رسالة تموز للعام 2018

إرحل قبل أن أجتاح أرضك..

إنزح من بيتك قبل أن أدمره..
هاجر من ديارك قبل أن أقتلك..
لن أرحل.. لن أنزح.. لن أهاجر..
سأبقى .. لن أخون نفسي
سأثبت.. لن أخون وطني
سأناضل.. لن أخون شعبي
وإنّي أرى اليوم يأتي…
وكلما اقترب،
أنت ترحل..
وأنا في أمتي أبقى،
أنا التمّوز النائل الخلود،
حرثًا وحرفًا وجهادا..
الرفقاء في الوطن وعبر الحدود،
ليس بعد أوضح من الصورة التي أمامكم في كلّ مكان من جغرافية وطننا، إنّها الصّورة التي تعاينونها وتعانون منها، والتي صمّم معالمها أعداؤنا وخطّطوا ونفّذوا مباشرة أو مداورة بأدوات من خارج أو من داخل، فلسنا بحاجة إلى برهان ودليل على وجود مؤامرة ومتآمرين وعمالة وعملاء (متعاملين)، ولسنا بحاجة إلى برهان ودليل على أن ما قدّمه سعاده من فكر وحركة هما خلاص الأمة من هذه المآسي، إذا توفّرت رجولة تحقّق النهج، هذا الذي يقيم الحقيقة تمرّسًا، وليس أعزّ في الحياة من الرجولة القومية الاجتماعية التي تعبّر عن رذل المفاسد وقتلها وإقامة العدل قيمة في الصميم.
العدل في عقيدتنا ليس عدلاً ماورائيًّا يبحث عنه المؤمنون غيبًا، وليس فلسفيًا فرديًا يوازن في توزيع العدل بين الحق والواجب بناء على سفسطة فردية، بل هو خطّ سير يبحث ويتحقّق تفاعلاً محيِيًا، مصلحةً اجتماعيةً وجوديةً عُليا، تحتاج إلى جذوة نارٍ تتّقد شبابًا وحكمة، تعبّر عن ذاتها بالوجدان العارف والشعور الجمعي المحبّ والرفق القومي. وربّ سائل: كيف المحبة والرفق والعدل وأنتم تدافعون وتهاجمون بالحبر والدم؟!
لهؤلاء نقول إنّنا لسنا من الذين ينتشون برائحة الدماء، فتاريخنا وضّاح بالتبشير محبةً وسلامًا، اقرأوا في أصالتنا تعرفوا من نحن، ولكننا لسنا من الذين يهادنون ويسالمون متى جاع شعبنا وحُرقت أرضنا وهُدّدت حضارتنا ودمّرت معالمنا.. العدل هنا هو أن ننتج من أجيالنا زيتًا حارقًا ونِبالًا قاتلة لأعدائنا. هذا هو العدل القومي وهكذا يُبنى، يُطهّر الجسم من مُسمّماته ويسحق أعداءه، وهل فعل سعاده غير ذلك؟! إقصاء الجبناء وطرد المنحرفين وقتال الأعداء.
العدل يحتاج إلى نظامٍ وأخلاق، والثامن من تموز 1949 يشهد على “إعدامٍ” كان اغتيالًا موصوفًا قامت به السلطة في الدولة اللبنانية خارجةً على كلّ نظامٍ وكلّ أخلاق.
“عدالة” السلطة في الدولة اللبنانية، ومَن وراءها، اقتدت بعدالة اليهود عندما صلبوا المسيح وجعلوا دمه عليهم وعلى أبنائهم من بعدهم، وهم اليوم يتابعون صلب الشعب في فلسطين وحيثما استطاعوا؛ هذه هي الفلسفة التدميرية في توراة اليهود وتلمودهم.
العدل ينقض الظلم، والظلم تعدٍّ على الحقّ يقوم به من يمتلك القوة المادية التي يجب أن تُمارَس – في الأصل – لخير الإنسان، لأنها قدرة منه له، وعندما تصير هذه القدرة عليه – ضدّه تكون انحرافًا ومسخًا لثالوث القيم البشرية: الحق ، الخير ، الجمال؛ هذا الثالوث الذي يتكوّر فيه هناء الإنسان وارتقاؤه، وفي نفسه امتهان للعدل والعدالة، وولاء للعدم وضرّ وشرّ للوجود.
الرفقاء المحترمون
لقد عرف سعاده الحقّ وجاهد خلال زفرات عمره ونبضات روحه بالقلم والدم ليقيم الحقّ الإنساني في الكون انطلاقًا من التكوّن الاجتماعي، نظرة يكون الاطّلاع والاقتناع والانتماء خصائص الحياة الجديدة فيها، إذ يحتاج العدل إلى الانتقال من الإحساس إلى الإدراك الباحث عن الحقيقة توتّرًا يُنتج الصلابة والاستقامة، كما أنّه لا يتجسّد إذا لم يصل إلى قبول عقلي وارتياح نفسي في استقرار الحكمة، التي تتوافق مع ولاء الإنسان للحق الذي يُحرّر من كلّ مسبَقٍ ومقرَّرٍ واعتباطي وسطحي.. لقد عرف سعاده العدل بامتلاك المقدرة وتحقيق الفعل.
العدل هو تعاقدٌ بين الرفقاء وزعيمهم، وطاعةٌ وثقةٌ بين الرفقاء والمسؤولين. هو الخروج من الانحطاط بالانغماس في الخصوصيات، إلى الانخراط في ساحة النضال، وهو الثقة بالانتصار في المعركة، التي فرضتها القومية الاجتماعية، بين الجديد والعتيق البالي.
العدل عند سعاده هو أن يترك مواطنونا ورفقاؤنا السياسة ويتمرّسوا بالواجب الأول المقدّس وهو التصارح والاعتصام بالمحبة القومية. وهو سياسةٌ تنتهجها الدولة التي تعتبر مواطنيها إمكانياتٍ فاعلةً في صيرورة الحياة، توزّع الغنى عليهم وتمحق الفقر عندهم.
العدل عند سعاده هو أن يسلّم أعداؤنا باستقلال أمّتنا وحقّها في الحياة الكريمة.
وإنّ ثمن العدل يكون عرقاً رجولة وبذل أدمغة ودماء شهداء، وليس حربّا على ورق أو صولاتٍ وجولاتٍ على مواقع إلكترونية تصنع من مستخدميها أبطالاً من وهم.
زعيمي،
يا العدل سلطتك المطلقة، وجدانٌ – معرفةٌ – انتماءٌ – بذلٌ، كلٌّ واحدٌ – قسمٌ – بالشرف والحقيقة والمعتقد، وتقيّدٌ “بما يفرضه القانون والواجب المناقبي والإداري ليكون جميع القوميين الاجتماعيين روحية واحدة وإرادة واحدة..”1
يا العدل الأصيل الوقور الذي لا يمكن للزمان، مهما طال امتداده، أن يُفسد قوس محكمتك أو يحني استقامة ميزانك، فعدلك دمك..

1- سعاده، “إلى يوسف غريب”، 15 كانون الثاني 1942.

المركز، 8 تموز 2018 لتحي سورية وليحي سعاده
عميد الداخلية
الرفيق ربيع الحلبي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *