رسالة عيد الفداء – تموز 2019

ليس أصدق من حركة التاريخ الحقيقي في إبراز قيمة الفكر، حتى ولو لم تستطع حالة المجتمع الحاضرة أن تتمثّل هذا الفكر المتخطّي لواقعها المفعول الآني، رغم أنّ المجتمع هو الذي أنتجه عبر إمكانية شخص فيه، يحمل من مخزونٍ، امتدادُه آلاف السنين، أصالةً تتكشّف دفعة واحدة، نظرة تحيط بالركود فتبعث حركة تخلّصه من فساده لتتجدّد فيه الحياة علمًا وفكرًا وصناعةً وغلالًا.

أيّها الرفقاء في الوطن وعبر الحدود،
 
ما فعله سعاده هو الانتقال الفعلي ببلاده من القصور إلى الحركة القائمة على أسئلة فلسفية وحقائق علمية، والتحوّل من الخواء إلى الكفاف، إلى قصد بإرادة تحقّق غاية شريفة بوسائل شريفة، يحملها أبناء الحياة الواثقون على أكتافهم، وبلادهم في قلوبهم المَعين الدائم، وفي عقولهم نظام وانتظام. إنّهم القوميّون العاملون في ثبات المفاهيم دون دجلٍ على أحد ولا وجلٍ من أحد، يتمثّلون تبشيرهم القويم سلامًا لبلادهم وسلاحًا ضدّ أعدائهم. حتى ولو أصيب “قوميّون” كثيرون بأمراض ما قبل النهضة، فإنّ الشرف لا يمكن أن يكون إلّا شرفًا. إنّ معركة الحزب هي معركة كلّ القوميّين الاجتماعيّين الذين أعلنوا بأنفسهم، قولًا وعملًا ودمًا، “إنّ الحياة كلّها وقفة عزّ فقط.”
 
القوميّون لا يرتقبون أن يأتي الفرج لبلادهم من غيرهم، فهم على ثقة بأنفسهم وبعقيدتهم وبزعيمهم، ولا يكونون مثل كثيرين من قال فيهم سعاده: “كلّ الناس يصيحون اليوم متململين من الحالة الراهنة القائمة في كلّ بقعة من بقاع الوطن، والناس أصبحوا يتوقون إلى تغيير الحالة بأيّ شكلٍ من الأشكال، إنّهم يتوقون أن يأتيهم الفرج من أي ناحية كانت، فأيّ من نهض ونادى، وأيّ من تقدّم وقلب أشخاصًا أو شكلًا من الأشكال ارتقب الناس بسرور أن يكون من وراء ما حدث فرج للكرب الذي يحيق بأنفسهم. لماذا يرتقب الناس هذا الارتقاب؟ يرتقبون بالفوضى التي يعيشون فيها، يرتقبون الفرج من الكرب نفسه لأنّهم بطبيعة الاتّكال الذي تعوّدوه أجيالًا، وبطبيعة الخمول الذي ركنوا إليه، وبطبيعة العجز الذي أصبح ملازمًا لتفكيرهم. أصبحوا ينتظرون فرجًا من سواهم، من أيّ ناحيةٍ كانت، ليس من أنفسهم من صميمهم..” (سعاده، في الحفلة الاجتماعية في الحدث، 1949)
 
يرتقب كثيرون من أبناء شعبنا الخلاص بالكيانية الخانقة أو بالعروبة المنفلشة، أو بالشيوعية الطبقية أو عبر دول أمريكية أو أوروبية أو من روسيا أو الصين أو إيران… إنهم يخطئون بفداحة فكرية وأخلاقية ويزهقون الوقت الذي يمكن أن يجعلوا منه سلّم ارتقاء لهم من كلّ ويلات تصيبهم والتي يمكن أن تمحقهم إذا بقوا على حالهم من الضياع.
القوميّون الاجتماعيّون يهجرون متعهم الخاصة ويصوغون من حياتهم مسيرة شرف، إنّهم من يترك أحبّاءه لينقذ بقعة من وطنهم تهدّدها الأمراض أو يقترب منها الأعداء، هم من سُجنوا وعُذّبوا ونُكّل بهم لأنّهم أرادوا حياةً كريمةً لشعبهم، وأرادوا وحدة اجتماعية له.
 
أنظر أيّها الشعب الذي ناداك سعاده بالنبيل والعظيم والكريم.. أنظروا أيّها الناس الذين حاربتم القوميّين الاجتماعيّين لأنهم أرادوا حريتكم، أنظروا إلى ماذا وصلتم من حالة زرية بالية… بل انظروا يا سلالة الحكام أنفسهم الذين تآمروا على سعاده وكانوا أعداء أكثر من اليهود (نقترح قراءة رسالة عمدة الداخلية، تموز 2014، المنشورة على الموقع الرسمي) ، هل تعجبكم حالة شعب أصبحت ثرواته مصدر تعاسته؟
 
قال سعاده لنفصل الدين عن السياسة محبةً بالدين وعملًا بفنّ السياسة. رفضتم وجعلتم من الدين أعظم مدية تُقطع بها الأعناق وتُباد بحدّها الجماعات، وجعلتم من السياسة تنّينًا لا تُعدّ رؤوسه، وأصبحت لعنةً مركّبةً مع الطائفية بأبشع حذاقة للتعذيب والتمزيق.
 
قال سعاده تعالوا نبني اقتصادًا قائمًا على الإنتاج، فماذا فعلتم؟ دمّرتم أنتم والمستزلمون لهم كلّ بقعةٍ خضراء في هذه البلاد الجميلة، ولوّثتم مياهها وما زلتم تبدّدون ثرواتها، وفتحتم حروبًا داخليةً في كلّ كيانات هذه الأمّة. من بقي منكم ولم يحارب أبناء شعبه باسم الطائفية أو الكيانية أو الحزبية أو أيّ “قضية”؟…
 
قال سعاده لنبنِ جيشًا قوميًّا، فزرعتم التفرقة والزبائنية والمحسوبية، فأصبحت المؤسّسات والأجهزة والعناصر محسوبيات على “زعماء” حتى ولو لبس العناصر جميعهم البزّات نفسها،… إنّه أراد أن يكون للأمّة جيش يُشبع روحه وجسمه من مَعين أمّته لا من فتات الأمم، حتى الجهاد باسم الوطن جعلتموه مذهبيًّا أو طائفيًّا…
قالها يومًا: اقضوا على الخيانة، فجعلتم من بيوتكم مغارة لصوص تبيع وتشتري حتى بأعراض الناس، وبعتم من أرض بلادكم لأعدائكم.
 
وما يمكن أن ندخل فيه هو الأخطر من ذلك، وهو ما يجب ألّا نعرض عنه: إنّ “النظام” اللبناني أو الشامي أو غيرهما من أنظمة الداخل في أربعينيات القرن الماضي، أو أيّ نظام عالمي لم يستطع أن يُثني سعاده عن قصده وإرادته وأخلاقه، ولكنّهم نجحوا في زرع الفتنة والانقسام بين القوميّين الاجتماعيّين منذ أن كان سعاده في مغتربه القسري بين أواخر ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وهذا لم يحصل إلّا لأنّ ضعاف النفوس، ولا سيّما في الإدارة العليا للحزب آنذاك، انحرفوا عن العقيدة، فعاد من المغترب وصحّح المسار وطرد المنحرفين، وكبرت المؤامرة من مؤسّسات الساسة في لبنان ثم الشام بدفع من اليهودية وما تمثّله في الخارج، فأعلن سعاده وقفة العزّ في معركته مع المتسلّطين المتآمرين على مصالح الشعب، فكانت المعركة التي يجب أن يقوم بها هذا الشعب المستسلم المنقسم اليوم وكلّ يوم ليس لأجل شيء إلّا انتقامًا لشرفه.
 
الرفقاء الأحباء،
 
إنّنا في الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي حارب التآمر على مصلحة الأمّة وعليه، نعي وحدة بلادنا، ونسعى لتحقيق مجدها من عصارة قلوبنا حتى لو بدا الوضع مأساويًّا، فإنّنا لن نبخل بتقديم كلّ غالٍ في سبيل أن نكون سدًّا منيعًا في وجه كلّ من يحاول تشويه صورة العقيدة وباعثها، وسنبقى رفقاء مع كلّ القوميّين دون نزاعٍ أو كيديات طالما كانت الأخلاق في صميم أفكارهم، وسنحارب كلّ من يعمل ليل نهار على تهديم أجيالنا بالموبقات والاستسلام للأمر المفعول، وإنّنا نعمل على صيانة الصفّ الحزبي بالتثقيف والفهم والتمرّس، والتطهير متى يلزم، ولا يكون إلّا بهذا جميع القوميّين وحدة في الإيمان والوعي والإرادة والإدارة، فعلى الروحية تُبنى المؤسّسات.
 
سيبقى القوميّون الاجتماعيّون هذا الفيض من الرجولة التي تفتّت الصخور من طريق أجيال الأمّة لتتابع شقّها للوصول إلى الانتصار العظيم في صميم الشعب الذي نُكب، ليعود كما رآه سعاده وأراده حيًّا عظيمًا هاديًا للأمم، والذي بنى في سبيل ذلك صرحًا ليس فيه إلّا الحبّ والنور.
 
زعيمي…
 
في هذه الليلة، دوّرتَ الزمان كلّه إلى وقفة،
نحن فيك، في عيد الفداء، في ابتسامة جعلت من اليبس خصبًا، تعالت أمّة،
إنّك تحيا في أنفس كلّ من يقول “شكرًا”،
وإنّنا… نحياك قدرًا.
 
لتحيَ سورية وليحيَ سعاده
المركز، عيد الفداء 2019 عميد الداخلية
الرفيق ربيع الحلبي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *