الزوبعة

رسالة عمدة الداخلية لتموز 2014

في العام 1921، وفي السابعة عشرة من عمره، كتب سعادة في جريدة “الجريدة” مقالاً بعنوان “السوريّون والاستقلال”، تحدّث فيه عن الخطر اليهودي، فاعتبر أنّ الصهيونيّين “جمعيات وفروع في جميع أقطار المسكونة تعمل يدًا واحدة لغاية واحدة وهي الاستيلاء على فلسطين…”، وأنّ هذا الخطر سوف يطال بلادنا بأكملها. وفي توصيفٍ وتحليلٍ دقيقَين، وصل سعادة إلى نتيجة محسومة مؤدّاها أنّه “… ليس لنا من عدوٍّ يقاتلنا في ديننا وحقّنا ووطننا غير اليهود”. وفي الكشف عن هذا الموقف، يكتب “إيلياهو أبشتاين” (أو إيلات) المنتسب شكليًّا للجامعة “الأميركية” في بيروت في ثلاثينيّات القرن الماضي، وأحد موظّفي “موشيه شاريت” (أو شرتوك) الذي قابل “حسني الزعيم” في بلودان بهدف تسليم أنطون سعادة لـ”رياض الصلح”، فكانت الرشوة وكان التسليم، يكتب: “مهما كانت الصهيونية بالنسبة إلى اليهود أنفسهم، فإنّ سعادة اعتبرها خطرًا كبيرًا جدًا على فكرة «سورية الكبرى»”. كذلك نُشر له عام 1972 مقالٌ يعتبر فيه سعادة “أحد أكبر أبطال المعسكر العربي ومن كبار مُحدثي التغييرات الفكرية والتنظيمية في المعسكر العربي… والتي لم تحظَ بتقديرٍ لائق…”. ويتابع ويقول إنّه متعصبٌ لآرائه، جازمٌ في موقفه، وموهوبٌ بالقدرة على الإصغاء، ضليعٌ بخبرته في القضايا الاجتماعية والسياسية المختلفة… وإنّه يجمع صفات الثوري والقائد”. ويضيف أنّ “المخابرات البريطانية (“اكتشفت”) عام 1936 وجود علاقات بين سعادة والهيئة العربية العليا في القدس من أجل تهريب السلاح للعصابات العربية في فلسطين من سوريا ولبنان”.
على المقلب الآخر وفي العام نفسه، بل وبعد شهرٍ بالضبط من إصدار سعادة لمقاله المذكور، كان رياض الصلح، وهو في عمر 28، يجتمع في منزل جيمس ده روتشيلد مع حاييم وايزمن وآخرين لبحث “مسوّدة ورقة عمل لوفاق عربي – يهودي”، الذي بدأت بذوره العام 1913، حين اجتمعت لجنتا حركة القوميّين العرب بـ”سامي هوشبرغ” بتفويضٍ من “اللجنة التنفيذية الصهيونيّة” في القاهرة وبيروت، وذلك بحجّة طلب المساعدة من اليهود في نضالهم ضدّ الأتراك، اللقاء الذي أصرّ فيه “الموارنة” على أنّ فلسطين يهوديّة مستقلّة ذاتيًّا هي أفضل ضمانة للبنان مسيحي مستقلّ ذاتيًّا. وهذا النهج كان قد ابتدأ عام 1860 على أثر الحرب الأهليّة “المارونيّة – الدرزيّة”، التي استغلّها اليهود واستفاد منها الأتراك. وفي السياق ذاته يذكر “بن غوريون” أنّ وفدًا من موارنة لبنان قام بزيارة “إسرائيل” لطلب العون من الوزير “إيلياهو ساسون”، الذي أصبح وزيرًا للخارجية فيما بعد، إثر “انتفاضة فاشلة قام بها أنطون سعادة”. كما تذكر “لورا أيزنبرغ”، الباحثة اليهودية، بناءً على تقرير “جاكوبسون” أنّ “البطريرك عريضة” و”ألبير نقاش” عرضا عليه إقامة شركة اقتصادية. كذلك تضيف أنّ “إميل إده” و”جورج نقاش” بحثا معه في شروطٍ سياسية محدّدة، وعرضا اتحادًا سياسيًّا وعسكريًّا وثيقًا”. وتقول أيضًا إنّ الوكالة اليهودية رأت في “البطريرك عريضة”: “واحدًا من أشدّ المؤيّدين وأكثرهم إخلاصًا للصهيونيّين في لبنان”. وقد التقى “عريضة” بـ”إيلياهو إيلات” عام 1932 ووجده الأخير “أكثر عدوانيةً تجاه المسلمين من سلفه البطريرك الحويّك”. وكان قد عرض على اليهود بيعهم أراضيَ من ممتلكات الكنيسة قرب بيروت. وكلّ هذا أدّى إلى المعاهدة اليهودية – المارونية في 30 أيار عام 1946، ممّا أنتج ردة فعل سلبية حتى عند بعض النواب الموارنة في البرلمان اللبناني، وخصوصًا بعد نشر “الديار” لرسالة المطران “مبارك” التي يقول فيها “إنّ لبنان يطالب بالحرية لليهود في فلسطين – بقدر ما يشتهي حرّيّته واستقلاله”.
أيّها السوريون القوميّون الاجتماعيّون:
هذان هما الاتّجاهان اللذان تصارعا وما يزالان إلى أن يزيل واحدٌ منهما الآخر. هما الاتجاهان اللذان برزا قبل ألفَيْ عام بين “الحزب القومي” أو “حزب الشعب” القرطاجي البرقيّ و”الحزب الحنونيّ” أو “حزب التجار”. الأول كان يحظى بتأييدٍ شعبي واسع ويضمّ العناصر الواعية النشيطة من أبناء الشعب وقد بنى أسسه على نشر ثقافة بلادنا ومقاومة العدو وعدم الانجرار إلى الاستسلام، وعمل لنهضة قرطاجة… أما الثاني فقد كان يرى أنّ طريق “السلم” هو الأوفر والأسهل، متجاهلاً الخطر الحقيقي للعدوّ…
وللأسف فإنّ الحزب الأخير كان له التأثير الأقوى على نتائج الحرب الأخيرة إذ “القوة النفسية، مهما بلغت من الكمال، هي أبدًا محتاجة إلى القوة المادية، بل إن القوة المادية دليل قوة نفسية راقية”، فإنّهم لم يمدّوا هنيبعل بما كان يطلب من عونٍ مادي، ما جعله يخسر المعارك الأخيرة بعد أن عبّر عن عبقريّته السورية في القيادة والحرب، وحقّق انتصاراتٍ لا مثيل لها في التاريخ القديم، وأبدع خططًا جديدةً وأساليب مبتكرة لا تزال تُدرّس وتُنفّذ حتى يومنا هذا في أرقى الجيوش وأكثرها تطوّرًا في العالم… وكي لا يترك لأعدائه فرصة النيل منه بعد أن خُذل من بني قومه فقد تناول “الساحر”، كما أطلق عليه أعداؤه، السمّ الذي كان يحتفظ به دون أي اضطرابٍ أو وجل، مبتسمًا واثقًا…
أيّها القوميّون، يا امتداد القوميّين القرطاجيّين، إنّ زعيمكم قد أصابه من التجّار ما أصاب هنيبعل، وواجه رصاص أعدائه، ومنهم من أبناء شعبه، مبتسم الوجه لا يعرف قلبه الخوف ولا يدخل الاضطراب أعصابه، واثقًا بأنّ أبناء عقيدته سينتصرون…
اتُّهم سعادة من قبل الذين تعاملوا وقبضوا من اليهود وغيرهم بأنّه كان عميلاً لليهود. فقد صرّح رئيس الحكومة اللبنانية “رياض الصلح” لـ”كلّ شيء”: “إنّ لدينا وثائق تثبت اتّصال الحزب القومي باليهود”.
إنّ المؤامرة التي حيكت من قبل الأنظمة المحلية، اللبنانية والشامية… و”العربية” كالمصرية… والعالمية كالبريطانية والفرنسية واليهودية… قد أثمرت جهودها في التخلّص من سعادة.
في مرسوم رئاسة الجمهوريّة اللبنانية عدد 15256 سحب “بشارة الخوري” العلم والخبر رقم 614 المؤرّخ في 12 أيار سنة 1944 المعطى للجمعية المسمّاة “الحزب القومي”. وحُلّت هذه الجمعية في 11 حزيران 1949 على خلفية مهاجمة جريدة الحزب في الجميزة من قبل الكتائب اللبنانية المارونية والاعتداء على الرفقاء! وصدر مرسوم وزارة الدفاع – المحكمة العسكرية – بالدعوى 475 والحكم رقم 496 القاضي بالحكم على أنطون سعادة بالإعدام في السابع من تموز 1949 ليصار إلى تصديقه بالمرسوم عدد 15529 من قبل “بشارة الخوري” رئيس الجمهورية يومها، ورياض الصلح رئيس مجلس الوزراء، ومجيد أرسلان وزير الدفاع في اليوم ذاته – السابع من تموز!
بين هذه المراسيم وهذا الحكم وتصديقه وما سبقها وتلاها من أحداث، كان سعادة يسير بثقة العارف أنّنا ربما نُغلب ولكنّنا لا نُقهر، و”أنّ الحياة التي نحياها لا نهاية لها، لأنّها مربوطة بالغايات العظيمة التي هي، كنفوسنا العظيمة لا نهاية لها”. وقد أدرك أيضًا “أنّ الذين قبلوا ويقبلون سيادة فرنسة وبريطانية على أمّتنا، هم أنفسهم يقبلون كلّ سيادة أجنبية أخرى…” وأنّ مركّب النقص عند رجل الانقلاب “حسني الزعيم” ومزاجيّته، وعمالة “محسن البرازي” رئيس حكومته، ولعبة “عادل أرسلان” نائب رئيس مجلس الوزراء الشامي ووزير خارجيتها؟ وأسماء أخرى ذليلة بعبوديتها وخائنة لبلادها، وتلبيتهم لخبث وتآمر المسؤولين اللبنانيّين المتعاملين للقبض على سعادة وتسليمه بعد أن وعده “الانقلابي” بالمساعدة للقضاء على النظام الفاسد و”الحكومة الطاغية”، لن يكونوا كلّهم أوفى من “يهوذا”. أمّا القوميّون الذين انحرفوا عن أسس العقيدة، ومنهم من نجوا من حركة التطهير التي أجراها سعادة عند رجوعه من مغتربه القسري، فيتحمّلون مسؤولية تراجع الحزب عن دوره الحاسم في تغيير وجهة التاريخ، وكان لهذا دور أساس في وصول سعادة إلى ما وصل إليه.
أيّها الرفقاء،
يقول إميل بستاني النائب اللبناني السابق إنّ “سعادة مات كما تموت الآلهة”، نعم مات كزنوبيا وإليسار، ولم يأبه لهذا الموت، بل مات مبتسمًا شاكرًا، لأنّ رفقاءه سيثأرون لموته، وأنّ حزبه باقٍ رغم الآلام العظيمة التي يكابدها – وسيكابدها – لأنّه واثقٌ من “أنّ حربنا هي حرب مقدّسة لأنّها حرب أمّة تريد أن تشقّ طريقها إلى العزّ والعظمة…”، وأنّ حزبه “حزب قتال قبل كلّ شيء”.
لكنّ سعادة شعر بخجلِ ليلةِ الإعدام من التاريخ وكان فضّل لو قُتل برصاصة على الطريق بين دمشق وبيروت على أن يوصَمَ بعضٌ من أبناء شعبه بالعار!
عينا سعادة اللتان “أضاءتا ظلمة المكان ووحشته” نامتا بعد أن استقبل جسده الرصاصات التي اخترقت الرأس الذي قدّم نظرةً جديدةً للحياة والكون والفنّ، ومزّقت الرئتين اللتين حملتا عبق هواء بلاده العليل، وهشّمت اليد التي ما كتبت يومًا إلا للحقّ، وهو العارف “ما للقلم من الشأن في تاريخ البشر وما لعثراته من النتائج السيئة في تطور العمران وسير الاجتماع”. سالت دماؤه بعد أن تحمّل المسؤولية بكاملها أمام ما سمّي محكمة، هذه الدماء التي أودعتها أمّته فيه قدّمها بأبهى ما يكون للشهادة من صور، وما زالت تنبض في الشرف الذي نحمل.
أيّها القوميّون،
ها هو سعادة – قائدكم أمامكم، وها هم رفقاء سعادة التمّوزيون قد خاضوا معارك ضارية وغير متكافئة مع الأعداء أو الجهلة كما فعل الرفيق جورج عبد المسيح، اللبناني من بيت مري، في سرحمول والذي شارك في معارك فلسطين عامي 1936 و1938، ومنهم من استشهد من أمثال الصدر عساف كرم، اللبناني الكسرواني المنتمي في حمص، في الخامس من تموز في مشغرة على ضفاف الليطاني وهو يردّد “لعينيك يا سورية، لتحي سورية…” ورفقاء ينتظرون… 68 قوميًّا اجتماعيًّا معتقلون ينتظرون أن يلتحقوا بزعيمهم وقد صدر الحكم بالإعدام على: يوسف حسين قائد بيه ، مصطفى سعيد ملاعب، أديب سمعان الجدع، معروف محمد موفق، خليل يعقوب الطويل، عبد الحفيظ حسن علامة، محمد ابراهيم شلبي، محمد أحمد زعبي، فايز فهد زين، نصير صالح ريا، سعيد عبد الرؤوف حماد وعباس عبد الرؤوف حماد. ولكن وفي قرعة طائفية اللّون، لم يتمّ التنفيذ إلا بالرفقاء: أديب سمعان الجدع الجنوبي من حيفا، معروف محمد موفّق اللبناني من ديرقوبل، عبد الحفيظ حسن علامة اللبناني من برج البراجنة، محمد إبراهيم شلبي الجنوبي من حيفا، ومحمد أحمد زعبي الشامي من حوران، والمواطن عبّاس عبد الرؤوف حمّاد الجنوبي من طبريا، الذي اعتُقل في مشغرة، والذي توجّه نحو الرفقاء المحكومين قُبيل الإعدام وطلب من محمد شلبي مدير مديرية نبوخذ نصّر في دمشق أن يسمح له بأداء القسم… لأنّه لا يريد أن يموت إلاّ سوريًّا قوميًّا اجتماعيًّا… وكان له شرف الانتماء… والاستشهاد…
هؤلاء الرفقاء أعلنوا في فجر 21 تموز مبدأً جديدًا في الرجولة…
كما استشهد أيضًا رفقاء تحت التعذيب والتنكيل كالرفيق محمد ملاعب اللبناني من بيصور الذي تمّ ربطه وجرّه بحصان الضابط “عبد المجيد الزين” في باحة مبنى الدرك السيّار، وكي لا يبقى تحت التعذيب، فإنّ الرفيق قد رفع رأسه وهوى به على الأرض، فالتحق بزعيمه شهيدًا لا يعرف الذلّ إلى وجدانه سبيلا… ليؤكّدوا جميعًا أنّ المسيرة قد بدأت في 1936 في فلسطين مع الشهيد حسين البنا، والشهيد محمد سعيد العاص إلى شهيد الاستقلال اللبناني سعيد فخر الدين عام 1943… ولم تتوقّف بل استمرّت في كلّ الحقبات اللاحقة، ولن تتوقّف طالما تحتاج هذه الأرض للدماء الزكية… وهذا ما برهن عليه القوميّون الاجتماعيّون في كلّ يومٍ مع كلّ شرفاء الأمّة لأنّ “الصراع فرضٌ حتمي…”، وتحديدًا في هذا الوقت العصيب بالذات، الذي نبّه وحذّر منه سعادة: “بالأحقاد الدينية والاقتتال على الجهة السماوية واجهنا مشاكل حياتنا القومية. ولا تزال مدارس التقوى والورع عندنا تغذّي عقول ناشئتنا بالدروس المسهبة عن الفرق بين “النبي” و”الرسول” والفروق بين مراتب الأنبياء والرسل ومن منهم يتقدّم على البقية عند الإيذان بدخول السماء يوم القيامة والحشر وكيف أنّ أول واجبٍ على كلّ متّبع نبيًّا أو رسولاً أن يحارب في سبيل نبيّه أو رسوله وكيف يجب أن لا يفكّر بشيءٍ إلا بالحظوة بالجنّة مستشهدًا في سبيل دينه وكيف أنّ كلّ مذهبٍ ديني مخالف لمذهبه هو كفر بالله …” فهل أصدق من هذا التوصيف الذي قدّمه المعلّم منذ تأسيس الحزب على ما يجري في أمّتنا اليوم؟ هل أعظم من تأسيسه لفكرٍ ممارَس أنّنا كلّنا مسلمون لرب العالمين بالإنجيل والقرآن والحكمة امتدادًا لنفسيّةٍ سوريّةٍ أصيلة؟
لن يدخل الشكّ إلى عقولنا أو قلوبنا بأنّ السوريّين القوميّين الاجتماعيّين، وبتعاقب أجيالهم، سوف يبذلون الدم في سبيل ارتقاء بلادهم وعزّها… ولن يجعلوا إلا زعيمهم قائدًا لهم نحو النصر الأكيد. بإيمانٍ واحدٍ وعقيدةٍ واحدة يتوجّهون إليك:
يا من خافوك وأنت مقيّد، بك نسمو للحرية،
يا من حُرم رؤية زوجته وبناته، بك نحنو بارتقاء على أطفال شعبنا كلّهم، وعلى الأمّهات المعانيات المقاومات،
يا مبتسمًا شافقًا أمام رهبة الموت، بك نحيا المجد،
زعيمي،
إليك نتقدّم بقسمنا على ألا نخون بلادنا وحزبنا يومًا، وأن نبقى صفًّا قوميًّا واحدًا منسجمًا متماسكًا متراصًّا، ويبقى الدم لغتنا الوحيدة مع العدوّ، ليكون السلام لسوريانا الهدى.

المركز تموز 2014 عميد الداخلية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *