بيان المكتب السياسي المركزي

رسالة آذار

إنّ ديمومة ارتقاء القوميّين الاجتماعيّين نحو زعيمهم لأعظم عمل يقومون به. فليس أثمن لأجيال الأمّة من شرف عقيدةٍ تتناول قضيةَ الحقيقة، ماحقةٍ الأوهام، محوّلةٍ المسار من ظلمة الكهف إلى نور العقل. إنّه مَنْ كشف وأسّس ونظّم وجاهد وسُجن واستشهد في ساح الحرب التي لم يترك، متمرّسًا بكلّ حرف من قَسَم زعامته الذي فاض من نفسه الكريمة، كرم وطنه، جاعلًا التضحية مزيةً أولى تُنشئ روحيّةً جديدةً هي الروحية القومية الاجتماعية المحيية، المقابلة للنفسية الفردية الأنانية القاتلة.
الرفقاء المحترمين،
إنّ لميلاد سعادة في حياة أمّتنا الانقلاب العظيم الذي طغى على مفاسد الرّجعة والتقاليد البالية والفوضى الهدّامة، ليجعل من القوميّين صفًّا منيعًا لا تخترقه الأمراض التي يمكن أن تفتك بغيرهم، فهم متنزّهون عن الأنانية والمذهبية والطائفية والفوقية والطبقية والاحتكارية والاستغلالية الرخيصة والتعنّت والثرثرة والعجرفة، ومتى دخلت عليهم صفةٌ من هذه، عادوا إلى كهفهم مع أصفادهم.
عندما نحيي مناسبة ميلاد سعادة بالتنوير أو بالاحتفالات المتنوّعة المظاهر، علينا أن نكون مستحقّين لهذا الشّرف الذي وجب علينا التمرّس به فكرًا ونهجًا، فليس الإحياءُ ليوم أو لشهر، بل هو استنفار نفوس مُحِبّة، قويّة، نظيفة، عالمة، بسيطة، حكيمة، لا تفعل إلاّ ما تُقرّر وتريد، إنّها نفوس قد تعرّت من شوائب الدهور العالقة بالنفوس المريضة، وكبرت على المحن والسجون والرصاص، وانزرع آذارُها ربيعًا حقيقيًا “بلديًّا” أصيلاً في شرايين لهب الانتصار.
قال الزعيم في مقدّمة مؤلّفه التأسيسي في علم الاجتماع، نشوء الأمم: “إنّ الوجدان القومي هو أعظم ظاهرةٍ اجتماعية في عصرنا، وهي الظاهرة التي يصطبغ بها هذا العصر على هذه الدرجة العالية من التمدّن”. فهل أصبح هذا الوجدان خارج هذا العصر الجديد؟ وهل سحقته أقدام المؤامرات الخارجية وترساناتها، أم محقته النفسية اليهودية الحقيرة، أم مسخه الشعب المنقسم وخنقته عنعنات من “قوميّين” لا يُستَثنون من أفعال آثمة ضدّ وجدان الأمّة؟ يمكن لهذا الوجدان أن يكْمن ولكنّه لن يزول، فهو حيٌّ ما دامت الحقيقة، عُرفت أم جُهلت. نحن نحتاج المعرفة كي تكون الحقيقة لنا. ولا يحقّ لأحد أو فريق أن يدّعي امتلاكها، فهي كالنّور تسطع متى كُشفت، وتحجب نفسها بطهارة عمّن لا تزال أرواحهم تنظر إلى الوراء.
نتيجة منطقية عملانيّة ضروريّة في سياق خطّ الفكر السوريّ، يجب أن يكون سعادة قيمةً ممارَسةً يوميًّا في حياة السوريّين عمومًا والقوميّين بشكلٍ خاص، ينصهرون فيها، يعجنون أنفسهم بطيب النقاء الشغوف دائمًا إلى العلوّ، ملتحمين ببعضهم، يمتنعون التزامًا أخلاقيًّا نظاميًّا عن “الأحاديث الانحطاطية والإصغاء إليها أو الاشتراك فيها وعن معرفة ما تجرّه هذه الأحاديث السيّئة الكريهة من العواقب الوخيمة على روحيّة البيئة التي تتولّد وتنتشر فيها… لا تجعلوا قضيّتكم صغيرة لئلا تدلّوا على أنّ نفوسكم صغيرة، لا تنزلوا قيمة نهضتها ومؤسّساتها إلى درك القضايا الصغيرة الحقيرة…”، فهل اتّجهنا جميعنا إلى هيكل قضيّتنا نقيم صلاة ديننا الاجتماعي منتظمين بالدستور؟ “إن الأصل هو الدستور، أو الدستور بالذّات، والمراسيم الدّستورية لم تتناول غير الشؤون الأساسية وإيجاد المؤسّسات للأغراض الإدارية الأساسية…” (من رسالة إلى وليم بحليس، سبتمبر1941)، إنّنا نتمرّس بقوميّتنا، متعاضدين بعصبيّتها، متمثّلين صورة وطننا الجميل، سهول خير ووديان سلام وجبال فخر وبحار هداية… منضويين في دولة تشرّع العدل لمواطنيها وتقضي بالحقّ فيما بينهم من خلال مؤسّساتٍ تنفيذيّة على أساس توزيع الغنى والقضاء على الفقر، تعتمد المعرفة رأسمالها الحقيقي في ارتقاء أجهزتها وتطوير أساليبها، مؤسّسةً لذهنيةٍ مبنيّةٍ على العقليّة الأخلاقيّة لأجيالها المتعاقبة المتسامية بتجذّر انتمائها، تاركةً للمراجع المختصّة شؤون السياسة بجميع ألوانها. “إنّ المسائل السياسية دقيقةٌ جدًا. وخطورتها تفوق خطورة المسائل الإداريّة. ونظام الحزب، كما سترى من قراءتك الدستور، يقضي على كلّ موظّفٍ إداريٍّ أو سياسيٍّ بالتعهّد بكتمان جميع ما يُعهد إليه ويشكّل أسرار الوظيفة أو المهمّة عن القوميّين فضلاً عن غير القوميين…”. (من رسالة إلى وليم بحليس أغسطس 1941.)
الرفقاء الأحباء،
ممّا كتبه سعادة في آذار قبل التأسيس، وهو في المغترب، “يجب أن أقوم بمطلوب مبدئيّ مع كلّ ما يعرض لي من ألم الروح، فالحياة قصيرة لا تسمح بضياع الوقت في البكاء من الألم، وإنّ الألم في الحياة لذوي الفهم، هو الفلسفة التي عرفت حقيقتها بالاختبار… يجب أن أنسى جراح نفسي النازفة لكي أساعد في ضمد جراح أمّتي البالغة…”.
ومما قدّمه بعد التأسيس عام 1935 “هديةً ” للقوميّين، “قَسَمَ الزعامة”، الذي رسّخ فيه وقْف نفسه على أمّته… حيث رأى في نفسيّتها العامّة “نفسيّة خوفٍ وجبنٍ وتهيّبٍ وتهرّبٍ وترجرجٍ في المناقب والأخلاق. ومن صفات هذه النفسية العامّة الخداع والكذب والرّياء والهزل والسخرية والاحتيال والنميمة والوشاية والخيانة وبلوغ الأغراض الأنانية ولو كان عن طريق الضرر بالقريب وعضو المجتمع…”.
في رسالته للرفيق أنطون ضاحي مدير مديرية خوخوي في 2 مارس 1946 يقول الزعيم: “إنّ لحزبكم تاريخه. وهو تاريخ جهادٍ وبطولةٍ وعظَمةٍ وارتفاعٍ نحو المثل العليا الجميلة. وإنّ لزعيمكم سيرة تعليمه وجهاده وبطولته. فلا تجعلوا للشكوك والظّنون سبيلاً إلى تحقير هذه القيم الأساسية الجوهرية في نهضتكم القومية الاجتماعية المباركة… إرفعوا نفوسكم عن الدنايا من كلّ نوعٍ وعن جميع المسائل الحقيرة الشائنة لتكونوا جديرين بنعمة النهضة السورية القومية الاجتماعية وبالحياة المثالية الجميلة العزيزة التي تؤهّلكم لها تعاليمها ومن فيها ونظرتها السامية إلى الحياة والاجتماع والكون…”.
هكذا أراد الزعيم أن يرتقي إليه “الشباب السوري”، والقوميّون الذين كان منهم: “كلّ واحدٍ يريد أن يقول أقوالاً في الإدارة والإذاعة والثقافة والأدب. وكلّ واحدٍ يريد أن يُعلن ما يعتقده لازمًا وما لا يعتقده لازمًا وما يراه صوابًا وما يراه خطأً أوغلطًا. ولكن لا أحد يريد أن ينتقد نفسه ويرى تقصيره في شعوره وتفكيره وواجباته…”.
“إنّ أكثر الذين طُردوا من الحزب السوري القومي الاجتماعي كانوا انتهازيّين تأتي مطامعهم قبل القضيّة القوميّة. وبقاؤهم في الحزب بعد ظهور غاياتهم وخياناتهم كان يجعل قضية الحزب في خطرٍ دائم…. وقد تساهلْتُ مع الانتهازيين ما وجدتُ إلى التساهل سبيلاً فلمّا رأيتهم يعرّضون الحزب للخطر أقصيتهم… فالمجتمع الذي يحتضن الخيانة ويفسح لها مجال الحياة مجتمعٌ مصيره إلى الموت المحتّم…”
“لسنا بالّذين عن حمل اللّطمات عاجزين بل نحملها ونسير… لذلك يمكن أن نقول إنّنا أمّةٌ منتصرةٌ حقًّا…
إنّ أعظم مغزى وأسمى معنى للحياة القومية الاجتماعية هو العزّ…”
هذا هو آذار لمن يريدون أن يكونوا هُم نسغ بلادهم، لأجيال تعمل دائمًا كالنّفَس الرّحب في رئتَي أمّتهم، كالورق المخضوضر طاقةً والمتفاني بذلاً، لأجل حياةٍ شجرها كالعناقيد الدّامية قلوبها لنشوتها، إنّهم أبناء سورية الذين وثق بهم زعيمهم كما وثق بانتصارهم متى كانوا أقوياء، أصحّاء، يخطّطون بهدوء، ينفّذون بصمتٍ دون تبجّح وضجيج، يكشفون بعفّةٍ العالم دون ادّعاء، يجاهدون بحكمةٍ ودون خوفٍ ولكن بأخلاق، يبنون صروح بلادهم نمرودًا لا يطاله الزمن ولا الرّيح، يحملون بلادهم في عروقهم يفتحون الدُنى هدايةً…
أيّها الرفقاء الأقوياء بالحقيقة التي تحملون وبالحقّ الذي تتمرّسون، يدعونا صاحب العيد إلى ساحِ الجهاد في كلّ يوم، ونحن فيها في كلّ يوم، ورغم الكثير من المعاثر التي تواجهنا، ولكن، بجهدنا، نستطيع تحويل هذا الجهاد إلى النهضة التي أراد، إنّنا نحتاج إحلال الفكر القومي الاجتماعي مكان الفكر العبثي، إنّنا نحتاج قوةً مادية تنتشر مؤسّساتٍ في طول البلاد وعرضها، وهذه ليست “هباتٍ” نستجديها، أو إسقاطاتٍ سماويةً نستوحيها، بل هي عقولٌ تسبر، وقلوبٌ تسطع، وزنودٌ تضرب في كلّ مجال بناءً للحقّ…
إنّ أمثلةً كثيرة قد مرّت في سياق تاريخ أمّتنا ولا سيّما في تاريخ الحزب ومراحل تطوّره التي لا تخفى على كلّ مطّلع، تشكّل مَعينًا لنا. فهذه قرطاجيّاتنا تُكَوِّمن في السّاحات العامّة ذهبهن ليكون عونًا لـ”الساحر” هانيبعل كي يقضّ مضاجع روما، ويقصصن جدائلهن لتُجدل حبالاً لأشرعة الفَخَار، وهؤلاء رفقاء “يبيعون” من دمهم – وديعة الأمّة فيهم – كي يدفعوا اشتراكاتهم الشهرية، وهنا رفقاء “يبيعون” من ممتلكاتهم – ملك أمّتهم المؤتَمنين عليه – كي يتابعوا مسيرة الانتصار لتصبح كلّ أرض بلادهم لأبنائها وحدهم، ومنهم رفقاء قد مزّقوا “حبال” المشانق ببطولتهم، أو جعلوا من السجون معاقلَ رجولة، ورفقاء يمزّق الرصاصُ قلوبهم فيختمون نضالهم بدمائهم الزكيّة مبتسمين للموت شهادةً للحياة، وماذا نقول عن فعل أمومةٍ سوريّةٍ تبعث بابنها إلى سجنٍ أو نفيٍ أو موتٍ عزيز؟
فهل نبخل على بلادنا وقد نُسج من الكَرَم تاريخها؟

المركز في أول آذار 2014 عميد الداخلية
الرفيق ربيع الحلبي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *