الرسالة الثانية لعمدة التربية

رسالة شباط: في شرح قسم العضوية

في شرح قَسَم العضويّة

“إنّ من أعظم أضرار ضعف الأخلاق وانحطاط المناقب فساد الحقيقة وذهاب الرجولة وفقد الأهلية وتفكّك الاجتماع وتهدّم القضايا وركوب العار.
وليس أسوأ عاقبة من الحنث باليمين وفسخ العهود ونقض البَيْعة الّتي بها قيام القضايا والاطمئنان الأكيد بالتضامن في الحياة. القضايا العامّة تتحقّق بالمجهود العامّ. فاليمين الّتي توجب التضامن الوثيق في المجهود العامّ تصبح القاعدة اللازمة لهذا المجهود والشرط الّذي لا يمكن قيامه إلّا به. وكسر اليمين خرق لحرمة المجهود العامّ وتعريض لهذا المجهود لأخطار غير منتظرة، مع ما يلزم ذلك من إمكان وقوع العذاب والتعذيب على الأوفياء الثابتين على إيمانهم بسبب فشل ضعيفي الأخلاق وتزعزعهم. وإذا تركنا احتمال وقوع العذاب والتعذيب ونظرنا فقط في الآلام والمتاعب الّتي يورثها تقلقل الصفوف من جرّاء تزعزع ضعفاء الأخلاق لكفى ذلك مجالاً للتمعّن في بعض نتائج خرق اليمين السيّئة.” سعاده، من مقالة اليمين، جريدة «الزوبعة»، العدد 65، 1 أيلول 1943


إنّه القَسَم الذي يؤدّيه المنتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، إيذانًا ببدء رحلة هذا الرفيق في الجهاد والصراع لتحقيق الأفضل للمجتمع كلّه. ليكون الجندي الملبّي دائمًا نداء الواجب، والمستعدّ أبدًا للتضحية بالغالي والنّفيس من أجل فلاح الأمّة وعزّها. وأداء القَسَم ليس طقسًا شكليًّا للاحتفال بمواكبة الانتصار بأحد إمكانيّات المجتمع، ورفده في صفوف النّهضة التي تكفل تحقيق مبادئ الحزب وتعيد إلى الأمّة حيويّتها وقوّتها، بل هو الإعلان الصارخ عن الالتزام الأكيد والعزم، كلّ العزم، على التطبيق الكامل لمندرجات هذا القَسَم دون استنسابيةٍ أو انتقاء، ليحوز على شرف النّضال الذي ارتضاه لنفسه في خدمة قومه والذّود عن حمى وطنه.

“أقسم بشرفي وحقيقتي ومعتقدي”، أي أنّ القيم المجتمعية: الشّرف والمعتقد والحقيقة هي الأساس الذي ارتكز عليه القَسَم بما تمثّله هذه القيم، فالشّرف هو شرف الأمّة، والحقيقة هي حقيقة وجودها ووعي هذا الوجود، أمّة هادية لكلّ الشّعوب والأمم، والعقيدة هي نظرتها إلى الحياة والكون والفن. فالشرف هو أعلى مراتب الأخلاق، والأخلاق هي العمل المتوافق مع طبيعة حياتنا سعيًا لما هو أفضل للمجتمع كلّه. وكلّ معاني الشّرف الفردية البالية ليس لها وجود في قاموسنا القوميّ الاجتماعيّ. أمّا الحقيقة فهي حقيقة أنّ “الأمّة السّورية مجتمع واحد، فوحدة المجتمع هي قاعدة وحدة المصالح ووحدة المصالح هي وحدة الحياة.” كما جاء في المحاضرة الخامسة لحضرة الزعيم. والعقيدة هي كلّ ما علّمنا سعاده بالفكر والقدوة من نظرة إلى الإنسان والقيم، وتحديد معنى الأمّة، والمبادئ الأساسية والإصلاحية، والدستور، ومن تمرُّسٍ بالبطولة حتّى الاستشهاد. ولا دور لأيّة عقيدة أخرى في القَسَم، ولا سيّما العقيدة الدينية لأنّ ما هو قوميّ اجتماعيّ لا يمكن بناؤه على أساس دينيّ.
“على أنّي أنتمي إلى الحزب السّوري القومي الاجتماعي بكلّ إخلاص وكلّ عزيمة صادقة”: أي أنّ أداء القَسَم ليس عملاً لفظيًّا ينتهي مداه عند تلفّظ آخر حرف فيه، بل هو تأكيدٌ على الإخلاص والتفاني بالعمل، وأنّ ما يقوم به الرفيق من عمل حزبيّ نابع من قلبه وعقله وإرادته ووجدانه، ليس إرضاءً لمسؤول أو خدمةً لأحد، فهو يؤدّي القَسَم أمام مجتمعه ممثّلًا بأحد المسؤولين المخوّل إدارة جلسة القَسَم. والعزيمة الصادقة تعني بذل الجهد الكامل لتأمين نجاح ما يكلّف به الرفيق، وعدم الانكفاء عند أوّل سببٍ معرقلٍ لعمله، بل عليه أن يجترح الاجتهاد للنّجاح. لذلك قال سعاده: “لو أردنا أن نفرّ من النّجاح لما وجدنا إلى ذلك سبيلا”.
“وأن أتّخذ مبادئه القومية الاجتماعية إيمانا لي ولعائلتي وشعارًا لبيتي”: فهذا الالتزام يؤمّن استمرار فعل النهضة في النّشء الطّالع، والأجيال التي قال عنها حضرة الزعيم بأنّها لم تولد بعد. ولعلّ هذا الالتزام مرتبطٌ إلى حدٍّ بعيدٍ بقدرة الحزب واتّساع انتشاره، مما يدفع بالكثيرين إلى قبول الدعوة إلى القومية السّوريّة، ومن بينهم أبناء الرفقاء وعائلاتهم. كما أنّ هذا الالتزام يتأثّر بقدرة الرفيق على أن يكون قدوةً للّذين يحيطون به ومرجعًا لهم في كلّ ما يتعلّق بحياة الأمّة ومصيرها. ولعلّه الالتزام الأصعب في مندرجات القَسَم لأنّ الأمر ليس منوطًا بالرفيق لوحده بل بأفراد آخرين، لذلك علينا أن نعتني بتسهيل تنفيذ هذا الالتزام بالتعاون بين الرفقاء في المتّحد الصغير الذي نحن فيه.
“وأن أحتفظ بأسراره فلا أبوح بها لا بالقول ولا بالكتابة ولا بالرسم ولا بالحفر ولا بأيّة طريقةٍ أو وسيلةٍ أخرى لا تطوّعًا ولا تحت أيّ نوع من أنواع الضغط.” من هذا الالتزام تبدأ المندرجات المتعلّقة بسلامة جسم الحزب. فالعمل الحزبيّ قائمٌ على بعض الأمور التي يجب أن تبقى طيّ الكتمان حتى تنفّذ بالدقة والسرعة المطلوبتين ليؤتي العمل أكله وليُبنى على نتائجه أعمالٌ أخرى. وفي نظام الحزب تركيزٌ على عدم التداول بين الرفقاء، فضلاً عن غيرهم، بما يجري داخل الاجتماعات من تعليماتٍ وتوجيهاتٍ تُعتبر سرّيةً بغية القيام بأيّ عمل مهما كان كبيرًا أو متواضعًا. كما أنّ هذا الالتزام يحتّم علينا التّحلّي بالروحيّة الصراعيّة والمناقبيّة التي ترفض الإذعان لأيّ مطلبٍ يتعارض مع مصلحة الحزب ويتهدّده بأيّ خطر، لا تحت الضّغط ولا بإغراءاتٍ ماديّة أو معنويّة. إنّه المندرج الذي يؤمّن المعنويّات العالية للرفقاء ويقيهم من أخطار الخصوم.
“وأن أحفظ قوانينه ونظاماته وأخضع لها”: هنا يطلب منّا أن نعرف الهيكليّة العمليّة للحزب بنظامه المركزيّ التسلسليّ حسب ما نصّت عليه المادة الخامسة من الدستور، كي يدرك الرفيق آليّة العمل في الحزب وكيفيّة تعامله مع المسؤولين والرفقاء على حدٍّ سواء. فيعرف حقوقه التي يتمتّع بها والواجبات الملقاة على عاتقه. (سنخصّص رسالةً تشرح تلك الحقوق والواجبات) وذلك كي لا تعمّ الفوضى، وقد أشار حضرة الزعيم إلى أنّ إنشاء المؤسسات وضبط عملها بالدستور كان الخطوة الأساسية الثانية بعد تأسيس الحزب. وإنّ الخضوع لهذه القوانين والأنظمة يؤمّن السير بالعمل بشكل مؤسّساتي للمتابعة والاستفادة من التجارب والبناء لأعمال لاحقة تُحدث النمو في مسيرة النّهضة الظّافرة. قال سعاده: “نحن نفعل من داخل الحياة ولا نقبل بالتراكم من الخارج.”
“وأن أحترم قراراته وأطيعها”: فاحترام القرارات وإطاعتها واجب على الرفيق. وإطاعة القرارات هي الترجمة العملية لاحترامها، فما نفع القرارات إذا لم تُحترم وتنفّذ؟! فالقرارات تصدر عن الهيئات المسؤولة المخوّلة إصدارها، وهي تُصدرها أولاً حسب ما تفرضه المصلحة الحزبية العليا في إطار النّهج الذي تتّبعه بتنفيذ الخطط العامّة المقرّرة، وثانيًا بعد الدّرس المعمّق حسب معطياتٍ وحيثيّاتٍ لديها لا تكون بحوزة الرفقاء. وتنفيذ القرار واجبٌ حتّى لو لم يكن متماشيًا مع رأيٍ رفعناه أو اقتناعنا به، فلهذا الأمر سبلٌ أخرى لمعالجته سنشرحها في الرسالة المخصّصة للحديث عن الحقوق والواجبات. فالثّقة المتبادلة هي الرابط الأساس بين من يصدر القرار ومن يتلقّاه.
“وأن أنفّذ جميع ما يعهد به إليّ بكلّ أمانة ودقّة”: فإذا أنعمنا النّظر بمدلول النّهضة نجد أنّ الخروج من التّفسّخ والتضارب والشّك إلى الوضوح والجلاء واليقين والإيمان لا يتمّ إلا بالعمل بإرادةٍ واضحةٍ وعزيمةٍ صادقة، فبدون العمل، يبقى كلّ ما ورد قبل كلمة “العمل” مجرّد علمٍ لا ينفع كالجهالة التي لا تضرّ. ومن يتسمّر عند حدود الإيمان ولا يعمل يكون غير ملتزمٍ بالمدلول الصحيح للنّهضة. والعمل يتمّ إمّا بمبادرةٍ من الرّفيق وفق الأصول النّظامية، وليس خبطَ عشواء، وإمّا بإيعازٍ من مسؤول. وفي كلتا الحالتين فإنّ الرّفيق يشعر بالاعتزاز لاختياره لتنفيذ مهمّة، وهذا الاعتزاز يُترجم بالتنفيذ الأمين والدقيق، حيث لا اجتهاد دون العودة إلى المسؤول المشرف على التنفيذ. كما أنّ التنفيذ الأمين والدّقيق يجوّد العمل ويجعل نتائجه أسرع وأفضل ويُكسب منفّذه خبرةً وتجربةً لأعمالٍ تأتي.
“وأن أسهر على مصلحته وأؤيّد زعيمه وسلطته”: من بديهيّات الأمور أنّ من واجب من يعمل في مؤسّسةٍ ما، السهر على مصلحتها، لأنّ في تأمين مصلحة المؤسّسة مصلحةً للعاملين فيها، فكيف لو كانت المؤسّسة الحزب السوري القومي الاجتماعي دولة الأمّة السّوريّة مصغّرة؟ إنّ السهر على مصلحة الحزب هو السهر على مصلحة حياة الأمّة. وهذا السهر يتجلّى بالإقبال على العمل الحزبيّ ووضعه على رأس سلّم أولويّاتنا وفي مركز اهتمامنا الأوّل، فنحياه مع كلّ نبضةٍ من نبضات قلوبنا ومع كلّ رفّةٍ لأجفاننا، والتضحية بمصالحنا الخاصة متى تضاربت مع مصلحة الحزب، فنهتمّ بنشر العقيدة القومية الاجتماعية ونسهم في إنجاح كافّة النشاطات وتقديم الاقتراحات البنّاءة المدروسة والقابلة للتنفيذ.
وتأييد الزّعيم هو من المقوّمات الأساس لتنفيذ مفاعيل التعاقد الذي ورد في مقدّمة الدستور. والزعامة في عرفنا لها مدلولٌ يختلف عن مفاهيم “الزعامات” التي نعاينها عند متزعّمين وتجّار “سياسةٍ” وأصحاب أموالٍ واقتدار. فالزعيم هو باعث النّهضة وكاشف حقيقة الأمّة، وهو المعلّم والقائد، وهو القدوة والتعبير الأوفى، وهو الذي وقف نفسه على أمّته ووطنه عاملاً لحياتهما ورقيّهما حتّى الاستشهاد.
“وأن لا أخون الحزب ولا أيّ فرعٍ من فروعه ولا أفراده ولا واحدًا منهم”: فالخيانة هي أسوأ درجات الانحطاط الأخلاقيّ يمكن أن يتّصف بها أيّ فردٍ في أيّ مكانٍ كان أو مع أيّ مجموعة عمل. ومن آمن بالعقيدة إيمانًا عميقًا صادقًا وكان ذا قوّةٍ نفسيّةٍ جبّارةٍ لا يمكن أن يخون، فالخونة هم المندسّون وضعاف النفوس وقليلو الإيمان، كما حصل عند انكشاف أمر الحزب، بعد أن كان سرّيًّا، جرّاء وشايةٍ من أحد المندسّين. وتفصيل الأمر حول الفروع والأفراد نابعٌ من الحرص على قطع الطريق على من يظنّ أنّ خيانة الأفراد أو الفروع أمرٌ يمكن التساهل فيه، وهو تأكيدٌ على وحدة الروح التي دعانا حضرة الزّعيم إلى التّحلّي والتّمسّك بها. كما أنّه تأكيدٌ على أنّ خيانة فردٍ من أفراد الحزب أو فرعٍ من فروعه هي خيانةٌ للحزب كلّه.
“وأن أقدّم كلّ مساعدة أتمكّن منها إلى أيّ عضوٍ عاملٍ من أعضاء الحزب متى كان محتاجًا إليها”: فللمساعدة شرطان: الأوّل التّمكّن من تقديم المساعدة والثّاني أن يكون طالب المساعدة عضوًا عاملاً ومحتاجًا للمساعدة تلك. وللمساعدة وجهان: حزبيّ وخاص. المساعدة في الأعمال الحزبية واجبةٌ كأيّ عملٍ حزبيٍّ آخر، شرط أن تُسهم هذه المساعدة بتسهيل تنفيذ العمل وتخفيف العبء عن الرفيق المكلّف أساسًا. والمساعدة الخاصّة تكون بين الرفيقين حصرًا ولا تُلزم الحزب بأيّ تداعياتٍ يمكن أن تنشأ لاحقًا. لذلك فهي تخضع للصراحة القوميّة بين الرفيقين وحُسن التعامل بينهما. ويكون من نتائج هذه المساعدة إشاعة جوٍّ من الإلفة والمحبّة القومية التي تزيد الشّعور بوحدة الروح بين الرفقاء.
ومن تجاربنا الحزبيّة نجد أنّه قد أسيء فهم هذا الأمر. فمنهم من اعتبر أنّ من واجبات الحزب تقديم العون الماديّ للرفقاء وتحمّل أعباء الرفقاء، بينما الرفقاء هم الذين يجب أن يتحمّلوا عبء الحزب عليهم. أمّا المساعدة العامّة من الحزب إلى الرفقاء، فتكون حسب إمكانيّات الحزب التي تسمح بذلك، وبالطبع يكون لها المردود المادي والمعنوي للرفقاء.
“وأن أفعل واجباتي نحو الحزب بالضّبط: لن نعدّد الواجبات الآن، بل سنركّز على عبارة بالضّبط. والمقصود القيام بما هو مطلوب دون القيام بأيّ عملٍ خارج صلاحيّات الرفيق المعني وخارج الخطط المقرّرة. وبذلك يسود الانضباط في العمل الحزبي.
“على كلّ هذا أقسم”: في هذه العبارة دلالةٌ على أن لا انتقائيّة ولا استنسابيّة في تنفيذ مندرجات القَسَم. والقوميّ الاجتماعيّ الحقّ هو الملتزم فعليًا بكلّ ما جاء في القَسَم.
وكما بدأنا مع سعاده نختتم معه بقوله:
“إنّ النظام يضع الحدود للأفراد ليمنع استبدادهم ويلوي عنادهم ويُخضعهم للإرادة العامّة الممثّلة في النظام ومؤسّساته. والفرد الواعي، الّذي منه خير، هو الّذي يحافظ على يمينه مهما حدث ممّا يعكّر مزاجه ويحدّ بعض رغباته. أمّا الّذي يظنّ أنّ كلّ حكمٍ يصدر في النظام ويكبح رغباته ويطلب إجراء الأمور على غير رأيه، أو غير ذلك ممّا لا يوافق هواه، هو سببٌ كافٍ لإهمال يمينٍ أدّاها في موقفٍ مهيبٍ أمام قضيّةٍ عامّةٍ مقدّسة، فهو ناكثٌ مفسد. فإن كان يعلم ذلك فهو خائنٌ مجرمٌ يجب احتقاره. وإن كان يجهل ذلك يؤدَّب. فإن رفض التأديب فهو ساقطٌ مكابرٌ فضلاً عن أنّه مجرم.
حافظوا على إيمانكم الّذي في أعناقكم تفلحوا!” سعاده، مقالة اليمين.

شباط 2016
عمدة الداخلية
الناموس المساعد
أحمد إ. النابلسي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *