رسالة التأسيس للسنة الثالثة والثمانين

في مرحلة ما قبل تأسيس “الحزب السوري القومي”، عرض سعادة في كتاباته أنّ الاتّجاهات الفكريّة في بلادنا تنقسم إلى نظريّتين: الأولى، “الأحزاب والأفراد القائلة بأنّنا عرب وأنّ بلادنا تؤلّف
جزءًا من إمبراطورية عربية”. والثانية، “الأحزاب والأفراد القائلة إنّنا أجزاء متعدّدة، كلّ جزءٍ منّا أمّة ودولة مستقلّة”. وهذا مردّه بشكل أساس إلى التعصّب الدّيني الذي كتب فيه “من أعظم العقبات التي قامت في سبيل استقلال سورية، التعصّب الدّيني، ذاك الداء العضال الذي أحدث شللاً في أعضاء الأمّة السورية ووقف حاجزًا منيعًا بينها وبين ما ترمي إليه من النهوض إلى مصاف الأمم الحيّة”، وكتب عن السوريّين: “انّ الذي جلب عليهم هذه الويلات إنّما هو التعصّب الديني الذي مزّق كلمتهم وبعثر آراءهم وفكّك عراهم وأوهن قواهم …”. كما وقد رأى مبكرًا “أنّه رغمًا من مشاهدتنا اليهود يجتمعون في كلّ صقعٍ من أصقاع العالم للتآمر علينا مع المستعمرين وغيرهم لم تقم فينا حركةٌ تميل إلى الإجراءات الفعّالة…”. ووجد أنّ أممًا غريبةً تتآمر على بلادنا مثل أميركانية – الولايات المتحدة الأميركية – التي سقطت من “عالم الإنسانية الأدبي”، أو أوروبا “فقد عرفت أوروبا التعدّي وهي في المهد ونمت ونما معها هذا الدّاء الذي لازمها في كلّ أدوار حياتها…”.
بين هذه العوامل الداخلية والعوامل الخارجية وغيرها، عيّن سعادة أنّ “المحافظة على كيان أمةٍ ما علمٌ حربي من الطبقة الأولى، إنّه علمٌ سياسي من الطبقة الأولى”، واعتمادًا على “أنّ طريق الإصلاح في العمل، في العمل لا في تشييد القصور في الهواء وتسويد الأوراق بالمداد”، وأنّ “كلّ أمّةٍ مهما كانت ضعيفةً يجب أن تعتمد في الذّود عن حياضها على قوتها هي…” وأنّ “سيادة الأمّة لا تظهر في سنّ القوانين وتأليف المجالس بل في القضايا التي لها مساسٌ بهذه السيادة …”، أخرج سعادة فكره القومي عابرًا طبقات الأزمنة حتى ما قبل التاريخ ليكشف حقيقة أمّته ولينتشل حطامها وليصهرها في بوتقةٍ واحدة، أمّةٍ واحدة، لوطنٍ واحد في الحزب السوري القومي مخترقًا به كلّ ظلمات الدّهور فأعلن ولادةً جديدةً عام 1932 انطلاقًا من الغاية: بعث نهضة سورية قومية اجتماعية لهدف إعادة القوة إلى الأمّة ليكون لها السيادة على نفسها، عبر نظامٍ جديدٍ يُخرج ما في كيانها من حقٍّ وخيرٍ وجمال، تنشرها رسالةً جديدةً إلى العالم لتحوّل مساره نحو الغنى الحقيقي في التمرّس بهذه القيم بعيدًا عن كلّ ما يُهلك العالم من فلسفاتٍ ماديّة أو روحيّة، كلّ واحدةٍ جامحة باتجاه بتر الحياة ومكوّناتها وإنسانها، أو حروب قد دمّرت نفوس البشر وشوّهت وقتلت منهم الملايين ولم يرتفع صوتٌ إلا للمدافع والطائرات والأنين والعويل والنحيب، هذه الحروب التي جعلت أمم العالم، حتى المنتصرة منها، مُستعبَدةً لغطرستها ومنافقتها وسمسرتها، ولمزج الشرف بالسياسة والسياسة بالشرف، أمّا الأمم الضعيفة فقد نالها من الذلّ والعسف والتنكيل والخيانة والبطش والتقسيم والجوع والقهر ما نالها، والحصة الأكبر كانت لسورية، هذه الأمّة الجميلة الخيّرة الهادية الوثّابة، ولا ذنب لها إلّا أنّها صاحبة رسالة محبّةٍ للعالم، أو لأنّها أنشأت وأبدعت في الدين والفلسفة والعلم والفنّ… وإذا أردنا أن نحصي إنجازاتها وجدنا التاريخ يضيق بها.
عرف سعادة، وقبل تأسيسه للحزب السوري القومي “…أنّ أعظم أدلّة خراب أمّةٍ ما أن تجهل تلك الأمّة أنّها على شفا الخراب أو أن ترى الخراب آتيًا إليها وتظنّ أنّه عمران. وأنّ من أعظم العوامل التي تجعل الأمم تجهل مواقفها كما هي تمامًا انقيادها إلى من ليسوا أهلاً لقيادتها واسترشادها بمن هم ليسوا أهلاّ لإرشادها.”
وهذا ما حصل في سياق حياة الأمّة السورية، فما كادت تخرج من تعفّن وضعها خلال الاحتلال التركي العثماني، وكان لها فضلٌ كبيرٌ في هذا التحرّر، فقد ناضلت طويلاً وقدّمت أبناءها وقودًا لمشعل حريّتها، إلى أن علقت بحبائل الدول المنتصرة، والتي ساهمت، ولو أشلاء، في القتال في صفوف هذه الأمم وساعدتها ظانّةً أنّها بذلك تستطيع أن تخرج إلى النور، إلا أنّ جهل القيادة وعظم التمزّق وخبث الدول الغريبة ومكر اليهود جعلوها هائمةً تبحث دائخةً عن ذاتها وعن حلٍّ لمعضلاتها فلا تجد سبيلاً لذلك، حتى قامت حركةٌ انقلابية على كلّ هذه العوامل، فأصبح للأمّة قضية واحدة هي قضية الشعب السوري كلّه وراية واحدة تسير خلفها النفوس التّائقة للحريّة المعبّرة عمّا في مخزون هذه الأمّة من العزّ. وقد ابتدأ سعادة هذا المخاض، بعد أن أسّس أو انتسب إلى أحزابٍ وجمعيات عديدة في الوطن أو في المغترب، وولّد تيارًا فكريًا لا مثيل له في الشرق، تمثّل في إنشاء الحزب السوري القومي، على مرتكزاتٍ عقديّة وعمليّة يمكن إجمالها:
أوّلا، فكرة الأمّة بالمعنى “الاجتماعي العلمي العصري”، الأمّة هي جماعةٌ من البشر تحيا حياةً موحّدة المصالح موحّدة العوامل النفسية – المادية على بيئةٍ جغرافية واحدة… المرتكز الأول والأهمّ للفكر القومي الاجتماعي، وهذا هو الواجب المُقدّم عند جميع القوميّين الاجتماعيّين ليقوموا بنشره وخصوصًا في هذا الجوّ الموبوء بالأفكار والممارسات الداخلية والخارجية التي تفسّخ الواقع الاجتماعي وتجزّئ الواقع الجغرافي. وإنّ كلّ جهدٍ خارج هذا الأساس هو جهدٌ ضائع. لذا فإنّ التثقيف العقديّ ونشر المبادئ هما من المسؤوليات الأساسية عند كلّ قوميٍّ اجتماعيٍّ بل وعلى كلّ شريفٍ في هذا الوطن، كي لا يختلط هذا المفهوم مع ما أشيع سابقًا من مصطلحات، كالهلال الخصيب أو سورية الكبرى أو بلاد الشام أو المشرق هروبًا من المصطلح التاريخي والعلمي، سورية، وكي لا تبقى مبعثرة القوى، مجزّأة.

ثاني هذه المرتكزات، الأخلاق، “العقلية الاخلاقية”، “الروحية الفاعلة في الجماعة، الإخاء القومي والعصبيّة القوميّة”، “في كلّ ناحية من نواحي أعمالنا القومية والسياسية في بلادنا، في كلّ فئة أو بيئة لم تتّخذ عقليّة أخلاقيّة أساسًا يضطلع بالأغراض والأعمال نجد التشويش والفشل والخيبة.” وهنا تبرز قضية التربية في المجتمع، قضية الحزب الأولى في المجتمع.
ثالثًا، مرتكز المؤسّسات، “إنّ إنشاء المؤسّسات ووضع التشريع هو أعظم أعمالي بعد تأسيس القضية القوميّة لأنّ المؤسّسات هي التي تحفظ وحدة الاتّجاه ووحدة العمل هي الضّامن الوحيد لاستمرار السياسة والاستفادة من الاختبارات”. “الحزب السوري القومي الاجتماعي هو الأمّة…” كهيئةٍ تحقّق فيها الوعي، وبالتالي فإنّ الحزب لا يمثّل الأمّة عمليًا إلا بمقدار نهضته القوميّة الاجتماعية. وهذا ما يجعل القوميّين الاجتماعيّين أمام واجب الانخراط في مؤسّستهم الحزبية والارتقاء بها بالإمكانيّات والإمكانات كي تكون قادرة على تمثيل إرادة الأمّة والعاملين فيها وتجسيد أفكارهم، والعمل لتنفيذ سياسة الحزب.
المرتكز الرابع، القوة الماديّة بجميع تجلّياتها،”إذا أغفلنا الناحية المادية أثبتنا أنّنا أغفلنا الناحية النفسية أيضا”. “إنّ العقل يستخدم المادة ويسيّرها”.
وهذا النهج عند سعادة يستوجب من القوميّين التوجّه نحو:
المرتكز الخامس، الإنتاج، فمن واجبات القوميّين، كلّ القوميّين، إنْ في الوظائف المركزية أو بتنفيذ موجبات قَسَم عضويّتهم أن يتمرّسوا بالمفهوم الذي ينصّ على كون “الإنتاج مقصدًا أساسيًا من مقاصد التفكير في الدولة القومية”.
المرتكز السادس، الجيش، فكيف تُحمى البلاد ويصان فكرها ومؤسّساتها وإنتاجها إلا بالجيش القومي بجميع فصائله البرية والبحرية والجوية؟ فما دامت الأمم تتصارع لتحقيق مصالحها، تبقى “القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره”.
المرتكز السابع، التدريب، والذي يشمل جميع نواحي حياتنا، فكرة – حركة، لينتج عنه إمكانيات تستطيع أن تأخذ دورها في جميع آفاق الحياة المدرحية بتمرّس رساليّ على أساس النظام وتدبّر للقوة التي تحرّك هذا النظام. “إنّ سرّ النجاح ليس في النظام بل هو في القوة التي تحرّك النظام”.
المرتكز الثامن، الثقة، “إنّ الثقة بالنفس كانت ولا تزال وستظلّ العدّة التي لا يقوم شيئ في العالم مقامها في حياة الأمم”، “ما أحقر هذه الروح التي لا ثقة بنفسها” وللمتسائلين عن إيراد “الثقة” بعد كلّ هذه المرتكزات، وقد جعلها الزعيم في مقدمة الدستور وموجبًا أول للتعاقد بينه وبين المقبلين على الدعوة، نجيب: إنّ الثقة هي الخطوة الأولى وهي العامل الأقوى ليكون كلّ ما تقدّم مشروعًا ولا شي يكون إلا به. الثقة هي الخيط الجامع – بالنظام – كلّ هذا التشتّت، فلا يجمع أبناء أي أمّة غير قوميّتهم، ثقتهم بنفسهم، بأمّتهم، بانتصارهم، ومتى دخل الشكّ قلوبهم ارتدّوا إلى مجاهل ما قبل النهضة ونُزعت عنهم نعمة القومية الاجتماعية حتى وإن بقوا يجاهرون بقوميّتهم. من لا ثقة بقلبه وعقله لنفسه ولأمّته ولقيم مجتمعه الأصيلة، فلا ثقة له برفقائه ومسؤوليه، وبالتالي يكون إيمانه زائغًا وقَسَمه باطلًا، ويخرج عن الطّاعة التي لا وصول إليها إلا بالثقة. وهكذا تكون الثقة في البدء تعاقدًا وفي الصّيرورة نضجًا وفي المآل سعادة. ومن أعظم نتائج الثقة الإخلاص “وفي يقيننا أنّ الإخلاص هو أهمّ دعائم الوطن القومي …”
رفقائي النبلاء،
إنّ عيد التأسيس الثالث والثمانين يمرّ على بلادنا وما زالت تعاني، بل إنّ هذه المعاناة تزداد يوميًّا، وما زال كثيرون من الذين أدّوا قَسَم الولاء لأمّتهم وزعيمهم يعرفون ويجاهرون أن لا خلاص لهذه الأمة إلّا بمبادئ النهضة، ولكنّهم، وبسبب الظروف التي مرّ بها الحزب والمؤامرات التي حيكت ضده، وعدم مصداقية، بل وخيانة بعض القيّمين على إدارة المؤسّسات الحزبية، حتى بوجود الزعيم في قيادة الحزب ميدانيًا، إن في الوطن أو في المغترب، جعل هؤلاء الرفقاء يتوهون عن المسار الذي يجب أن ينهجوا فيه فتحوّلوا مع استشهاد الزعيم وتراكم الأحداث وقراءاتهم المختلفة لتاريخ الحزب، هذا إن جهدوا ليقرأوه، إلى مجموعاتٍ ربما كلّها تجاهر بالقومية الاجتماعية وتنخرط في مؤسّساتٍ تحمل اسم الحزب، ولكن هذه المؤسّسات تنحرف عن العقيدة والأخلاق، ويستمرّون في هذه المؤسّسات رغم أنّهم يعرفون تمامًا هذا الانحراف ويتحدّثون عنه ويعانون منه، معتبرين بقاءهم في هذه المؤسّسات محاولةً منهم لإصلاحها، فلا هم يُصلحون المؤسّسة ولا هي تقبل شيئا من أخلاقهم، فقد فسد ملحها. أو ربما بعضٌ من هؤلاء الرفقاء خرجوا من أيّ مؤسّسة ويعملون كقوميّين دون تنظيم معتبرين أنّهم يقومون بواجبهم مع عائلاتهم وفي نطاق عملهم، أي في مجال حياتهم الخاصة، فهل هذا هو كلّ المطلوب؟! إنّهم وبصفائهم يعرفون أنّ هذا لا يمكن أن يقوم مكان المؤسّسة الحزبية. وبعضهم انتقلوا من مؤسّسةٍ إلى مؤسّسة أخرى، فعانوا ما عانوا ثم انسحبوا… وربما انكفأوا. وآخرون التحقوا بالحزب السوري القومي الاجتماعي، المؤسّسة التي لم تنزلق إلى أيّ من المهاوي الأخلاقية أو الفكرية أو السياسية وحافظت رغم كلّ المغريات والتهديدات والضغوطات والعوز المادّي والاتّهامات… على سويّة حزبية نظيفة القلب والعقل واليد واللسان، إلاّ أنّها لم تستطع أن تنجح عمليًّا كما يجب ولم تحقّق الحضور المطلوب وذلك لأسبابٍ ذاتية وأخرى موضوعية. هؤلاء الرفقاء الذين التحقوا بالحزب، وعلى فتراتٍ مختلفة، منهم من حسم أمره وكان رفيقًا محبًّا، واثقًا، صبورًا، متحملاً مسؤوليّته الأولى ومسؤوليّة وظيفته الحزبية، متنكّبا كلّ ما يمكن أن يقوم به بإرادةٍ وأخلاق، دون أن يلتفت إلى الوراء. ومنهم من حاول ولكنّه دخل في الحزب بخلفيّة أنّه يدخل “ليصنع حزبًا” ليس موجودًا. أو أنّه دخل لأجل رفيقٍ أو مسؤولٍ في المؤسّسة الحزبية أو لأنّ رئيسًا آخر قد انتُخب، ظانّين أنّ “القيادة” قد تغيّرت!
لكلّ رفقائنا نقول: إنّ عيد التأسيس يزدان باجتماع كلّ من رفع يمينه بقداسة الإيمان وعظمة المعرفة صفًا واحدًا جامعين الشبيبة السورية تحت لواء الزوبعة الخفّاقة منتصرين في شعبهم عزًّا وفخارًا.

تحيا سورية ويحيا سعادة
المركز 16 تشرين الثاني 2014 عميد الداخلية
الرفيق ربيع الحلبي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *