. وانتشار الجيش الشّامي في مناطق واسعة من محافظتي الرقّة والحسكة بعد انكفاء قوّات “قسد” عن تلك المناطق عقب الانسحاب الأميركي منها، ومع بدء تنفيذ الاتفاق الرّوسي التّركي الذي قضى بوقف الغزو التّركي الذي تمكّن من التوغّل لمسافة 30 كلم في الأراضي الشّاميّة بين مدينتي رأس العين وتل أبيض. فبات الجيش الّشامي يسيطر على الحدود الشّاميّة التّركية من مدينة منبج إلى تل أبيض ومن مدينة رأس العين حتى الدرباسية، وهو على تماس مع الميليشيات المسلّحة التابعة لتركيا على خط التوغّل بين مدينتي رأس العين وتل أبيض. وما نغّص من فرحة شعبنا بانتشار جيشه في تلك المناطق هو عودة الجيش الأميركي للسيطرة على أكبر آبار النّفط في محافظتي الحسكة ودير الزّور معلنًا عن خشيته الخدّاعة من سيطرة “داعش” عليها، وذلك للسيطرة على هذه الآبار واستثمارها بملايين الدولارات الشهرية لدعم تنظيم “قسد” ماليًّا، والضغط عليه مجدّدًا لوقف أيّ تقارب أو حلٍّ بين الدولة في الشام وهذا التنظيم العسكري، ولإبقائه تحت السيطرة الأميركية للاستثمار العسكري والسياسي اللاحق ضدّ الكيان، وضدّ أيّ حلٍّ سياسي يحافظ على وحدة الأرض والوحدة السياسية.
هذان الاحتلالان التركي والأميركي في الشمال، والمشاريع المرتبطة بهما، يجعل المنطقة تحت خطر محدق لجهة جعلها خاصرة رخوة قابلة لمشاريع التقسيم المحضّرة لها تحت تسمياتٍ عديدة، ويحمّل الجميع مسؤولية كبرى في مواجهة هذه المشاريع التركية – الأميركية للمنطقة.

أمّا على الصّعيد السّياسيّ، فقد تمّ تأليف اللجنة الخاصّة بدراسة الدستور الشّامي، ما يشكّل منعطفًا هامًّا ومرحلةً خطيرةً من مراحل الأزمة التي اندلعت منذ منتصف شهر آذار من العام 2011. وذلك لما لهذه اللجنة من دور حسّاس وحاسم في وضع أسس مسار الحياة السّياسيّة وما يستتبعها من شؤون مرتبطة بها. فالدّستور هو القانون النّاظم لحياة المجتمعات على اختلاف درجات أوضاعها الاجتماعيّة والاقتصاديّة. لقد مرّ تشكيل هذه اللجنة بمخاضٍ عسير وطويل نتيجة تعدّد الأطراف التي أسهمت في تشكيلها. ولم تكن الدّول الثلاث الضّامنة لمسار “أستانة” هي الوحيدة التي ساهمت بتشكيلها، إنّما وقفت خلفها دول أخرى كالولايات المتّحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا ليكتمل عقد الدّول صاحبة حقّ النّقض “الفيتو” في مجلس الأمن الدّولي لتأمين الغطاء الدّولي للّجنة وزجّها بمنصّة جنيف التي نعاها الرّئيس الأسد. وذلك في محاولة منها ليكون لها القول الفصل في تأليفها ومن ثمّ في أعمالها، وأخيرًا في النتائج التي ستتمخّض عنها في وضع دستور جديد للبلاد. هذا الدستور الذي يشكّل العمود الفقري للحلّ السّياسي المنشود للخروج من دوّامة الأزمة ووضع حدّ لسفك الدّم وتدمير العمران والتّهجير والحصار وإلى ما هنالك من مآسٍ وويلات على شعبنا في الشّام. وقد اعتمد التّوافق في اتّخاذ القرارات أو الحصول على ما نسبته 70% في حال عدم التّوافق. وهذا ما يؤشّر إلى صعوبة عمل اللّجنة وحاجتها إلى الوقت الطّويل. ومن هنا كان طلب الحكومة عدم وضع جدول زمنيّ لعمل اللّجنة.
هذه اللجنة يعيبها بشكلٍ أساسي عدم مشاركة قوى سياسيّة فاعلة وهامة فيها، وأولها الحزب السوري القومي الاجتماعي، تشكّل بنيتها وتركيبتها وآلية عملها واتّخاذ القرارات فيها، عوامل تعطيل وعدم قدرة على اتّخاذ قراراتٍ جدية في سياق صياغة مشروع دستور جديد للبلاد بجهود “سورية” خالصة. ويرتبط كلّ ذلك فقط بتوافق دولي يسمح باتّخاذ القرارات اللازمة عبر اللجنة المشكّلة. وهكذا تتحول إلى وسيلةٍ لتظهير التوافقات الدولية حول الشام بدل دورها المفترض في صياغة ما يخدم الكيان. هذا دون أن يغيب عن انتباهنا الرسالة المرفقة من الأمين العام للأمم المتحدة، إلى رئيس مجلس الأمن الدولي، حول المعايير لإنشاء اللجنة الدستوريّة. هذه المعايير التي تعيدنا إلى بدايات الصراع السياسي حول الشام، والعودة إلى القرار 2254 دون أيّ تنقيح، وكأنّ كلّ الجهود بين عامَي 2015 و2019 ذهبت أدراج الرياح..
إنّ تجاربنا مع المؤتمرات الدّوليّة غير مشجّعة حسب ما خبرناه من مؤتمرات وإرسال لجان تحقيق في بداية القرن الماضي، والتي كرّست حالة التّقسيم التي شهدناها عقب إبرام اتّفاقيّة سايكس – بيكو عام 1916 بالإضافة إلى سلخ أجزاء واسعة من أراضينا. ولعلّ التوجّه العام للدّول الكبرى، التي أسهمت في تشكيل اللّجنة، ووضع الأسس التي تعمل عليها ما ينذر بشرٍّ مستطير جرّاء تضارب مصالح تلك الدّول مع مصلحتنا. ولنا مثالٌ في الدّستور الذي وضعته الولايات المتّحدة الأميركية للعراق بالتّوافق مع دول الجوار، على أساسٍ طائفيّ و”عرقيّ” مشابه للدّستور اللّبناني، مما تسبّب بإيجاد مشاكل متشابهة في الكيانين. وهذا ما يدعونا إلى لفت نظر القيّمين على الأمور في الشّام للتشدّد في اتخاذ المواقف المطلوبة لوضع دستور عصريّ على أساس المواطنة الحقّة دون اعتبار لطائفة أو “عرق”، دستور يحافظ على الوحدة الاجتماعية ويؤمّن التكامل الاقتصادي مع باقي كيانات أمّتنا السوريّة.

وأمّا في الشأن الاقتصادي، فلا بدّ لنا من تسجيل بعض الإجراءات التي اتّخذت في مجال محاربة الفساد واسترداد جزءٍ من المال المنهوب وتدعيم الخزينة، بحيث تمّ وضع موازنة العام المقبل مع صفر عجز. وهذا ما يشجّع على البدء بعمليّة إعادة الإعمار دون حاجة للمساعدات المشروطة من أيّة جهة أتت. وكذلك ما نشر حول إبرام عقود لإقامة مشاريع إنمائية تسهم في زيادة حجم الإنتاج ولا سيّما بعد تحرير المزيد من الأراضي الغنية بزراعتها وثرواتها الطّبيعيّة. ولكنّ كلّ ما سبق لا يعالج، بشكلٍ مستعجل وطارئ، الوضع المعيشي الصعب للمواطن، وتراجع قيمة صرف الليرة التي وصلت إلى 700 مقابل الدولار… والارتفاع غير المسبوق للأسعار، والبدء التدريجي بتحرير أسعار بعض المواد الضرورية لحياة المواطنين اليومية… كلها عوامل تضعف من مناعة المواطن ومقاومته، وتجعله فريسة لاحقة لأي مشاريع اختراق لبنية المجتمع…

يبقى أن نشير إلى مقتل من يسمى أبو بكر البغدادي المعرّف بـ “زعيم داعش” لنسأل السؤال المشروع: “لماذا لا تظهر جثث القتلى من قادة «القاعدة» أو مخلفاتها؟” بينما ظهرت جثث الرّئيس صدّام حسين وأبنائه وجثّة الرئيس الليبي. فلا بدّ من سرٍّ يكمن في ارتباط هؤلاء القادة مع الولايات المتّحدة الأميركية باستعمالهم لتحقيق مخطّطاتها في العالم. وهذا ما نجده الآن في عمليات القنص والاغتيال التي تتم في التظاهرات في العراق، وكلّ ذلك بعد نقل أعداد من قيادات داعش من مراكز اعتقالهم، وفي حوامات أميركية، إلى داخل العراق وفقدان أثرهم هناك…

ويأتي القرار برفض تجديد تأجير أراضي الباقورة والغمر إلى كيان العدوّ في الأردن مؤخّرًا، كمنفذٍ للنور في الكيان الذي ينوء تحت وطأة المعاهدات المفروضة عليه والتي أخضعته للإرادات الخارجية بالكامل، على أمل أن يُستكمل هذا القرار بإلغاء جميع هذه المعاهدات، وفي مقدّمتها “وادي عربة” ليستعيد الكيان سيطرته على مقدّراته وقراره، فلا يكون ممرًّا للمؤامرات المساقة على أمّتنا وكياناتها.
وقبرص والإسكندرون وكيليكية والأهواز وسيناء تتوق لعودتها إلى حضن وطنها الأم، على يد أبناء أدركوا حقيقة المجتمع وحقّه.

وبعد ما رأيناه من تبادل رسائل بين المنتفضين في لبنان وفي العراق، لا بدّ أن نعود للتأكيد أنّه لن تقوم قائمةٌ في كياناتنا إذا لم تسعَ بعملٍ حثيث للتنسيق والتكامل في الاقتصاد والسياسة والدفاع، لتتمكّن من الوقوف في وجه المؤامرات التي تسعى إلى السيطرة أكثر فأكثر على مقدّراتنا وثرواتنا، ومواطنينا، يسوقها علينا عدوّنا التاريخي – اليهود، تحقيقًا للوعد الموهوم.

أمّا بالنسبة للعالم العربيّ فهو ما زال إلى اليوم يتخبّط بتناقضاته، وعدم قدرته على معالجة مشاكله. وهذا ما لمسناه من عدم التجرّؤ على مقاربة الغزو التّركي للأراضي الشّاميّة بالشّكل الّذي يوحي بوقوفه المبدئيّ الصّارم تجاه عدوٍّ غازٍ، فما صدر عن اجتماع وزراء الخارجية في القاهرة لا يعدو كونه بيانا إنشائيًّا لتلميذٍ في الصفوف الابتدائية. ناهيك عن الحرب الدّامية العبثيّة في اليمن. والوضع المتقلّب في السّيطرة على غرب ليبيا بعد حضور المحور القطري – التّركي المناهض لحضور المحور المصري– السّعودي– الإماراتي. أضف إلى ما حصل في السّودان من أحداث أفضت إلى تدفيع الرّئيس السّوداني السّابق ثمن زيارته لدمشق. وما طفا على سطح الأحداث هناك أشار إلى أنّ “الثّورة” حدثت بترتيب من المحور القطري– التّركي وانتهت بفوز المحور الّسّعودي– الإماراتي. وما يعيب في أمر هذه المحاور كلّها أنّها تدور في الفلك الأميركي الأوسع. لذلك فإنّ الحلّ لهذه المشاكل يكمن في تحرير هذه الدّول من ربقة الارتهان للمشيئة الأميركية عن طريق التّخفيف من الاعتماد عليها في الخطط السّياسيّة بقسميها الدّبلماسي والحربيّ والاتّجاه بتنوّع العلاقات مع دول أخرى لخلق التّوازن في العلاقات مع الولايات المتّحدة الأميركيّة. ولعلّ زيارة الرّئيس الرّوسي الأخيرة لبعض دول العالم العربي تأتي في هذا السّياق. وبارقة الأمل الوحيدة في العالم العربي الّتي أشاعت جوًّا من الفرح والسّعادة تمثّلت بانتخاب رئيسٍ جديدٍ لتونس بعيد عن المحفل السّياسيّ الّذي تناهش مغانم السّلطة بعد الأحداث التي أفضت إلى خلع الرئيس بن علي من منصبه. ولكن تبقى العبرة بما سيكشفه المستقبل من مواقف للرّئيس الجديد بعدما صدرت عنه مواقف جريئة متعلّقة بصيانة حقوق المواطنين في حرّية التّعبير وسيادة القانون وتأييده نصرة المسألة الفلسطينيّة.
وفي الإقليم، نجد قوّتين تتصدّران الأحداث وهما إيران وتركيا، فلكلّ منهما تأثيره المباشر على ما يدور في بلادنا من أحداثٍ، وخاصّة في العراق والشّام لما يحظيان به من حدود مشتركة مع هذين الكيانين. وما يهمّنا هو أن نحافظ على كلّ ما هو إيجابيّ متوافق مع مصلحتنا وأن نجابه كلّ ما هو سّلبيّ درءًا لمخاطره على مصلحتنا، إذ لا ثوابت سياسيّة في العلاقات بيننا وبين الدّول الأخرى سوى ثابتة: مصلحتنا فوق كلّ مصلحة. ومن هنا نجد أهميّة الدقّة في العلاقة مع هاتين الدّولتين ونخصّ بالذّكر اشتراكهما مع الاتّحاد الرّوسي في منصّة “أستانة” للإسهام في حلّ الأزمة في الشّام كما هو معلن.

وعلى الصّعيد العالمي نجد الصراع المزمن بين الدّول الكبرى في محاولة للهيمنة والسّيطرة على مقدّرات الشّعوب. ويظهر هذا الصراع إمّا أحاديًّا كما كان بين أوائل التسعينيات من القرن الماضي، بعد سقوط الاتّحاد السوفياتي، وحتى السنة العاشرة من هذا القرن، حين بدأ يبرز دور الاتّحاد الرّوسي عقب الأزمة الجورجية، واستكمل مع الأزمة في الشّام واستطرادًا مع الأزمة الأوكرانية التي كانت بمثابة الرّد على التّدخّل الرّوسي في الشّام. واليوم تدخل الصين حلبة المنافسة الدّولية عبر اقتصادها الفاعل والمنتشر في كافّة أرجاء العالم. إنّ هذا الصراع يستقطب كافّة الدّول الضّعيفة علّها تستفيد من الاستقواء بدول كبرى لتكتسب دورًا ما في إقليمها. وهذا ما جنته إيران من صداقتها مع كلّ من الصين وروسيا خلال التّفاوض حول المشروع النّووي الإيراني، وما جنته الشّام في تصدّيها لمحاربة الإرهاب. والأمثلة كثيرة حول هذا الأمر. ما يهمّنا نحن في خضمّ الصراعات في العالم هو أن نحفظ حقوقنا ونعلنها بالوضوح الكافي، ونعمل لاستعادة ما هو ضائع منها من أراضٍ سليبة وثروات مصادرة. أمّا الدّور الأوروبي فهو في تراجع مستمر على كافّة المستويات نتيجة عدم القدرة على إيجاد موقف واضح يخرج عن الهيمنة الأميركية، وها هي بريطانيا تتخبّط لإيجاد وسيلة للخروج من الاتّحاد الأوروبي لتلتصق أكثر بالولايات المتّحدة الأميركية بعدما ضاقت ذرعًا بمتطلّبات الحفاظ على ذلك الاتّحاد.

أيّها المواطنون والرفقاء،
في خضمّ هذه الأحداث، نتقدّم بخطى واثقة رزينة، متمثّلين ما قاله سعاده: “إنّ كرامة الأمّة وسلامة الوطن قد أصبحتا في خطر ليس لهما ضمان سوى موقفكم وعملكم، فعليكم أن تعملوا بما عُرفتم به من عقيدة راسخة وتجرّد صادق ووطنية لا غبار ولا شبهة عليها، فاعملوا لتغلّب الوطنية على الطائفية ولانتصار النهضة القومية على الحركات الرجعية.” (نداء إلى القوميين الاجتماعيين بمناسبة الفتنة الدينية، 16 تشرين الثاني 1936).

مقياسنا الأساس: “مصلحة سورية فوق كلّ مصلحة”، ونصب أعيننا تحقيق الوعي في أبناء أمّتنا، حتى نخرج جميعًا من الذلّ الذي فرضه علينا الاستعمار بكلّ وجوهه، وما كنّا لنخضع له لولا فقداننا السيادة القومية، وتشتتنا في طوائف وإقطاعيّات أكلت الأخضر واليابس.

أيّها المواطنون والرفقاء،
إنّ الساعة ساعة أمر… “نحن نعني أنّنا لا نرضى إلّا حياة الأحرار ولا نرضى إلّا أخلاق الأحرار.”

فتحيا سورية حياة سعاده
المركز، عيد التأسيس 2019
رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي
الرفيق الدكتور علي حيدر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *