الزوبعة

رسالة عمدة الدّاخليّة لشهر كانون الثّاني 2019

(في كيفيّة التّعبير)

حضرة الرفيق المحترم

“الصراع بين عهد الخمول وعهد التنبّه والنهوض، العراك بين الأنانية والخير العام، بين المادية الحقيرة والنفسية السامية، بين الحيوانية والإنسانية، بين الرذيلة والفضيلة”، يأخذ أوجهًا متعدّدة في حياتنا وتفاصيلها اليومية؛ في تفكيرنا مع ذاتنا، وتفاعلنا مع الآخرين تحادثًا وعملًا وتسامرًا وسهرات واحتفالات، وربما حربًا حقيقية إن في ذواتنا أو بين اتجاهين في المجتمع حتى تتحوّل حديدًا ونارًا في الداخل، أو مع الخارج.
إنّ القومية الاجتماعية هي دعوة إلى اعتناق مبادئ الحياة الحرّة الكريمة البعيدة عن العبودية والمثالب والإسفاف، هي توزيع غنى روحيّ – ماديّ في المجتمع، هي انعتاق نفسيّ من كلّ ما يشوب أو يمكن أن يشوّه الصورة الجميلة التي قدّمها باعث النهضة في التعبير عن قيمنا التي أنتجها من بذار أمّته وأرضها. والوصية هي أن الهجوا بعقيدتكم أينما وجدتم، وبهذا يشار إليكم بالبَنان، ليس لأنكم غير البشر، بل إن التزامكم الأخلاقي العاقل، الهادف إلى تحقيق المصلحة القومية هو ما يميزكم عن آخرين ليسوا سيئين، إنما لم يصلهم نور العقيدة، أو لم يقصدوا الوصول، أو أنّ رسل النهضة لم يستطيعوا إيصال التعاليم القومية الاجتماعية لأسباب عندهم، أو لأخرى خارجة عن إرادتهم، فهؤلاء لم ينالوا بعد نعمة الروحية الجديدة المعبّر عنها في مسيرة سعاده الذي توفّرت له كلّ المواهب التي يمكن أن يتمنّاها أيّ كائن عاقل، من ذكاء وحضور، وهو لو أراد، لاستطاع أن يكون من أوائل رجال الأعمال والمتمولين أو كبار لاعبي السياسة في العالم…. ولكن متى وجد الوعي لمعنى الشرف، تجلّت المبادئ في أولويات الحياة، فيهرق الدم لأجلها، وقفة عزّ.
إلّا أنّ هناك مظاهر وسلوكات يمكن – كمواطنين – التعوّد عليها فقط، لأنها موجودة في الواقع المفعول فتصبح مقبولة بعامل تكرارها أمامنا، وليس لأننا مقتنعون بها، والأبحاث حول وظائف الدماغ تؤكّد هذا الأمر، فكم من عادة اكتسبناها ونحن لم نكن مشتركين في إنتاجها؟! وهذا ما جعل سعاده يعتبر أن التربية هي القضية الأولى في المجتمع. وللأسف إننا اليوم لا ننتج أنفسنا بما وهبتنا الأمّة، بل نتلقّف كلّ ما يمكن أن يصلنا، لأن معيار القيم قد اختلّ بعوامل داخلية من فقد الوجدان القومي أو ضعفه على أقلّ تقدير، أو لأنّ أعداءً يبثون سمومًا مدمرة في المجتمع. والتربية في وقتنا الحالي هي أدقّ بكثير مما كانت عليه، بحكم انفتاح العالم على بعضه عبر وسائل، ربما كانت مدية تقطع أو مشعالًا يضيء، وبالاتجاهين، فهناك نزف حقيقي لما يستهلكه المواطن من وقت بدون فائدة من كتاب أو حديث أو عبر أي وسيلة اكتساب حديثة، وبالتالي حتى في السهرات الخاصة أو العامة فإنه لا يلبي دعوة أو يشارك في سهرة، أو ربما يقوم بزيارة، إلّا إذا تأكّد أنّ “العدة” جاهزة من DJ ينشر الصخب أو من “أركيلة” من النوع الذي يرغب، أو “لعبة ورق” أو أيّ شيء آخر من “مستلزمات” الجلسة، تفحّ خطورتها على قدرة التفاعل فيما بين المجتمِعِين المنفصلين! وعلى الذوق النفسيّ والفنيّ، وكذلك على الصحة بأبعادها المختلفة، مما ينتج مخاطر حقيقية على الهيئة الأسرية والمجتمعية عامة… فيصبح الهدف هذه الأمور بعينها وليس التفاعل الاجتماعي.
لقد أتت النهضة بنظرة جديدة إلى الحياة والكون والفن، الإنسان الجديد، الجيل الجديد، التقاليد الجديدة… وبنت مفاهيم تفيض بالحق والخير والجمال، فهلا استطعنا أن نحافظ على هذا الإرث العظيم، فنحفظ أنفسنا ومجتمعنا؟!
نحن لا نقول أن نكون خارج الزمان الذي نعيش، بل أن نعمل لتكون حياتنا تعبيرًا عن مستوى ما نحمل من قيم نتمثّلها فننشرها بدل أن نصطبغ بما هو طارئ وعبثيّ، ونسهم في نشر ما يمكن أن يهدّم.
تعالوا نغيّر ما يمكن أن يكون قد أُصيب به مواطنونا، ويلحق بهم الأحداث الذين قال فيهم سعاده إننا بهم نربح معركة الحياة أو نخسرها. والأمر في غاية البساطة، ولكن في غاية الدقّة والرجولة، وهو أن نلتفت دائمًا إلى ما هو في خدمة بلادنا الجميلة، أو أنه، في المقلب الآخر، يفني مجموعنا أو على الأقلّ ينقله نحو الانحطاط والتآكل.
الصراع مستمرّ، ونهجنا في الحياة الثبات لتحقيق انتصارنا الأكبر في أنفسنا وأنفس مواطنينا، وعلى كلّ مغريات الحياة البالية والزائلة، وعلى الأوجه المتعدّدة التي يحاربنا بها أعداؤنا. إننا نمتلك الإرادة التي تحقّق مصلحة أمتّنا، فلنكن جميعًا سدًّا منيعًا لا يسمح للمخاطر أن تخترق وتهدم مناعة كينونتنا الاجتماعية.
المركز، في 21 كانون الثاني 2019
عميد الداخلية
الرفيق ربيع الحلبي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *