رسالة آذار للعام الميلادي 2019

يكون لتقادم الزمن تأثيره المُبطل لما هو ضعيف، فيتلاشى ويندثر خارج الذاكرة الجمعية والتاريخ، ولاسيما العمليّ منه، ويبقى القويّ بوجهيه، الحقّ والباطل. والفعل من خلال حركة الزمن يساعد في تأكيد حضوره، فينشأ الصراع بين القويّ ـ الحقّ، والقويّ ـ الباطل. والمعضلة تصعب حين يتوفر للثاني القوة المطلوبة لاستمراره، ولا يجد الأول عاملين له، أو إذا كانوا ضعافًا مشتتين…

هنا تبرز قيمة رسالات الحياة؛ ويتقدّم دور سعاده، صاحب دعوة الحقّ القومي في مفهوم وآليات الصراع، انطلاقًا من الاعتقاد السليم الذي كوّنه من نتاجه الأصيل، بفهم الواقع الطبيعي في معرفة الذات الاجتماعية، النحن، بثالوثها الجسم ـ النفس ـ المحيط، التي تتمايز بالوعي والشعور والإرادة… ما يجعل الفرد فيها، أنا مفكّرًا، بعيدًا عن خصائص التجمهر، الحدّ الفاصل بين العقل واللاعقل، ويجعل للاجتماع الإنساني قيمة ليست عند سواه؛ شخصية الفرد في الجماعة، تتمثّل الحقيقة في ذوات الأفراد، أشخاصًا يتمرّسون، باستقلالية، ولكن في هيئتهم الاجتماعية المدركة أفرادها في الذات الصاهرة، الجماعة. وانطلاقًا من هذه العلاقة فقد اعتبر سعاده أنّ الفرد هو مجرّد إمكانية، وذلك للتدليل على قيمته التي في الجماعة، وعلى عدم قدرة استمراريّته إلّا بالانتماء والعمل فيها ولأجلها، حتى “وقف” نفسه عليها، إيمانًا ـ وعيًا يتخطّى وهم الغيبيات، التي لا يكون خلاصٌ منها إلّا بإعمال العقل، الخاصية الأساسية التي انبثقت عن الثالوث الآنف الذكر.
وفي هذا السياق ارتقى سعاده بالعصبية، إلى قيمة الوجدان القوميّ، ومن تحقّق الفردية إلى الولاء الاجتماعي، ولكنّه لم يترك الوجدان،على تعيينه، دون نظامٍ جديدٍ ينبثق عن روحيّةٍ قوميّةٍ تكون الأساس الذي تُبنى عليه المنظّمات بمقوّماته الفكرية والعملية؛ فالأولى تنطلق من فكرة الأمّة التي أبدعها من عنصرَي الجماعة البشرية والبيئة الجغرافية، حياة تفاعلية عبر مجرى التطور، الزمن. والثانية هي المؤسّسات المعتمدة على هذا المفهوم، وهنا تكون قد اكتملت دائرة التأسيس الروحيّ ـ الفكريّ ـ العمليّ، انطلاقًا من التعيين، شرط الوضوح، منظومة في دستور يعتمد التعاقد – التعاهد الذي يؤمّن الديمومة القائمة على الثقة والطاعة.
ولكن كلّ هذا الإنجاز العظيم الذي كان غائبًا في بلادنا منذ ما يزيد على ألفَي عامٍ على صعيدَي وضوح الشخصية وعمل المؤسّسات، يبقى فارغًا عمليًّا في حال وجود الروح الاتّكالية، التي لا يمكن لها إلّا أن تضرب كلّ عقيدةٍ وحركةٍ بالفشل، فتمرّست القومية الاجتماعية بفضائل الجندية القائمة على العقلية الأخلاقية مُتعمّدة بالفداء دماء زكية، تُحيل الشهادة ميلاد حياة جديدة.
حضرة الرفقاء في الوطن والمهاجر،
هذا هو معنى آذار للذين آمنوا، وعملوا برجولة الالتزام المنتظم دون أورام الأنانية القاتلة. هو صراع شريف، إقبال على حرث الأرض وزرعها وحصد غلالها وغربلته، فلا يبقى في الأمّة إلّا الهدى. هو القوميون الاجتماعيون أنفسهم يولدون أجيالًا مواكبةً لمعنى القيامة المجدّدة المتجدّدة قَسَمًا تسمو معانيه انتصار أنفسٍ في دروب تحمل العبء، تقتلع المصاعب، سائرين في تضاريس جسم الأمّة، يُعلون اسم سورية فوق قلاعٍ ترفرف راياتُها خلف وجهها الحبيب.
عميد الداخلية
الرفيق ربيع الحلبي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *