بيان المكتب السياسي المركزي

رسالة عمدة الداخلية – آذار للعام 2015 م

يبتدئ عامك الثاني عشر بعد المئة، وكأنّك اليوم أنت في عرزالك تتطلّع نحو الأفق، تُشبع ناظريك بروعة سورياك، وقلبك بحبّها، وعزيمتك بعظمتها. ها أنت اليوم زعيمي تطلّ على قاسيون، ومنه على شآمك التي جرّحها البغض والحقد ولكنّها لم تتمزّق. تطلّ من عليائك على الأراضي السليبة وتحزن، ولكنّ عينيك ما زالتا تحملان بريق الأمل ذاته. تطلّ من منارة بيروت على صخرة المبادئ وبحرك السوري ونجمته، تتنفّس أمواجًا شهدت كلّ الملحمة. تجتاز يداك “الحدود”، وجميع أنواع معادنهم وإسمنتهم، تحتضنان أطفالًا يرشقون الرّجس، وأبطالًا وجوههم كفّيّاتهم وعيونهم بنادقهم… وتعيد طهارة الأردنّ حين تغسلهما فيه. هذي جنائنك تحمل عزّك، وفراتك يسبّح مجدك فيوصل طوروس بسينا.

أمّا وإن أطليّت على رفقائك فلن تمنحهم الرضى الذي يتوقون، والسبب هُم، وليس أنت. قد انحرف البعض، وأنت علّمتنا كيف تصلحهم، وإلاّ أقصيتَهم، وخانك البعض بعد أن قدّمت لهم معنى الشهامة، ولكنّ عبيد الذلّ لا يقوون على رؤية نور حرّيتك. والبعض رأى ظلّه، صباحًا، فحسب أنّه مارد وظنّ أنّه أكبر من الحزب، وقدراته فوق الإدارة والمؤسّسات وربما أعظم منك، وأصبح من دهاقنة “السياسة” وركب موجاتها، ولكنّه أضاع الاتجاه وأضاع جهود رفقاء قد وثقوا به، وخذلهم حتى فقدوا ثقتهم “بالحزب”، ولكنْ عزاؤهم هو ثقتهم بزعيمهم وبانتصارهم، رغم أنّهم يتحمّلون بعض مسؤولية شقائهم، لأنّ قياساتهم لم تكن إلا راهنة، يقوم نشاطهم على ردّات الفعل لا على الفعل البنائيّ. عبثَ البعضُ بالعقيدة ولكنّهم لم يطالوا منها حرفًا، حتى أنّهم حملوا رايةً غير رايتك وكادوا يصلون إلى مبتغاهم، لو لم تنقذ ثلّةٌ من الرفقاء العقيدة بالعقيدة من الزغل، ولم ترضَ إلا حمل راية الزوبعة، حركة حياة، واستطاعت أن تنقذ رفقاء من الانحراف.

كُثُرٌ هم رفقاؤك الذين دخلوا الحزب، ولكنْ قلائل من دخل الإيمان قلوبهم، وإن فعل، لم يقترن بالممارسة العملية، وبقيت روح الرومانسية تدغدغ عواطفه دون أن تفعل في مسار النهضة، فما نفع أن نحبّ ولا نضحّي؟!

أيّها القوميّون الاجتماعيّون،
يلوم البعض ويشتكون وربما يلعنون، كأنّما {خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} (سورة البقرة، الآية 6). وقلائل من يلتزم ويحمل العبء ويسير واثقًا ولا يضع السّراج تحت المكيال.

نعم يضيع منا الجهد ونتائجه إذا ما انحدرنا من قمّة النهضة إلى درك العقوق. فكلّ مواطن أعلن نفسه قوميًّا اجتماعيًّا عليه أن يعمل ليل نهار لعزّة بلاده ورفعة حزبه، وهذا لا يتمّ إلا إذا اجتاز كلّ القوميّين حواجز الأنانية والجبن. “مارسوا البطولة ولا تخافوا الحرب بل خافوا الفشل” سعاده. هل يتمرّس كلّ القوميّين بالبطولة المؤمنة المؤيّدة بصحّة عقيدتهم؟

الكلّ يرغب في أن يكون الحزب في طليعة الجهاد، ولكن هل قام كلّ رفيقٍ بواجبه تجاه أمّته وحزبه، أم أنّه يكفي أن نكون قوميّين في السجلات الحزبيّة أو قوميّين “بالوراثة”؟!

الزعيم لم يُدِن أحدًا، ورفقاء الصفّ لا يدينون غيرهم ولكنّهم يحاسبون أنفسهم بمقياس عقيدتهم وروحيّة معلّمهم، ولا يرضون إلا الكون مجالًا لحريتهم. كلّ القوميّين الاجتماعيّين يدعون إلى “وحدة الحزب”، وكلّ شريفٍ أيضًا، وإنّ الأمر بالغ السهولة متى قرّر القوميّون ذلك. نعم إنّها غايةٌ في السهولة من الناحية المبدئية، متى يشعر كلّ رفيقٍ أنّ رفيقه هو نفسه الأخرى ويحبّه ويحترم إمكاناته ويداويه إن مرض. وحدة القوميّين الاجتماعيّين نعمةٌ لهم، وللأمّة، فليُقدم، من كان عاقلًا ونظيف القلب واللسان واليدين، نحو مثاله الأعلى، وليس من تعبيرٍ عن هذا المثال أرقى من محبّة البلاد بمحبّة الرفيق، ولا أشرف من العمل على رفع شأن بلادنا من رفع شأننا أمام حكم التاريخ. مَن ذا الذي يمنع الرفقاء من اللقاء والتفاعل والعمل والإنتاج معًا؟ رئيس، عميد، منفّذ عام أو أيّ موظّفٍ آخر، يمكن له أن يكون مسؤولًا ويمنع لقاء الرفقاء؟! وهل مَنْ يمنعه أحد عن اللقاء برفقائه يكون رفيقًا مسؤولًا؟! أين حقّه، أين واجبه هذا الذي يطيع الشكل ماحقًا كلّ جوهر؟ “ليس من ميزة المسؤول أن يثأر. إنّ إزالة العقبات من طريق الحياة الشعبيّة الجيدة هو من واجبات المسؤوليّة عن رفع سويّة الشعب” (من يوميّات جورج عبد المسيح). على من يطلب النعمة أن يهتمّ بأرضه وبذاره، ويحرّر نفسه من كلّ عتيقٍ بال. حرّروا أنفسكم يكن لكم العزّ. ليس من وحدةٍ إلا بوحدة النفوس التائقة للحريّة ليكون لها وحدة النهج والصف.

هل تتساءل زعيمي، لماذا يفتّش كثيرٌ من القوميّين على حلٍّ في حين هو في صميمهم؟ نعم قصّة “جسر القمر” هي قصّة بعضنا، القناديل والمعاول في أيدينا، فما عسانا نفعل غير العمل بمحبّةٍ ونظام؟ العمل هو الكفيل بإنقاذ القوميّين من شرذمتهم والبلاد من ضياعها، والأهمّ هو روحيّة العمل، وبعدها تأتي التنظيمات والآليّات والآلات. القوميّون الاجتماعيّون جميعهم مسؤولون عن وحدة الصفّ ووحدة الاتّجاه، وليس لأحدٍ أن يتخلّى عن دوره، وإلاّ كان ضالاًّ عن الحبّ الذي يجمع، والواجب الذي يصهر. كيف لنا أن نحيا عزًّا وفخارًا وفي قلبنا حقدٌ أو كرهٌ أو خبث؟!

يقول سعاده في احتفال آذار الأخير له: “إنّ الذين يعيشون لذواتهم يعيشون في نطاق الأنانيّات الصغيرة المحدودة، التي لا تستحقّ إلا الازدراء والاحتقار… نحن القوميّين الاجتماعيّين منذ نشأنا فكرًا جديدًا وحياةً جديدةً وجهتهما ذروة الشرف والمجد، يصارعان فكرًا قديمًا وحياةً قديمة وجهتهما حضيض اللؤم والذلّ.” فأيّ درجةٍ تريدون أيّها القوميّون؟ ما اختاره زعيمكم أو ما اختاره بعضٌ منكم بعنعناتهم؟ المعبّر الأوفى عن أمّتنا يقول لنا، في الأول من آذار أيضًا: “هذا العزّ الذي ننهض به هو عزّ نوزّعه حتى على الذين يسعون ليل نهار لإذلال هذه النهضة التي لن تُذلّ والتي سوف ترفعهم إلى العزّ هم أيضًا غصبًا عنهم!”. فهل تريدون هذا العزّ أم تكملون مسيرة “الانقسام”؟ ألم نرَ المعلّم السّوري السيد المسيح يقول بحسب إنجيل مرقس: “… وإن انقسم بيتٌ على ذاته لا يقدر ذلك البيت أن يثبت… لا يستطيع أحدٌ أن يدخل بيت قويٍّ وينهب أمتعته، إن لم يربط القويّ أولاً، وحينئذ ينهب بيته.” فأيّ بيتٍ تريدون أيّها القوميّون؟ هل تقبلون أن تُنهب أمتعتكم وأنتم مكبّلون؟ أم قرّرتم أن تكونوا – كلّكم – أقوياء لا يجرؤ أحد على دخول بيتكم المحصّن؟ أنكبّل أنفسنا بالضعف و”الانقسام” ونريد بيتنا – أمّتنا واحدة؟! يورث بعض القوميّين بهذا النهج “الانقسامَ” للأجيال الحاضرة ولتلك التي لم تولد بعد، هذه الأجيال التي أرادها سعاده أن تشرب من مَعين النهضة وتنشأ عزيزةً بفكرٍ طليقٍ من الأمراض المعطّلة للوحدة الاجتماعية. كفى الادّعاء لدى كثيرٍ من المسجَّلين قوميّين اجتماعيّين، والذين يدْعون للوحدة وهم يجهلون روابطها الأساسية، أو أنّهم يعلّمونها دون العمل بها.

يقول الدكتور خليل سعاده: “أعرضوا عن هذه الصغائر وكونوا رجالاً أحرارًا…” ويقول أيضًا: “الاتّحاد المنظّم أساس كلّ حركةٍ سياسيةٍ خطيرةٍ ترمي إلى غايةٍ وطنيّةٍ سامية” (“سورية من الحرب والمجاعة إلى مؤتمر الصلح”، مجلّد 1). هذا هو نهج كبار النفوس، هذا هو نهج رجال سعاده الذين لا يتركون مجالاً للشكّ والرّيب والانقسام والذين أبَوا أن يساوموا في حياة زعيمهم وبعد استشهاده.

لم يساوموا على الفكر والأخلاق. ولم يدخلوا في اللبننة أو غيرها من الفكر الكياني كما فعل البعض وخانوا عقيدتهم، ولم يلوّثوا أيديهم بأموالٍ وأحلافٍ حرفت “مسؤولين” في الإدارة عن الفكر القويم، أو ينصاعوا لأوامر خارجة عن إرادة القوميّين الاجتماعيّين. والأسوأ هو ما وصل إليه بعضهم من الانقسامات التي شرذمت وباعدت بين القوميّين… وقد تُعلن “الوحدة” ويفرح كثير من القوميّين، ولكن إذا كان أساسها دمجًا وتسوياتٍ و”تمسيحَ جوخ” سيُصدَم من فَرِح وربّما يُحبط. ونحن لا نمرّ على هذا المجرى إلا لنضع أمامنا حقائق يجب أن يتفاهم عليها القوميّون ليجعلوا قلوبهم وعقولهم نقيّةً من كلّ الشوائب، ويقرأوا تاريخهم بأمجاده ونكساته فتنتفي الاتّهامات ويبتعدون عن الصغارات، حينها يلتقون على قمة واحدة.

نحن القوميّين الاجتماعيّين نريد وحدةً تنبثق من قلوبٍ وعقولٍ وأخلاقٍ وأعمالٍ تعبّر عن قدسيّة سعاده وسموّه، وتقضي على هذا الاضطراب الحاصل ما بين القوميّين. هذه اللعنة التي حلّت على المجموع القومي، مَن يزيلها؟ لن يزيلها إلا سعاده. نعم إذا اتّجه مجموع القوميّين نحو سعاده، فكرًا ونهجًا.

بلاد العالم تحفظ عباقرتها وفنّانيها وقادتها… وتقيم لهم مزاراتٍ تحجّ الأجيال إليها مستلهمةً ضياءً وخيرًا. أيكافأ صانع وحدة الأمّة بانقسام بيته والتآمر عليه – تآمر بعض مواطني بلادنا الذين خانوا أرضهم وتعاونوا مع الخارج للتخلّص من سعاده – ويبقى الأخطر هو الخيانة اليومية لسعاده باستمرار الانحراف عمّا طلب تحقيقه وممارسته، في حين أنّ مكان القوميّين الطبيعي هو ساح الجهاد.

أيّها القوميّون، ليس الاعتراف بالخطأ فضيلةً إلا إذا أصلح المرء مساره الخاطئ وعيّن الداء وتناول الدواء الشافي له. وإلا تحوّلت هذه الصراحة بالاعتراف إلى وقاحةٍ بممارسة الخطيئة.
ليقف كلّ واحد منّا أمام نفسه، أمام بلاده وزعيمه وحزبه، هذا الثالوث الذي إذا ما تفكّكت أقانيمه لن يبقى لنا حياة طبيعية، كما أنّه لا يمكن أن تنبت حبة قمح خارج حضن الأرض ورعاية الفلّاح. حضن النهضة خصبٌ ودافئ والفلّاح حرث الأرض وصانها، وما على الفَعَلة إلا أن يجمعوا الحصاد لئلا تذريه الرياح فيضيع.

رفقاء الحقّ والحقيقة،
إنّ بلادنا قد عادت إلى نضارتها مع آذار، ولكنّها محتاجةٌ إلى رعايةٍ وحمايةٍ كي لا ييبس زرعها. محتاجةٌ إلى دماء الفداء لتحيي عروقها وإلا تنشّفت. محتاجةٌ إلى من يمسح عرق جبينها وإلا أحرق عينيها عرق الدهور… وليفهم أولي الألباب.
تحيا سورية ويحيا سعاده

المركز في الأول من آذار 2015

عميد الداخلية
الرفيق ربيع الحلبي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *