الرسالة الثانية لعمدة التربية

إيضاح من عمدة الداخلية


في جوابه عن سؤال ورد إلى الموقع، كان الرفيق نزيه أبو كامل، الباقي حيًّا في وجداننا، والذي كان عميدًا للداخلية يومها، قد أعدّ هذا الإيضاح، ونشر على الموقع الإلكتروني للحزب بتاريخ 1 نيسان 2005. وهو لا يزال منشورًا في خانة الأسئلة الحزبية، (السؤال رقم 29) على شكل PDF
. وقد رأت عمدة الإذاعة أن تعيد طباعته على شكل Word ليتسنّى للقراء الاستفادة منه بطريقة أفضل، لما له من أهمية في شرح وجهة نظر الحزب في مسألة تعدّد التنظيمات التي تحمل اسمه، والحلّ الذي يراه كفيلا بتحقيق “وحدة القوميين الاجتماعيين”.

إن هذا الجواب ينير جوانب هامة من المسألة، ويضاف إلى بيان الرئاسة الإيضاحي لعام 1991، الذي أشار إليه بيان الرئاسة للأول من آذار 2009، وفيما يلي نصّه:

إيضاح من عمدة الداخلية

قّلما يمرّ يوم لا نسمع فيه السؤال يتكرّر: لماذ هناك أكثر من تنظيم يحمل اسم الحزب السوري القومي الاجتماعي، ولماذا لا تقومون بتوحيد هذه التنظيمات في تنظيم واحد، وكّلكم تقرأون في كتاب واحد” لسعاده؟

ولتسهيل الإجابة باختصار مفيد، وبناءً على تعليمات الرئاسة الموّقرة، قامت عمدة الداخلية بإعداد هذا التوضيح:

أولاً: يقول سعاده في الخطاب التأسيسي عام 1935إنّ مبادئنا القومية الاجتماعية قد كفلت توحيد اتجاهنا، ونظامنا قد كفل توحيد عملنا في هذا الاّتجاه”، ( كتاب الدليل إلى العقيدة السورية القومية الاجتماعية، ص69). ويقول في مقالة عنوانهاالمجموع والمجتمع”: لا مشاحة في أنّ العقيدة لا تكون عقيدتين، بل واحدة وأنّ الحركة لا تكون حركتين، بل واحدة وأنّ الزوبعة لا تكون زوبعتين، بل واحدة. لذلك وجب أن نوضح للرفقاء مسائل كثيرة في العقيدة القومية الاجتماعية تساعدهم على فهمها وعلى تجّنب الأخذ بما قد يخالطها في الأدب ولا يأتلف معها في الأساس والغاية” (الدليل ص .(250 ويقول أيضًا في خطاب:1935 “إنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي لأكثر كثيرًا من جمعية تضمّ عددًا من الأعضاء أو حلقة وجدت لفئة من الناس أو من الشباب. إّنه فكرة وحركة تتناولان حياة أمّة بأسرها” (“الدليل”،ص66).

إذن، فالحزب السوري القومي الاجتماعي ليس مجموعة أو مجموعات من الأشخاص جمعتهم فكرة متغيّرة أو مصلحة آنيّة، بل هو فكرة وحركة تتناولان حياة الأمّة ـ الجماعة اّلتي استقرّت في وطن تدور حياتها فيه باستمرار منذ ما قبل الزمن التاريخي الجلي وإلى ما لا نهاية. إّنه الفكرة ـ المبادئ التي تشكّل لمعتنقيها عقيدة اتخذوها إيمانًا لهم ولعائلاتهم، والحركة التي انخرطوا في صفوفها عاملين على تحقيق الفكرة ـ المبادئ التي بتحقيقها تتحّقق للأمّة الحياة المرتقية باستمرار. المبادئ هي منطلقهم وتحقيقها هو غايتهم. المبادئ وحّدت اتجاههم نحو الغاية والنظام الذي تسير به الحركة وحَّد عملهم في هذا الاتجاه. لذلك قال الزعيم: “ونظامنا وحّد عملنا في هذا الاتجاه.

إذن، فوحدة الحزب هي نتيجة تلقائية طبيعية لوحدة المنطلق باتجاه الغاية الواحدة وليست هدفًا بحدّ ذاتها.

ثانيًا: وعندما نجد أكثر من تنظيم واحد يحمل اسم الحزب السوري القومي الاجتماعي، فذلك يعني أنّ خللاً ما قد حصل وعلينا تشخيصه لمحاولة علاجه. وبكلمة أخرى، إذا وُجِدت عدّة تنظيمات تحمل الاسم نفسه، فلا يمكن أن يكون سوى تنظيم واحد تصحّ فيه تسمية الحزب السوري القومي الاجتماعي: إنه التنظيم الذي يضمّ مجموع السوريين الذين أقبلوا على الدعوة إلى القومية السورية الاجتماعية وآمنوا بالمبادئ الأساسية والإصلاحية التي تشكّل القضيّة التي تساوي وجودهم أمّة حيّة منتصرة، وانضووا في حركة نظامية معبّرة عن هذه المبادئ تضبط عمل العاملين باتجاه الغاية الواضحة.

ثالثًا: بناءً على ما تقدّم يكون السؤال: “لماذا لا تتوحّد التنظيمات التي تحمل اسم الحزب السوري القومي الاجتماعي في تنظيم واحد؟” سؤالاً خارج مفهوم الحزب الفكرة والحركة، ويكون السؤال الأصحّ، مثلا “لماذا ظهرت وتظهر ويمكن أن تظهر تنظيمات تحمل اسم هذا الحزب؟ هكذا يستقيم الأمر وتمكن الإجابة المفيدة، وهي كما يلي:

رابعًا: لأنّ الحركة السورية القومية الاجتماعية انطلقت حركة صراع لتقيم الحق وتسحق الباطل كان طبيعيًا أن تواجه في سيرها عقبات داخلية وعقبات خارجية، عليها أن تبدأ بالأولى منها لتتغّلب عليها وتتمكن من التغّلب على الثانية. وسنحاول فيما يلي ذكر أهمّ الحوادث الفاصلة في تاريخ الحزب لنرى كيف تمكن من التغلب على الصعوبات وهي:

أفي العام 1932 اجتمع إلى الزعيم خمسة سوريين أظهروا اقتناعهم بالمبادئ السورية القومية الاجتماعية، فأقسموا يمين التعاقد مع الزعيم للعمل على تحقيقها. وبعد فترة وجيزة ظهر لدى اثنين منهم ما يدلّ على أنهما ما زالا في قبضة الباطل ولم تتحرّر نفساهما منه بعد. فما كان من الزعيم إلا أن أقصاهما عنه وأكمل العمل بالآخرين.

بفي الأربعينيات من القرن الماضي، وخلال غياب الزعيم في اغترابه القسري، استجاب بعض من وصلوا إلى دوائر الحزب العليا لمحرّضات الباطل وقاموا بتحريف المبادئ وإهمال درس العقيدة وتحوير اتجاه الحزب إلى العمل من خلال مخططات سايكس ـ بيكو. من هؤلاء: نعمه تابت الذي نادى بـِ “الواقع اللبناني” وجاراه في هذا الاتجاه مأمون أيّاس وأسد الأشقر (أسد الأشقر اعتذر عن مجاراته لنعمه تابت فاكتفى الزعيم بفصله وأعاده بعد الاعتذار وفايز صايغ الذي أدخل إلى الحزب فلسفة فردية مقيتة تتعارض على خط مستقيم مع فلسفة الحزب الاجتماعية. لقد سقط هؤلاء في فخّ الإغراءات السياسية الخبيثة. وبعودة الزعيم عام 1947 أقصاهم عن جسم الحزب وأعاد ترسيخ مفاهيم العقيدة بشرح المبادئ في عشر محاضرات، كما أعاد تنظيم الحزب بما يجعله وحدة عقدية متماسكة. ولوجود الزعيم المؤسِّس لم يمكن أن تظهر جماعات تحمل انتحالاً اسم الحزب السوري القومي الاجتماعي.

جفي أوائل الخمسينيات، بعد الاستشهاد الرائع، وبعد ظهور الحزب بقوّة لافتة على الساحة السياسية القومية، عاد أعداء الأمّة إلى استدراج بعض ضعفاء النفوس لتكرار محاولة تحوير الحزب عن اتجاهه الصحيح وغايته المثبتة في المادّة الأولى من دستوره، وذلك بتحريف مبادئه ـ منطلقاته الفكرية، بحجّة “تطوير المبادئ” و”مماشاة الفكر العالمي” ممّا كان دارجًا آنذاك. كان الاستدراج هذه المرّة أمريكانيًا بإغراءات مادّية بحجّة التعاون على محاربة الشيوعية والشيوعيين السوريين، فسقط من سقط في هذا الفخّ وتهدّد الحزب بسوء المصير لولا أن قام السوريون القوميون الاجتماعيون بانتفاضتهم المعروفة التي أُعلنت في تشرين الأوّل من عام 1957 (للتوسّع راجع كتاب “مراحل الانتفاضة في الحزب السوري القومي الاجتماعي).

د ـ الذين خرجوا على العقيدة والنظام القوميَيْن الاجتماعيين وأُبعدوا عن جسم الحزب بانتفاضة 1957، اشتركوا في فتنة 1958 في لبنان بأموال وأسلحة أمريكانية إلى جانب إحدى فئتي الاقتتال الذي سمح لليهود بترسيخ اغتصابهم لفلسطين والتوسّع شمالاً وضمّ عدّة قرى من جنوب لبنان إلى الأرض المغتصَبة. بعد انتهاء الاقتتال بشعار “لا غالب ولا مغلوب” كانت المغانم من نصيب من نصبوا الفخاخ ولم يكن نصيب الخارجين على العقيدة سوى بعض المال ورخصة تحمل اسم “الحزب القومي الاجتماعي” ولا تحمل في غايتها مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي.

ه ـ في مطلع عام 1962 قام هؤلاء بمحاولة انقلاب عسكري في لبنان جرّهم إليها محترفو السياسة الخبيثة التي تعمل لأيّ شيء إلا لمصلحة الشعب القومية. فشل الانقلاب وأُودع الآلاف في السجون ونُكِّل بهم وطُبّق تعتيم إعلامي شديد على التعاليم السورية القومية الاجتماعية، إلى جانب منع الحزب من ممارسة حّقه في العمل الفكري والسياسي لمدّة تسع سنوات متتالية سُمح خلالها لكلّ الأفكار الهدّامة بالانتشار تهيئة لفتنة أعنف وأقسى على الأمّة، فتنة شارك فيها هؤلاء الخارجون على العقيدة بدَوْرٍ معروف.

و ـ خلال السنوات الأخيرة من سنيّ سجن أصحاب الانقلاب الفاشل، كانت تجرى معهم اتصالات من جهات سياسية “عرفاتيةفأصبحنا نقرأ لهم في الصحف المقالات والأبحاث الطويلة العريضة بأسماء مستعارة: “سبع بولس حميدان لأسد الأشقر و “قيس الجردي لإنعام رعد وظهر الخروج العقائدي واضحًا في تلك الكتابات مثل اعتبار اليهود عنصرًا من العناصر المكوِّنة للأمّة السورية بصفتهم جماعة آرامية سورية” كما ادّعى “سبع بولس حميدان في ملف “الحروب المصيرية” الذي صدر عن دار النهار في 28/12/1967 صفحة11، وبأن “فئات اليهود التي استدرجها الصهاينة المشوَّهون إلى هنا سيمتصّها مجتمعنا” (صفحة 16)، خلاًفا لنصّ شرح المبدأ الأساسي الرابع من المبادئ السورية القومية الاجتماعية الذي يقول: “إنّ في سورية عناصر وهجرات كبيرة متجانسة مع المزيج السوري الأصلي، يمكن أن تهضمها الأمّة إذا مرّ عليها الزمن الكافي لذلك، ويمكن أن تذوب فيها وتزول عصبياتها الخاصّة. وفيها هجرة كبيرة لا يمكن بوجه من الوجوه أن تتفق مع مبدأ القومية السورية هي الهجرة اليهودية. إنها هجرة خطرة لا يمكن أن تهضم لأنها هجرة شعب اختلط مع شعوب كثيرة فهو خليط متنافر خطر وله عقائد غريبة جامدة وأهدافه تتضارب مع حقيقة الأمّة السورية وحقوقها وسيادتها ومع المثل العليا السورية تضاربًا جوهريًا. وعلى السوريين القوميين أن يدفعوا هذه الهجرة بكلّ قوّتهم“، ومثل بدعة التقاء كارل ماركس وسعاده رغم التعارض الواضح بين العقيدة الشيوعية والعقيدة القومية الاجتماعية.

ز ـ سنة 1970، وبعد الإفراج عن سجناء محاولة الانقلاب الفاشلة، سُمِح للأحزاب باستئناف نشاطها فتقدّم الحزب من وزارة الداخلية اللبنانية بـ “علم وخبرباسم الحزب السوري القومي الاجتماعي مرفِقًا به دستور الحزب كما وضعه الزعيم وصّنفه، وبنصّ الغاية المثبتة في المادّة الأولى من هذا الدستور. وتقدّم المنحرفون بعد ذلك بمدّة شهر تقريبًا بـِ “علم وخبرأيضًا وبالاسم نفسه، لكن بنصّ مختلف كليًا للغاية وبغير الدستور السوري القومي الاجتماعي. منحت وزارة الداخلية اللبنانية رخصة لكلّ من الحزب السوري القومي الاجتماعي وللمنحرفين بالاسم نفسه خلافًا للمنطق والقانون، فما هو الهدف يا ترى؟ أليس لإشاعة البلبلة بين المواطنين ووضع العراقيل أمام العاملين لنشر العقيدة كما وضعها الزعيم، وهي العقيدة الوحيدة الكفيلة بإنقاذ الأمّة ممّا يتهدّدها من أخطار؟

ح ـ بين العامين 1970 و 1975 كانت مرحلة التهيئة للفتنة في لبنان ـ التي دامت حوالى سبعة عشر عامًا، وكانت نتائجها كارثية على الأمّة السورية. اشترك هؤلاء المنحرفون بدور فعّال في تلك الفتنة ـ الاقتتال، متحالفين مع أعداء الأمس ومعادين لحلفائه. خلال تلك الفتنة انقسموا على بعضهم وأصبحوا تنظيمين ومنحت وزارة الداخلية رخصة ثالثة وباسم الحزب نفسه أيضًا. ومن المضحك المبكي في آن أّنه حين دخل جيش الشام إلى لبنان ليضع حدًّا للاقتتال، كان قسم منهم يقاتل إلى جانبه والقسم الآخر يقاتله إلى جانب عرفات وحلفائه، وتواجه القسمان بالسلاح لعدّة مرّات وسقط منهم برصاصهم ضحايا عدّة.

ط ـ خلال سنوات الاقتتال التي لم يكن يُسمع فيها صوت العقل، صوت النهضة السورية القومية الاجتماعية، صوت سعاده، بسبب ضجيج الشعارات المزيّفة وقرقعة السلاح وحروب الزواريب، استمرّ فكر سعاده يشعّ ويفعل بفضل السوريين القوميين الاجتماعيين الذين آمنوا بهذا الفكر وعملوا له تحت طبقة الضجيج والصخب؛ استمرّ يفعل في من يطّلع عليه فيُقبِل على الدعوة وينتظم في المكان الذي يصادف تعّرفه فيه وجود أحد التنظيمات التي تحمل اسم الحزب السوري القومي الاجتماعي، إلى أن يكتشف بعد فترة أين هذا التنظيم من سعاده. فمن تيّقظ وجدانه وعرف أّنه في التنظيم الخطأ وحسم أمره التحق بالحزب المجسِّد للعقيدة والمعبِّر عنها. ومن لم يحسم أمره منهم بقي متأرجحًا بين انتقاد قيادته مع البقاء في ظلها وبين الانكفاء عن العمل بالمرّة.

ي ـ بسبب البلبلة والتخبّط الذي وقع فيه المنحرفون، ولحاجتهم إلى الأعداد التي على أساسها يتلّقون المساعدات المالية والمناصب السياسية من جهات عدّة، رفعوا شعار “وحدة الحزبوجعلوها هدفًا لهم، وتمكنوا من تحقيق هذه “الوحدةبين القسمين اللذين ظهرا في السبعينيات ولكن بالشكل فقط، وها هي التكتلات وحالات العصيان عندهم تظهر كلّ يوم وتنشر أنباؤها على وسائل الإعلام وبما هو أبعد ما يكون عن الأخلاقية القومية الاجتماعية وعقليتها.

ك ـ بقي الحزب السوري القومي الاجتماعي عاملاً على توحيد اتجاه جميع السوريين نحو انتصارحقيقتهم الخيّرة الجميلة. أمّا بالنسبة إلى الفئات التي تحمل اسم الحزب فقد دُعيت عدّة مرّات لإعادة درس التعاليم السورية القومية الاجتماعية وتاريخ الحزب دراسة مشتركة مع الرفقاء لتحصل للجميع وحدة الفهم ووحدة النظر إلى الأمور وبالتالي وحدة الاتجاه، وعندها يصبح الانتظام في مؤسّسة نظامية واحدة معبّرة عن الغاية الواضحة أمرًا سهلاً. ولهذا الغرض أصدر حضرة الرئيس الرفيق الدكتور أنطوان أبي حيدر بيانًا ايضاحيًا في آذار من عام 1991 اعُتمد أساسًا لكلّ المحاولات المخلِصة التي قام بها غيورون على مصلحة الحزب والأمّة، ولكن في كلّ مرّة كانت تبوء المحاولات بالفشل بسبب الارتباطات السياسية التي تحكم من اعتادوا العمل في السياسة التقليدية التي لا تقيم وزنًا للعقيدة التي يجب أن تُضحّى السياسة على مذبحها لا العكس.

وللمساعدة في زيادة التوضيح، نرفق بيان الرئاسة المذكور أعلاه، مع كامل استعدادنا للإجابة على الاستفسارات المتعّلقة بهذا الموضوع.

عميد الداخلية

الرفيق نزيه أبو كامل

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *