رسالة عمدة الداخلية تموز 2015

إلى من انتشت روحه بعبق السنين المعتّقة في خوابي الزمان،
وأذابت بلهيب العزّ قيود الذلّ،
وأشبعت جوعها بحبّها لبلادها،
وأطفأت شمعات عمرها بالخلود…
إليك زعيمي،
تحيّة القسم بالشرف والحقيقة والمعتقد.
إلى مقامك “مولاي” يعتلي الكِبْرُ،
إلى ضوء عينيك يسعى الوضوح،
إلى جعبتك يُجرّد الامتشاق…
إليك زعيمي يحبو العالم.
حضورك شَمَم،
إيمانك قِمم،
وحبّك نِعم…
فيك بلادي، وأنت منها، نبضٌ وعرسٌ وقيامة.
ينطوي الكون تحت جناحيك، يطير بك إليك.
كلّك قلب… عقلٌ، الكلّ أنت…
زعيمي،
والبلاد خراب، والدُنى قاتمة،
يخترق عزمك الجدار ويمزّق الحدود بحرير فكره…
كأنّك والماء واحد… منك كلّ حياة.. والواحد أنت.
يا من “رمى جلوده، فحملها البحر بعيدًا،
انتقع جسده حتى أصبح نديًّا،
وضع على رأسه عصابةً جديدة، وارتدى رداءً يفاخر به
حتى وصل إلى مدينته،
فما شحب لون الرداء، بل بقي
لأنّه جديد.”
أيّها الزارع في قلب أمّتك نبضًا،
من أين تبدأ حكاية العمر، وكلّ عمرك حكايات؟
عن الزرع والرعاية،
عن النموّ والارتقاء،
عن الشمس والحصاد،
وهل يكون زرعٌ بدون حصاد، وكلّ شهرٍ في بلادي أصبح اسمه تمّوز؟!
زعيمي،
بلادي هائمةٌ تتخبّط بضياع الانتماء؛ سمسرة، عمالة، قتل، ضلال، هدم، سرقة، دجل، ربى، جهل، ادّعاء، رياء… احتلال…
والعدّ يطول…
ها هي بروتوكولات حكماء صهيون تُطبَّق،
“العدوّ الداخلي، الدهماء، الفوضى، التضادّ بين السياسة والأخلاق، الإرهاب، حكم العائلات الوراثيّ، المعنى المجرّد لكلمة الحرّية…”
“المجالس النيابيّة” و”الثرثارون” من خطباء وكتّاب، سوء استعمال السلطة…”
“وسائل القبض على أزمّة السلطة بواسطة الماسونية، ما لصناعة “غزل الكلام” من تأثيرٍ في التفتيت، كيف يُقبض على أعنّة الرأي العام …”
“الترف والبذخ،…”
“توسيع باب التسلّح، الانشقاق، الأحقاد في جميع أنحاء العالم…”
“استعمال “الحقوق القانونية” استعمالاً غامضًا للتضليل، مجازاة عملائنا من الغوييم بالقتل إذا خالفوا تعليماتنا..”
“القبض على زمام التعليم والتدريب…”
“مدرسة الانشقاقات الحزبية…”
“الغوييم قطيعٌ من الغنم…”
“التسلّط على الصحافة…”
“الحاجة اليوميّة إلى الرغيف…”
“الأدب الإباحيّ…”
“الانقلاب أو (الثورة) يعمّ العالم في وقتٍ واحد…”
“نفوذ رجال الدين عند الغوييم…”
“الشغب السياسي…”
“المختار من الله…”، “تثبيت نسل داوود، ملك اليهود في أخلاقه نحو الناس هو فوق العيب…”
وها هم آل سعود سلالة بني القينقاع، يهود المدينة، الذين حاربوا النبيّ وعملوا على حصاره وناصروا كلّ أعدائه، من ملوكٍ وأمراء وعبدة أوثانٍ وتجّار أديان ورأسماليين وإقطاعيين، يعيثون اليوم في الأرض فسادًا ويبيعون فلسطين لـ”أشقّائهم”… ها هم يرسلون أدواتهم إلى بلادنا ويبثّون أموالهم سمومًا وعفنًا فيها… ها هم يطبّقون تعاليم التلمود “اقتلوا المؤمنين من غير اليهود” بعد أن دمّروا كلّ تراثٍ ثوريٍّ في المدينة، حتى محاولة هدم ضريح الرسول، وقد نجحوا بهدم عددٍ من المساجد وقبور الشهداء والصحابة…
والسادات، عام 1956 يكتب للملك سعود رسالةً بعنوان “صقر الجزيرة سعود كما عرفته!..” “إنّ سجيّة الملك السعوديّ في رعيّته تقلّ عنها سجايا أمراء المؤمنين في صدر الإسلام… وإنّ عمر بن الخطّاب يقلّ عدلاً عن عدل الملك السعوديّ، وخالد بن الوليد يقلّ شجاعةً عن شجاعة ملوك آل سعود…”
هؤلاء اليهود والدجالون، و”بسم الله الرحمن الرحيم”، يتنقّلون من تعاملهم مع بريطانيا اليهوديّة إلى التعامل مع المخابرات الأمريكانيّة اليهوديّة.
وهذه هي منتجاتهم من طبيعتهم، ينشرونها مسوخًا بشريّةً في بلادنا وفي العالم العربي، لأنّنا أردنا أن نحيا في بلادنا نهضةً قائمةً على نظرةٍ فلسفيّةٍ وقواعد علميّةٍ وأخلاقٍ عقليّة، وسعينا لإنشاء جبهةٍ عربيّةٍ تمكّن شعوب العالم العربي من الانتقال إلى حياةٍ عزيزةٍ لا تتحكّم بها الإقطاعات بجميع تجلّياتها، ولا الطغاة من الداخل والخارج…
هذا هو “ذنْب” أنطون سعاده أيّها السوريّون المنقسمون، هذا هو ذنبه أيّها “العروبيّون” الواهمون، من جال العالم محاولاً بفكره وأخلاقه وعمله أن ينتزع استقلال شعبه وكرامة أمّته وعالمه العربي بل والعالم بدمه. ذنْبه أنّه لم يتغاضَ عن مؤامرة اليهود على بلادنا وكلّ الإنسانية، وفضح برصانة الرجولة كيد المتآمرين، من الداخل والخارج، على قيم الإنسان في كلّ مجتمعٍ بشريّ، وما زالت مبادؤه هي الخلاص، وكثيرون يدّعون ويكابرون، ولكنّهم يصلون بواقعهم إليها ولا يستطيعون الهرب من حقيقتها. كلّ ما في بلادنا اليوم ينطق بحاجته لحروف عقيدته، وبكلّ ما حذّر منه وما بذل له. ها هي وحدة الحياة في الوطن الواحد توحّد المصير حتى بقتامته، وبوقفات عزّه.
يقول سعاده في مقال “وحاربنا لننقذ اللبنانيّين”: “إنّ المسيحيّين في لبنان متّصلون اتّصالاً اجتماعيًّا وثيقًا بالمسيحيّين في بقيّة البلاد السوريّة. وإنّ دروز لبنان متّصلون اتّصالاً اجتماعيًّا وثيقًا بدروز جبل حوران وبدروز حلب وبقيّة البلاد. وإنّ المحمديّين في الجمهوريّة اللبنانيّة متّصلون اتّصالاً اجتماعيًّا وثيقًا بالمحمديّين في كلّ البلاد السوريّة… إنّ بناء النفوس في الحقيقة السوريّة، في القوميّة السوريّة، ينقذ اللبنانيّين خاصّةً من شعوذة النايورجعيّين وينقذ السوريّين عامّةً من شعوذة النايورجعيّين المتعرّبين وينهض بسورية وبالعالم العربي!”
هذه من رسالةِ سعاده إلى شعبه وعالمه العربي، فماذا فعل السوريّون وبقيّة أمم العالم العربي بهذه الرسالة؟ لا حاجة للبحث عن إجابة، فواقع اليوم خير دليلٍ على أنّهم ما اهتدوا، وربما العقبة الأكبر هي الأنظمة السياسيّة الحاكمة بقوّةٍ من الاستعمار، والتي منعت فكر سعاده من أن ينتشر في كلّ أنحاء الأمّة وهذا العالم، والأسباب معروفة. أما الذين وصل فكر المعلّم إليهم، وكانوا على درجاتٍ فيه من الاطّلاع والدرس والفهم والتمرّس… وما يزالون… فمنهم من “يحارب بالرشاش كما يحارب بالقبضة. يحارب بتجهّم الوجه كما بالابتسامة الوادعة أو بطلقات الكلام ومداد الحروف الذي يسيل وكأنّه يخرج من مَعينٍ لا ينضب…” ومنهم “من يميل إلى المصالحات في مواقف تحتاج إلى القرار الحاسم…” ومنهم “من يترك الحزب ويلتحق بحركةٍ تنسجم مع قناعاته (الطائفية)…” ومنهم من يحوّل كلّ “ما يعتبره الحزب سوريًّا إلى لبناني…” ومنهم من “له عقلٌ لمّاحٌ يحسّ بالانحراف قبل وقوعه… يتألّم لما يراه أمورًا حزبيّةً شاذّةً بنفسيّة الشاعر المرهَف، فيتصدّى لها بحنان الوالد. وحين يعزّ العلاج يتصدّى لها بمبضع الجرّاح…” ومنهم من “فقد الأمل في أيّ إصلاحٍ للوضع السياسيّ والاجتماعيّ…” ومنهم من “جاءتهم مذكّرات الاتّهام تحمل موادَّ تتراوح أحكامها بين الإعدام والبراءة…”
وأنتم، اليومَ، أيّها القوميّون الاجتماعيّون، أين أنتم من أنطون سعاده؟
أين أنتم أيّها السوريّون من مَعين النهضة؟
وشعوب العالم العربي، أين هي من هذه الجبهة العربيّة؟
بعد تأسيس قضيّة أمّته وكشف شخصيّتها، ورفع مستواها والسعي لإنشاء جبهةٍ عربيّة، ركّز سعاده على سلاحَين أساسيّين لحماية بلاده وعالم أمّته العربي: السلاح الإنترنسيوني – النفط، والسلاح الحربي… ويعتبر في محاضراته العشر أنّ: “أيّ اجتياحٍ حربيّ للخطوط الاستراتيجية الجنوبيّة أو الشماليّة جعل سوريا الطبيعيّة كلّها تحت خطر السقوط في قبضة الجيش المجتاح… فلا يمكن حفظ سلامة الوطن السوري إلا باعتباره وحدةً حربيّةً في وحدةٍ استراتيجيّة. أيّ جيشٍ يحتلّ أيّة منطقةٍ صغيرة ضمن نطاق الوحدة الاستراتيجية يمكن اعتباره محتلاًّ البلاد كلّها احتلالاً استراتيجيًا.”
هذا الوعي السابر عند سعاده، جعل دول العالم الاستعمارية تهرع بالإيعاز للنظام المصريّ والنظامَين اللبنانيّ والشاميّ للتخلّص من سعاده. وهذه هي النتائج الكارثيّة التي حلّت على بلادنا وعلى العالم العربي، وربما على العالم بسبب عدم الأخذ بفكر أنطون سعاده… هذه النظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن، إلى الإنسان، الذي تحوّل من فرد، إلى وجودٍ اجتماعيٍّ بوعي الانتماء، والذي كان له تأسيسٌ بارزٌ في العالم مع الفيلسوف السوريّ الأعظم، زينون الرواقي، الذي دعا إلى الإنسان العالميّ والذي تكرّس في المسيحيّة التي أعادت للعقل مرتبته بعدما حاولت اليهودية طمسها لحساب الشرع الحرفيّ المميت.

أيّها السوريّون،
يقول الدكتور خليل سعاده: “اليأس أشدّ العوامل التي تشلّ النفوس وتخلع القلوب… ومن يستسلم إلى اليأس، يستسلم للموت. ومن يستسلم إلى الموت ينتحر… يترتّب علينا محاربة اليأس بكلّ وسيلةٍ ممكنة، وأن نحاربه بالفكر والعقل والفعل… وإنّ الإيمان ضروريّ لكلّ عملٍ عظيمٍ في العالم… لسنا بحاجةٍ إلى أنبياء متشائمين… لا نريد أنبياء يتنبّأون لنا بالشرّ والخراب وأنّ مصيرنا البوار والدمار… وأنّنا لا نصلح إلا للقبر.”
أيّها القوميّون،
نحن في هذه الساعات، نواكب أعظم استشهادٍ في أعظم مؤامرةٍ وأبشعها في التاريخ، فهل نواكبه سرجونيّين أم متخبّطين؟!
هل نرتفع بالزوبعة المدوّية إلى قمم انتصاراتنا أم نخنق أنفسنا في حُفر الملح؟!
لقد شقّ سعاده الطريق وحدّد الساعة، فهلّا حدّدتم ماذا تريدون أنتم أيّها الضعفاء من القوميّين؟!
وإذا لم تتمكّنوا من تحديد مرادكم، فالأقوياء من القوميّين الاجتماعيّين قد حدّدوا منذ أداء قَسَمهم من هم وماذا يريدون.
إنّهم سائرون وراء زعيمهم نحو النصر الأكيد، وإذا كان اليأس أقعدكم فهذا شأنكم، وإذا كان الإحباط قد كبّل هممكم، فهم مستعدّون لكسر تلك القيود متى قبلتم أنتم أن تُزال.
ليس بين صفوف الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ إلاّ الواثقون المؤمنون العاملون البعيدون عن الثرثرة والاستكانة. إنّهم في هذه الليلة، بل وفي كلّ ليلةٍ قضاها سعاده بين أوراق فكره، وسجنه، ومكتبه الصخريّ، وفي عرزاله ومحاكماته، وعلى صهوة جواد ثباته يسابق ظلمة القبور،… إنّهم يشترون بأنفسهم نهارات بلادهم.
زعيمي،
وفي النداء العزم، وفي القلب الرجاء، نتوجّه إليك نحن السوريّين القوميّين الاجتماعيّين الأقوياء، نلثم شفيف روحك، ونرتقي بعمود إعدامك إلى البوح المخلّص، ونلفّ بقيود يديك جموح العاصفة، ونجمع فيض دمك قطرةً قطرة، تتفجّر في تلافيف حنايانا، نعلن أن تلك الليلة التي توهّمت فيها زرازيرها الانتشاء، هي الليلة الفجر التي وقفت فيها الأمّة سوريّةً قوميّةً اجتماعيّةً تملأ سماءها شواهينُ الشموخ.

تحيا سورية ويحيا سعاده
المركز في الثامن من تموز 2015 عميد الداخلية
الرفيق ربيع الحلبي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *