مقدمة كتاب الإسلام في رسالتيه

مقدمة.. وإيضاح للطبعة الرابعة من كتاب الإسلام في رسالتيه المسيحيّة والمحمّديّة

كم يُسيءُ قليلو التدبّر إلى المسائل العلمية، باسم العلم. وكم أضرَّ الذين يتخذون من الأصول الحديثة المتبعة في التدقيق والنقل قياسات جامدة تسيء أحياناً إلى المرامي التي من أجلها يضع الباحث بحثه الذي ينقلون عنه أو يدققون في نصوصه.

وكم شوّه المتمسكون، سطحياً، بمناهج البحث المدرجة في الكتب إلى أصحاب البحوث حين لا يجدون فيها دليلاً لهم على الغاية التي استهدفها الباحث في كشف حقيقة إنسانية أو مجرى تطوّر اجتماعي.

وتصبح الإساءة ويغدو الضرر ويمسي التشويش عوامل تشويه في حال حصولها في بحث أو نقل أو تحقيق أو تدقيق كتابات، الغرض منها إيضاح نظرة إلى الوجود وشرح فلسفة جديدة لهذه النظرة إلى الوجود.

ويحصل هذا أكثر ما يحصل لأصحاب مدارس جديدة في علم الاجتماع والفلسفة إذا ما طال الموت صاحب المدرسة أو تلامذته الذين تتلمذوا عليه وأخذوا عنه. أو حين تختلط في أذهان الناقلين أو المدققين أمور وأفكار تقصر عن المدى الذي اشتملته كتابات وتعاليم المدرسة الاجتماعية في حقلي العلم والفلسفة.

وهذا ما حصل ويحصل للإرث الذي خلفه سعاده ومنه هذا البحث العلمي الفلسفي.

ولتقصير في تدبر نظرة سعادة إلى الوجود وفلسفتها، أو لغاية في النفس ـ لجهل أو لتجاهل ـ أفاد بعضهم من فقدان وثائق عديدة في الصراع المرير الذي عانته الحركة السورية القومية الاجتماعية والزعيم، منذ عام 1935 حتى عام 1975 فاتخذوا من المنهجية النظرية ترساً لهم لكي يجمعوا “آثار” الزعيم ـ كاتب هذا البحث العالي الأهمية ـ من مصادرها الوثيقة. لكنهم لجهل أو لتجاهل. يسيئون إلى الذين إنما وضعت الأبحاث ودبجت المقالات لفائدة ولتثقيف جموعهم في الآن وفي الاستمرار ولمساعدتهم في التدرج في فهم العقيدة القومية الاجتماعية، نظرة إلى الوجود وفلسفة تضيء مسالك العرفان وتساعد في تدبر النظرة ومعطياتها.

هذا البحث جاء في مقالات مسلسلة في جريدة “الزوبعة” التي أنشأها الزعيم في الارجنتين في فترة اغترابه القسري عن أرض الوطن. وكان إنشاء جريدة الزوبعة من أجل نشر دروس في شؤون الحياة المشتملة في النظرة السورية القومية الاجتماعية.

وفي صلب هذا البحث، وفي مراسلات بصدده أكَّد الزعيم أنه سيعود إلى تنقيح مقالاته لتأتي مستكملة شروط البحث في المواضيع التي تضمنها، في حال التصميم على نشرها في كتاب أو كتب وفق مواضيعها.

وكان الزعيم حريصاً على التنبيه إلى وجوب تدبّر كل رسالة اجتماعية ـ أو ما ورائية ـ تدبراً صحيحاً لجوهرها فلا يقع الدارس في شطط سوء فهم الألفاظ بمداليلها، فيختلط عليه بعض الأمر في ما هو شرح للجزئيات أو الآنيات العارضة في التركيب الاجتماعي الدقيق، المستمر، متناقضات أو مفارقات في النص تحمله بعيداً عن الجوهر الشمولي، فيندفع في التأويلات أو يضيع في وهم وجود متناقضات. النص الأصلي، الذي يعتمده، أحياناً، الناقل أو مدقق الكتابات والكتب هو دائماً، وبكل توكيد، النص الذي اعتمده الكاتب أو الباحث ليُجمع في دفتي كتاب.

والباحث العالم تتكشف له معطيات تغدو محمولات لموضوعه لم تكن له، وإلاّ لما كان به حجة للتنقيب والتمحيص والغوص على ما يسند به موضوعه ويزيده وضوحاً وتركيناً. ومن أجل هذا كان لا بد من التنقيح. وهذا ما أكَّده الزعيم في صلب بحثه.

وحين لا يكون بدّ من نشر البحث في صحيفة ما، استجابة لحاجة ملحة، لا يجد الباحث مندوحة من التدرج في البحث لسد تلك الحاجة من البسيط إلى الأدقّ في محمولات موضوعه. فإذا لم تتح لواضح البحث ـ الدراسة ـ العودة إلى ما كتب ونشر لتنقيحه ليصبح التكامل في البحث كمالاً، فإن على المدقق ليكون موضوعياً، أن يعتمد مقومات البحث وجوهر الفكرة فيصحح كل نص لا يكون واضح المدلول، متوافقاً مع جوهر الفكرة ومحمولات الموضوع.

بصدد البحث المتعدد المواضيع الذي نشر في جريدة الزوبعة بين 15 تشرين الأول 1940 وأيار 1942 بعنوان “جنون الخلود” كان لا مندوحة من تقسيم هذا البحث إلى مواضيعه الرئيسية، بعد تنقيحه كما أكَّد الكاتب، وفعل.

وبما أن الموضوع الأهم في البحث كان دين السوريين، الإسلام، والموضوع الثانوي كان أدب الممخرقين المصابين بجنون الخلود، رأى الزعيم أن يفصل الموضوعين واختار للقسم المتعلق بالدين الذي يعتنقه السوريون، كل السوريين، وهو الإسلام، عنوان “الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية” توافقاً مع ما أوضحه وأسنده إلى براهين رسالية وانجيلية في الحلقات الأساسية من البحث.

وكان الزعيم قد وضع الإشارات الأولى في عملية التنقيح على نسخة من مجموعة “الزوبعة” كان قد حملها معه أو مع أمتعته المستقدمة من الأرجنتين، وهذه النسخة “المنقحة” هي التي اعتمدتها لجنة النشر المؤلفة من عميد الثقافة ووكيل عميد الثقافة عام 1952 لإصدار الطبعة الأولى من كتاب “الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية”.

وضعنا كلمة “المنقحة” بين مزدوجين لأن التنقيح النهائي لم يكن للزعيم متسع من الوقت للقيام به. والتنقيح المعتمد كان على صفحات الجريدة. وقد أقرَّ إصدار ما جاء في موضوع الأدب في عدد من “النظام الجديد” بعنوان “جنون الخلود”.. وكذلك حصل لكتاب نشوء الأمم المنقح بقلم الزعيم على نسخة من الطبعة الأولى الصادرة عام 1938

وقد تمَّ إصدار الكتابين في دمشق.

لقد أقرَّ المجلس الأعلى الموقر في حينه النشر وفقاً للتنقيح الأولي على النسخ الأصلية للطبعة الأولى لكتاب “نشوء الأمم” ولجريدة الزوبعة، وأنشأ محضراً بهذا الصدد وحُفظت النسخ الأصلية في محفوظات المجلس الأعلى وقتذاك.

كان لا بد من هذا الإيضاح المتأخر لأن “متبرعين” بنشر التراث الذي خلَّفه سعاده تجاهلوا كل القواعد في التحقيق والتدقيق في مثل هذه الدراسات التحليلية الموضوعية وأخذوا ما وصلهم من نسخ أعداد الجريدة. وزادوا في ذلك أن رموا الذين أخذوا الأمر أخذاً علمياً “بالتحريف والتحوير” ضاربين كشحاً عما جاء في النص الأصلي بين أيديهم في سياق البحث من تصحيح للتعابير والمدلولات ومن معطيات وإسنادات جاء النص بها في الحلقات الأخيرة من مسلسل البحث.

ويقيننا أن الباحث العلمي المنهج الذي سيعود إلى هذا البحث مستقبلاً، لن يتخطَّى القواعد المنهجية للبحث والتدقيق فيعمد إلى درس كل ما جاء حول الموضوع، هذا اليقين هو الذي حدا بنا لوضع هذه المقدمة ـ الإيضاح للطبعة الرابعة هذه.

بيروت آذار 1980

جورج عبد المسيح

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *