احتفال تكريميّ وتوقيع كتاب للرفيق الدكتور أنطوان أبي حيدر

احتفال تكريميّ وتوقيع كتاب للرفيق الدكتور أنطوان أبي حيدر

في إطار نشاطات الأول من آذار، أقام الحزب احتفالاً تكريميّا للرفيق الدكتور أنطوان أبي حيدر، في فندق كراون بلازا الكائن في شارع الحمرا، بيروت، وذلك يوم السبت الواقع فيه 16 آذار 2013.
افتُتح الاحتفال بالنشيدين الوطني اللبناني والسوري القومي الاجتماعي، وبحضور حضرة رئيس الحزب وعدد من الرفقاء المركزيين، إضافة إلى حشد من المواطنين والرفقاء.
استهلّ العريف الرفيق الدكتور كنعان الخوري حنا الاحتفال بكلمة ترحيبية، تلاها عدد من الكلمات، واختتم الاحتفال بتقديم درع تكريمية للرفيق د. أنطوان، كما قامت منفذية بيروت العامة بإهدائه لوحة فنية.
بعدها قام الرفيق أبي حيدر بتوقيع كتاب بعنوان: “بيانات الرفيق الدكتور أنطوان أبي حيدر، الجزء الأول، 1973-1974” كان قد صدر في آذار 2012 وأُجِّل نشره. وفيما يلي نصوص الكلمات التي ألقيت بالتسلسل:

كلمة حضرة رئيس الحزب:
أيّها الحضور الكريم
“إن قيمة الفرد، اجتماعيًا، تتعيّن بمقدار تمثيله لقيمة الإنسان العام وليس لقيمة الإنسان الخاص أي بمقدار أخذ الفرد بقِيَمٍ فكرية وعملية تعبّر عن جمال مطالب المجتمع وسموّها التي هي شيءٌ عام لجميع الأفراد بصفتهم «ناسًا» أي باشتراكهم في الصفات وأغراض الفكر والشعور العامة في المجتمع.” سعاده
المجتمع هو أفراده، والأفراد هم إمكانيّات هذا المجتمع الفاعلة لتحقيق سموّه ورقيّه، لذلك نجتمع اليوم، ومن ضمن الاحتفالات بالأول من آذار، لنعبّر عن الالتزام الفاعل لخير المجتمع. نحن نجتمع لتكريم – إن صحّ التعبير- إمكانيّةٍ من الأمّة فعلت فيها النهضة، ففعلت في الأّمة إنتاجًا مناقبيًّا صراعيًّا، في وجه كلّ الصعاب والأخطار التي واجهت شعبنا، وفي وجه كلّ المغريات التي قُدّمت لأفراد، منهم من سقط على جوانب الطريق، ومنهم من تمرّس بقَسَمه دون منّةٍ أو تردّد.
مجموعةٌ من الرفقاء، منهم من غادرنا بالجسد، ومنهم من لا يزال يتمرّس ويعمل لنهضة الأمّة، احتملوا اللطمات من الذين لم يفهموا، مصارعين ليرفعوهم إلى مراقي الحياة العزيزة الكريمة، فكانوا الخميرة التي انتشرت بين أبناء هذه الأمّة قناديل تقتدي بالقنديل الأكبر، وتضيء ظلمةً حاولت أن تغلب النور، ففشلت عندما بعثت الأمّة فتى آذار ليعيد مجدها، وكانوا من الذين قال عنهم الزعيم: “أنتم ناضلتم عن هذه الأمّة وحيدين وأنقذتم شرف الأمّة وحيدين”.
أما السبب الثاني للقائنا اليوم، فهو صدور كتاب “من بيانات الرفيق الدكتور أنطوان أبي حيدر”. ونحن لا نحتفل بالأفراد كأفراد، بل بالعقيدة التي انتصرت فيهم فانتصروا لها، ولا نحتفل بالرفيق الدكتور أنطوان لكتاب ذكرياته، أو “لانتصاراتٍ” شخصية، بل نحتفل به بكتابٍ جمع البيانات التي أصدرتها رئاسة الحزب السوري القومي الاجتماعي، يومَ كان هو رئيسًا للحزب – الأمّة مصغّرة، فهو إذًا احتفالٌ بالأمّة وما وهبتنا من فعاليّةٍ حياتية، وبكتاب يشكّل جزءًا من العمل الدؤوب لبعث النهضة، فهو جزءٌ من تاريخ الحزب وتحقّق النهضة في أبناء الأمّة.
أيها الحضور الكريم
إنّ الكرامة، كلّ الكرامة، في العمل انطلاقًا من القاعدة الأساس: “مصلحة سورية فوق كلّ مصلحة”، في أن “نسير على أقدامنا ونعمل في أرضنا ونقف تحت الشمس شرفاء أعزّاء…”، في العمل لوحدة قوميّة صحيحة، مدركين أنّ الأفراد يأتون ويذهبون، مثالهم مثال حبة القمح التي تغوص في التراب لتنبت سنابل مليئةً بالإنتاج: بالحق والخير والجمال.
“أمةٌ نحن يقينًا وحياةٌ لن تزول”. وتحيا سورية حياة سعاده
***
كلمة الصديق المحامي الأستاذ عصام كرم:

 

العقل اللبناني يهدي إلى القرار اللبناني

أهمّ سؤال ينهض في يوم التكريم هو سؤال عن المكرَّم: هل تكريمه مجاملة أو قناعة؟ في يوم تكريم الدكتور أنطوان أبو حيدر، جوابي: إنه تكريم قناعة لأنه تكريم استحقاق أنطوان أبو حيدر رفيق العمر. هو رفيق الدراسة الثانوية في مدرسة “الحكمة”. أنطوان، يومذاك، في صفّ واحد مع شقيقي ملحم. أنا كنت أسبقهما بصفّ واحد. وكنت أعرف أن أنطوان أبو حيدر في التلاميذ المتفوّقين. ويلتزم أنطوان أبو حيدر، يلتزم حزبيًا. التزامه الحزبي فرّق بيننا. ولكن ظلت بيننا جامعة المودّات والاحترام. الديالكتيك نفسها لا تتعارض مع الانفتاح ولا هي تتمانع مع الرحابة.
وتقع أحداث في سوريا. ويتأثّر الحزب السوري القومي الاجتماعي بالحدث الدمشقي ويسري الزمن ويُنتخب أنطوان أبو حيدر رئيسًا للحزب الذي غدا حزبين. وثلاثة في وقت من الأوقات. كلّ الأحزاب… عندنا وعند غيرنا… عرفت هذا التجاذب. ولا أستثني أحزاب الغرب. بالأمس القريب قام في فرنسا كلام على شوائب في انتخابات الأمانة العامة للحزب اليساري… الحزب الاشتراكي الحاكم، اليوم. فكاد ينقسم الحزب. والمعركة، يومذاك، بين مارتين أوبري وسيغولين رويال. وبالأمس الأقرب قام الكلام نفسه على انتخابات رئاسة الحزب اليميني بين فرانسوا نيون وجان فرانسوا كوبي. وما يزال الحزب مهدَّدًا بصيرورته حزبين.
أمر طبيعي هذا في الدين، وفي الدنيا، كلما ابتعد الزمن عن حضرة المؤسِّس تتشرذم الشِيَع وتتباعد الجماعات.
وليس شيئًا عاديًا تولّي القيادة. كثيرون وصلوا. لكن وصولهم وقف عند حدّ الذين يعرفون أن يربحوا، لا أن ينجحوا، لأن الكسب الحق هو الذى يبدأ معياره مع بدء الولاية ويتواصل حتى خاتمتها. أنطوان أبو حيدو عرف أن يربح وأن ينجح لأنه كان الرجل الثقة.
أنا سمعته في بياناته… في معظمها. وقرأته في رسائل الحزب إلى الملوك والرؤساء. وفي الكلامين كان واقعيًا، متوازنًا، جريئًا على رصانة مسترشداً رسالة أنطون سعادة إلى لويد جورج، رئيس حكومة بريطانيا من 1916 إلى 1922، وصاحب الدور الفاعل في مؤتمر فرساي، ورئيس حزب “الأحرار” ، يوم كرّمه الصهاينة.
اختلفت العقيدة بيننا ولكن تلاقت التطلعات. كلانا يرى إلى المسائل المطروحة رؤية واحدة.
نحن نرى معًا أن المبادىء الكبرى تتعرض للمهانة في دولة أضعفها النزاع الأهلي. فصار أمنها سائبًا، وقضاؤها تائهًا ومجتمعها مِزقًا. منذ متى نحكي عن الوطن الواحد… ونحن، مذذاك، وطنان؟ الوحدة الوطنية كلمة عندنا مثلما الوفاق الوطني كلمة، والكلمة تسقط عن أريكتها يوم تصير جوفاء المحتوى. مثل الديموقراطية، ومثل النأي بالنفس كلمات تتكرّر من دون أن يصدّقها أحد. كأن اللبناني يريد أن يتعزّى بما يراه عند الأخرين في البلدان الكبرى مثل ما عندنا.
ألان بيرفيت… الوزير الديغولي… في كتابه “المرض الفرنسي” يعرض واقعًا يقول إن فرنسة ظلت فرنستين كلما تصوَّرتْ أنها تمشي إلى الانصهار في فرنسا واحدة. أميركا اليوم ثنائية السياسة: كراهية متأصلة لـ أوروبا… في الميسيسيبي مثلاً. انفلات جمهوري شرس. جوٌّ مسموم في واشنطن. إنها الحرب.. يقول توماس مانّ من الـ بروكينغ إنستيتيوشن. إنها مثال الحرب القبلية. الأميركيون… يتابع مانّ… يحلمون بمثياق توافقي. فلا يلقون إلا الخلفة والفرقة. الناس ينتخبون أحد الحزبين… الديموقراطي والجمهوري. ينقسمون على هذين الحزبين. ويرون بنظّارة هذين الحزبين. التوافق شيء ساحر. لكنه بعيد عن الحقيقة. كان زمان، كان الفريقان يتلاقيان على أهداف واحدة. هذا الزمان ولّى.
فيما أقرأ ألان بيرفيت وتوماس مانّ عن فرنسا وعن أميركا، ظننتني أقرأ عن لبنان، فإذا استذكرنا الملكيين والجمهوريين في الـ “إغزاغون”… وإذا تطلّعنا إلى اليمين واليسار الفرنسيين في هذا الزمان… وإذا رنوْنا إلى الديموقراطيين والجمهوريين في أميركا… أفلا نرى صورة 8 آذار و 14 آذار؟
بلى، خصوصًا أن ديون Dionne، كاتب افتتاحية الـ “واشنطن بوست”، يقرّب الصورة أكثر، فيقول: “إننا مختلفون على ما نحن لأننا مختلفون على ما كنا”. أوليس هذا هو لبنان… من إمارة 1516، إلى سايكس – بيكو 1916، إلى لبنان الكبير 1920 ، إلى الدولة اللبنانية 1926 يرأسها شارل دبّاس، إلى الجمهورية اللبنانية.. جمهورية الميثاق والصيغة في 1943؟
نختلف على ما نحن. لأننا نختلف على ما كنا لأننا، مذذاك، منذ الإمارة، نراهن على الغريب… نستدعي الغريب على بعضنا… ونراهن على أحداث الخارج لنتغير في الداخل. نتغير… قلت… لا نغيِّر. لأن من يغيّر هو القادر على اختيار الأحداث، لا المستسلم للأحداث تختار له لا تخيّره. من يغيّر هو المتمرّد على الاستكانة وطأطأة الظهر… من زمان العثمانيين إلى زمان الانتداب… إلى الأزمنة الأخرى التي لا يجوز أن نلطو فنحمل الغريب وحده مسؤولية ما حصل فيها. مع أن المسؤول الأول هو نحن. الوصيّ مسؤول. لا جدال في هذا، لكن القاصر الراضي قصره هو هو المسؤول… على الأقلّ لأنه ارتضى أن يظلّ قاصرًا يسلِّم أمره إلى الأوصياء.
ونعمل مثل الغرب من دون أن نعلم. تطلّ علينا الفرصة، فنفوّت الفرصة. ونحتج بـ “أميركا”. أميركا فوّتت ثلاث فرص: في 1989 أطلقت إدارة كلينتون فكرة مبهمة فارغة سمّتها “العولمة”. وهي ، في الواقع ما كانت أكثر من أمركة تعمل لحماية مصلحة المستهلك. هذه الفرصة الأولى. الفرصة الثانية كانت في 2001 يومذاك بعد 11 أيلول… كان العالم يقول “كلنا أميركيون”… وكان الأميركيون يستكفون بغزو العراق المنتهي بحذاء منتظر الزيدي في استقبال رئيس الدولة الغازية. والفرصة الثالثة التي فوتتها أميركا كانت في 2008. باراك أوباما انتُخِب لإصلاح ما خرّبه حكم جورج بوش لكنه لم يفلح في تبديد الخوف من السلطة العسكرية ترسيخًا للحقوق المدنية. ولا استطاع مواجهة التحدي الثقافي في آسيا وفي أفريقيا وفي عالم الجنوب.
نتعزى عن تفويت الفرص بالحديث عن فرص فوّتها الآخرون، ولو أميركا؟ لا ! كارل ماركس كان يكتب: حتى اليوم… الفلاسفة فسّروا الكون. بعد اليوم… يجب تغيير الكون. مع الزمن انقلب الكون على كارل ماركس فصار الكلام على وجوب الحفاظ على هذا الكون. على صيانته وإبقائه… حتى وهو يذهب إلى زواله؟ لا ! الأرض في تصاعد حراري يسبّبه الإنسان فهل نترك الأرض تتلف بأيدي سكانها؟ لا. طبعًا. لأن إيماننا هو أن الكون يزول عندما يزول الخيار وتنعدم المسائل ويسقط الممكن. الكون يزول عندما نصير نعتقد، نحن، أن التطور يصبح تطورًا ذاتيًا من دون الحاجة إلى تدخّل الإنسان.
نحن… مثل الغرب… نكتفي بإطلاق الكلام الكبير. حقوق الإنسان، الحريات العامة، المجتمع المدني… متناسين أن الدولة الحقّ لا تقوم إلا بسلطة تنفيذية قوية. هذه هي المسألة !
نحن نقول بالحرية متجاهلين، ربما، أن الحرية مسؤولية وقدرة. أنا لا أفهم حرية الدجاج في الثورة على ابن آوى. مثلما لا أفهم أن يقتل إنسان أباه وأمه، ثم يهيم على وجهه متظلمًا من أنه يتيم. أفلم نرَ ماذا فعلنا بقانون الانتخاب… القانون الثاني بعد الدستور؟
يلذّ الكلام في يوم تكريم الدكتور أنطوان أبو حيدر. يلذّ وتتعدد طرقه وطرائقه في مدرحية تجمع المبدأ والواقع… فندرك أن لنا عدوًا واحدًا هو “إسرائيل” وأن خبث الغرب سمّى الثورة العربية “الربيع العربي”، وفي باله تصييره خريفًا بعدما وافق على تغييب ناس وإحضار ناس، وما من يغيرون. وأن “إسرائيل” لا تؤمن بقوة الحقّ بل بحقّ القوة، وأن مثلث الشعب والجيش والمقاومة هو القوة. وأن العقل اللبناني، وثقتنا به تقوى مع الزمن على رغم كلّ شيء، هو العاصم من الزلل في النتيجة، وهو الهادي إلى توقّد لا بد منه يُشيع بين اللبنانيين كلمة لـ “الدالايي لاما”: عندما نعرف أن الكسب الحقيقي لا يكون عبر خسارة الآخرين ، يتغير العالم.
بكلام العقل يُكتب القرار اللبناني… وبه وحده خلاص لبنان !
16-3-2013 عصام كرم
***
كلمة الرفيق نايف معتوق:
حضرة الكرام
رفقاء ومواطنين!
ترتسم على جبهة الأفق النابض بالحياة وجوه، تتباين طلتها، ولكنها في واقعها تتكامل لتعكس جمال الحياة، وفعلها المتألّق البنّاء. وهذه الوجوه بما فيها من أصالة الحياة وقيمها، لا ترى حرجًا أو تراخيًا أو قصورًا في تقديم طاقات الحياة فيها إلى الحياة التي وهبت. وهذا ما يسهم في الانطلاق نحو الأفضل بكل زخم وتحفّز وسموّ.
دور هذه الوجوه هو هو دور أيّ فعالية اجتماعية وعت حقيقة ذاتها، وتمرّست بمحتوى وعيها، والتزمت بالضوابط الناظمة التي تضع حدًّا لأيّ خروق أو تفلّت أو جنوح؛ وحرصت على أن يبقى القسَم عنوانًا ركيزةً في كتاب العمل الحزبي، وتاجًا مذهّبًا رمزَ الكِبْرِ القوميّ والعزِّ الاجتماعيّ.
مثل هذه الوجوه ألِفْناها ونألفها في دائرة عملنا الحزبي، إن على صعيد الالتزام بقسم العضوية – قسم المسؤولية الأساسية، أو قسم المسؤولية الإدارية؛ وكلتاهما تتكاملان في خطّ سيرنا القويم الذي يجافي كلّ التواءٍ أو تعرّجاتٍ نافرة مقلقة.
مثل هذه الوجوه أثنى عليها الزعيم، ومحضها ثقته، كونها إمكانياتٍ عبرت من عالم الفردية والأنانية، وعبّرت عما في واقعها الحقيقيّ من الـ”نحن” التي هي المنطلق والغاية.
مثل هذه الوجوه لا تطلب ثناءً، ولا تسكر بمديحٍ، ولا تتنظر تكريمًا، بل يكفيها أنها تقوم بواجبها بوعيٍ وتلقائية، وتغتبط حين يسري فعلها في عقول وقلوب مواطنين لأنّ في ذلك بعضًا من واجب، وتلازمًا مع جوهر القسم، وانسجامًا مع تطلعات ورؤى كلّ القوميين الاجتماعيين.
من هذه الوجوه البارزة المشرقة رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي السابق الرفيق الدكتور أنطوان أبي حيدر الذي تسلّم مسؤولية الرئاسة لما يزيد على أربعة عقود؛ خيمت فيها على الأمّة السورية سحابات مربدّة أمطرت أزمات ومصائب وويلات؛ كما أشرقت من زوايا أخرى شمسٌ استشرف إطلالتها سعاده المعلّم، فيها كان على قدر المسؤولية؛ قاد السفينة بدُرْبة وتأنٍّ يشهد له فيها أهل العقل والمنطق والأخلاق؛ ويصوّب عليها من آذته صلابته الهادئة، وخصوم يخشون الفعل النهضويّ القوميّ، وبعضٌ يريد أن يعبر إلى المرتجى بالقفزات لاختصار المسافات؛ فللقفزات تداعياتها، وللسير الثابت المكين نتائجه وآفاقه.
مثل هذا المسلك لا ينحصر في الشأن العملي، بل ينسحب على الطريقة التعبيرية، فعدّة الكتابة لديه أشبه بالعدّة في غرفة العمليات؛ والوضع النفسيّ والتركيزيّ هو عينه أثناء العمليّة الجراحية؛ فالدقة والخبرة والتركيز التي تؤطّر مقوّمات الجراحة هي هي نفسها مقوّمات عمله في الكتابة.
الغاية واضحة وثابتة، والركيزة راسخة ومكينة وشاملة، والوسيلة عدّة في المتناول لا تخرج على إطار السابقتين. والمفردات والمصطلحات والتعابير حفر وتنزيل. إنها النسج المحكم بعد انتهاء العملية الجراحية. بعدها يخرج المريض إلى غرفته وفيه كلّ مقوّمات العافية؛ كما يخرج المكتوب إلى من يهمه الأمر وفيه معالم الأسباب الموجبة والمعابر الممكنة، والحلول الشافية.
فما هو في طريقه إلى التوقيع، نموذج من النماذج الكثيرة، أو هو أوّل الغيث، مجموعًا في كتاب؛ جزء أوّل يتضمّن بيانات 1973-1974 وفيها من عرض للوقائع واستشراف للآتي وتحذير مما يهدّد الأمّة من أخطار؛ علمًا أننا كنا على أبواب الاقتتال في لبنان عام 1975.
فلو أنّ الغارقين في وحل ارتباطاتهم وأنانياتهم ونزواتهم، والتائهين في مستنقعات جهلهم وغبائهم، والذين لا حول لهم إلاّ الشكوى والتململ، لولا أنّ هؤلاء وأمثالهم أخذوا بالتحذيرات والتوجيهات التي شكلت لازمة الرئاسة وما زالت، لكم كنا وفّرنا من الجهد وأسقطنا عوامل التخريب والتدمير نفسيًّا وماديًّا.
في هذه المجموعة من البيانات، ومجموعات أخرى نأمل أن تليها بأسرع وقت ممكن، تشكّل سجلاً ناصعًا لمواقف الحزب من كلّ ما جرى على أرض الوطن من أحداث، وتأثيرات الأحداث الأخرى في العالم العربيّ، وفي العوالم كافة على أوضاعنا السورية الداخلية، كما يمكن أن يستعين بها الدارسون والمتابعون لأخذ العبر والدروس لمن يبغي الخير لهذه الأمّة.
باكورة خيرٍ نضعها بين أيدي قرّائنا وكلنا أمل أنها لن تكون من محتويات الأدراج بل من ثوابت الكتب الأساسية، علّنا نتمكن من الخروج من النفق في كلّ دوائر الضياع ونتّجه الاتّجاه الذي دعانا إليه قائد الأمّة أنطون سعاده.
في 16 آذار 2013 نايف معتوق
***
كلمة الرفيق هايل أبو بركة:
حضرة رئيس الحزب الرفيق الدكتور علي حيدر
الرفيق الدكتور أنطوان
‏الحضور الكريم

‏ما للقوافي إذا ناشدْتُها نَفَرَتْ ‏رعَتْ شبابي وخانتْني على كِبَري
‏ هو مطلع قصيدة لكبير من الشعراء، واستهل كلمتي بهذا المطلع لأقول: إذا كان هذا هو حال المجلّين في لحظة حرجة فماذا عساي أقول أنا عن كبير وفي حضرته؟
‏وهل تسعفني الكلمات للوصول إلى مرتبة إيفائه بعضًا من حقه؟
وهل للكلمات صدق المشاعر وعمقها وصفاؤها؟
‏عرفت الرفيق أنطوان منذ ما يقارب النصف قرن، ولقد كان لي شرف رفقته ومرافقته طوال هذه السنوات.
‏أخذت عنه الكثير الكثير، ولكنني لم أتمكن من الوصول إليه، وربما لم أتمكن حتى من مقاربته. إن للمقامات في مجال الفكر والتعبير والعطاء مراتب ليس من السهل بلوغها.
‏رفيقي أنطوان،
‏تفانيتَ في حمل المسؤوليات الحزبية وصنتَ الأمانة بتعبّد وشغف، بفيض محبة تسامحت مع من أخطأ، وبكبر تعاليت على جراح التجني من بعض القريب والبعيد.
‏بشفافية المؤمن أظهرت وما أضمرت، ونصرة للحق أعلنت وما أبطنت. تهاونت ترفُّقًا حينًا وترفّعًا أحيانًا، ولكنك في الحقّ لم تهادن يومًا ولم تداهن.
ولا بدّ لي في النهاية من أن استذكر شهادة حقٍّ للرفيق المرحوم جورج عبدالمسيح؛ شهادة لطالما ردّدها على مسامعنا: ‏الرفيق أنطوان ضمانة أكيدة للعقيدة والحزب،
رفيقي أنطوان، هذا أنت، هكذا كنت، وهكذا ستبقى..
لك محبتي وتقديري، وأطال الله بعمرك..

***
كلمة الرفيقة أليسار أبي حيدر:
أن تكونَ أنطوان أبي حيدر

في مَرْحَلةِ السّتينياتِ، أن تكونَ الدكتور أنطوان أبي حيدر، يَعني أن تَعرِضَ عَليكَ كُبرى مُستشفياتِ كَندا أرفعَ مركزٍ طبّيّ، فتدخلَ غُرفَتَكَ وتَستشيرَ السّيّدةَ فيروز، فَيُطالِعكَ صوتُها “رُدَّنيّ إلى بلادي”، فتعودَ.
عام 1975، أن تكونَ حضرةَ الرّئيس أنطوان أبي حيدر، يَعني أن تَقِفَ في عينِ العاصفةِ، فلا يَرِفُّ لكَ جَفنٌ، فَتُصبِحَ قدوةً لمئاتِ الشُّبّانِ والشّاباتِ يُبَلسِمونَ الجروحَ والنّفوسَ ولا يَسعَون لنفوذٍ. في سنواتِ الشّؤمِ على أرضنا، أن تكونَ أنطوان أبي حيدر، يعني أن يَقرَعَ بابَك حامِلو الحقائبِ المشّفّرة، اللّماعةِ ويعودوا خائبينَ، مَصْعوقينَ لغيابِ رنينِ الفضّةِ وقُبلة يَهوّذا وخيانةٍ في بُستانِ زيتونِ الأمّة.
أن تَلِجَ حِقْبَةَ الثّمانيناتِ وتَقِفَ على سُطُوح البلديّة في بسكنتا، ومن يَعرف سطوح البلدية يَعرِف رَمزيتها، وأن تُقسِم بأن لا تُلَطِّخ نُقطةُ دمٍ واحدةٍ بَياض ثلج صنين فتَربَحَ الرّهانَ وتعشِّشَ السُّنونواتُ في قرميد بيوتها وترنوَ إلى شقائق نعمانِ فتى الرّبيع قبلَ كلّ ربيع مزعومٍ.
أن يأخُذَكَ مسلّحانِ من دفءِ بيتٍ ويتشاجرا على تصفيتك وينتهيَ الأمرُ بأن يُصيبَ واحدٌ الآخرَ فتداويه جسديًّا وعاطفيًّا داعيًا لهما بالنّور بَدَلَ النّار.
أن تكون أنطوان أبي حيدر، في غُرفةِ العِنايةِ الفائِقةِ والكلُّ في حَيرة، فندخلَ عليكَ وإذ بالممّرضِ المسؤول عنكَ يتصفّحُ، المحاضرات العَشر والسّؤالُ تِلوَ السّؤال.
وطوالَ هذهِ السّيرورةِ، يومًا بعد يوم، هل كنتَ صاحبَ السّمّاعة الطّبيّة فقط؟ أمّ كنتَ الرَّئيسَ فقط؟ أمّ الرّفيق فقط، أمّ الإبن والأخَ والعمّ والخالَ والزّوجَ والصّهرَ وابن العمّ والعديلَ والأبَ والعمَّ مجدّدًا والجدّ فقط؟
عندما أيقنْتَ، في رَيعانِ الشَّبابِ، أنّ الحياةَ وقفةُ عِزّ فقط، رفعت يَدك بالتّحيّة وفردْتَ جَناحيك، ضامًّا قاماتٍ ومعانقًا هاماتٍ لأنّك أنطوان أبي حيدر فقط.
فشكرًا.
في 16/3/2013
***
كلمة مرتجلة للرفيق الدكتور أنطوان أبي حيدر

{gallery}media-office/tkrem antwan{/gallery}

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *