المؤتمر التربوي للعام 79 حزبي المجتمع معرفة والمعرفة قوّة

المؤتمر التربوي للعام 79 حزبي المجتمع معرفة والمعرفة قوّة

    أقامت عمدة التربية المؤتمر التربوي للعام 79 حزبي، نهار السبت في 12 تشرين الثاني 2011، في قصر الأونيسكو. افتُتح المؤتمر بالنشيدين اللبناني والسوري القومي الاجتماعي، تلتهما كلمتا عميد التربية الرفيقة علا الغنّاج وعميد الثقافة الرفيقة الدكتورة فاتن المرّ، وقد تضمّن المؤتمر المواضيع التالية:

المحور الأول: أساليب وطرق في التعليم
1- كيف تتم عملية التعلم في الدماغ: تناولت الرفيقة رنا فقيه في هذه المداخلة عرضًا مصوّرًا لتطوّر الدماغ منذ الولادة، والقدرات التي يتمتّع بها الدماغ (أو ما يُسمّى بنوافذ الفرص Windows of Opportunity)، ودور التفاعل في البيت ومع المحيط المدرسيّ، أو في المتّحد، في تعزيز هذه القدرات أو الحدّ منها.
2- أنواع الذكاء المتعدّدة: قدّمت الأستاذة رنا صوايا عرضًا مصوّرًا لأنواع الذكاء التي يتمتّع بها العقل البشري، وكيفيّة التعامل مع هذه الأنواع لاستثمارها بالشكل الأفضل في عمليّة المعرفة والإنتاج المعرفيّ.

3- بناء برنامج لتعليم طرق التفكير: استندت وكيل عميد التربية الرفيقة أمل العريضي في هذه المداخلة على المداخلتين السابقتين، وشدّدت على ضرورة بناء التفكير النقدي عند الأولاد والطلاّب لتحصينهم بالقدرة على نقد الأفكار والمعلومات، وتفعيل قدرتهم على البناء من خلال ما يكتسبونه من معرفة.
 

بعد الاستراحة قدّم الرفيق الدكتور أمين حامد مداخلةً حول أهميّة الفنون في العمليّة المعرفيّة، ودورها في تفعيل القدرات الإبداعيّة عند المتعلّمين.
أما المحور الثاني تحت عنوان: دور الخدمات الاجتماعية في تعزيز حسّ الانتماء وحسّ المسؤوليّة، فقد تضمّن:
1- ورشة عمل حول البحث العملي: قدّمت الأستاذة سهى صوايا عرضًا مصوّرًا لمشروعٍ بدأ تنفيذه في إحدى مدارس عكار، يقوم على تحفيز المبادرة لدى الطلاب لدرس مشاكل يعانون منها في المدرسة أو المحيط، والتعاون لإيجاد حلولٍ لها، وبالتالي تعزيز شعورهم بالمسؤوليّة تجاه محيطهم، وقدرتهم على القيام بخطواتٍ عمليّة للتحسين.
2- تجربة واقعيّة حول استخدام الخدمات الاجتماعيّة في تعزيز حسّ المسؤوليّة عند الطلاب: قدّم فيها مدير ثانويّة بيصور الرسميّة الرفيق أمين العريضي عرضًا لتجربةٍ واقعيّة حوّلت المدرسة من كونها مكانًا يشعر الطلاب بالغربة عنه، إلى مكانٍ ينتمون إليه، ويعملون لحمايته، وتحسينه، بالقيام ببعض الاهتمامات البسيطة التي لا تشكّل عبئًا على المدرسة والهيئة التعليميّة، وتُشعر الطلاب بالاحترام وبكونهم ذوي اعتبارٍ في حضن مدرستهم، فيبادرون إلى الاهتمام بشؤونها.
تبعت المداخلات بعض المناقشات من الحضور تناولت ملاحظاتهم على ما قُدّم واقتراحاتٍ لتطوير المواضيع المتناوَلة.

 كلمة عمدة التربية:

“القضيّة الأولى التي تواجه العقيدة القوميّة الاجتماعيّة هي قضيّة التربية والتثقيف،….، إن صلب المعركة هو في تثقيف نفسيّة الأحداث ومعارفهم في البيت وفي المدرسة الابتدائيّة والمدرسة الثانويّة.” سعاده 1948

في خضمّ ما نشهده من “تفاعلٍ” فكريّ وثقافيّ، ورغم التقدّم العلميّ والتواصليّ حيث يستطيع كلّ منا أن يحصل على المعلومة التي يريد بمجرّد الضغط على الأزرار، إلاّ أنّ التعليم لا يزال يعاني من مشاكل عديدة، أهمّها: ماذا نعلّم أولادنا؟ كيف نقرّبهم من المدارس؟ كيف نطوّر المدارس بما يجذب الطلاّب إليها؟ …. وغيرها الكثير من الأسئلة التي تبحث في المهم، لكنّها تجانب الأهمّ، وهو: هل سلّحنا ونسلّح أبناءنا بالمقياس الحقيقي الذي يسمح لهم أن ينموا معرفيًّا، وليس فقط بالمعلومات المجمّعة، دون أن يصبحوا مثل الغراب؟ هل جهّزنا مناهجنا وكُتُبنا انطلاقًا من نظرتنا إلى الحياة والكون والفنّ؟ هل وضعنا فلسفتنا التربويّة انطلاقًا من ذاتنا – شخصيّة مجتمعنا، وتحقيقًا لمصلحتنا – العليا؟

إنّ نظرةً ناقدةً “للتربية” والتعليم في كيانات أمّتنا تكشف مدى غياب الهوّيّة والغاية؛ فوزارة التربية، كغيرها من الوزارات، خاضعةٌ للتجاذبات “السياسيّة”، وبالتالي فلا فلسفة تربويّة، والمناهج، بأحسن الأحوال، يتمّ استيرادها دون تأصيل، والمدارس والمعلّمون تحوّلوا، أو معظمهم فعل، من مربّين إلى مجرّد موظّفين، لمجموعة عوامل ذاتيّة وموضوعيّة، والطلاّب، غير المحصّنين، مستَلَبون بالاغراءات الاستهلاكيّة التي تصلهم عبر وسائل الإعلام، أو بالاصطفافات الفئويّة التي تستغلّ حيويّتهم لتوهمهم أنّهم أدّوا قسطهم للعلا، ….فتنشأ أجيالٌ مبلبلةٌ فكريًّا، لا تتمكّن من الإبداع الفكريّ وبناء المستقبل الزاهر الذي هو هم، فتتّسع هوّة التفسّخ الفكريّ في أمتنا، ونرزح تحت الويل.

بالمعنى العقليّ، التربية هي “نقل تراث الأمّة المكتوب وغير المكتوب، والإبداع”، فالتربية تستند أساسًا إلى وضوح الذات والمصلحة عند المربّين والمتربّين، وهي عمليّة تفاعليّة، لا يقوم بها غير الإنسان، لأنّه – وحده – يستطيع تجاوز الزمان والمكان الحصريّين بالعقل، وفي هذا المجال، كما في غيره، كنّا روّاد التربية، فنشأت أولى المدارس النظاميّة في ما بين النهرين، وكان المدرّسُ الأخَ الأكبر، ومديرُ المدرسة الأبَ، واليوم ننتظر الاكتشافات التي يحقّقها غيرنا، وهم يعملون جدّيًّا في هذا المجال، في حين نحن “قاعدون”، فنطبّق ما يقرّرون دون نقد، والسبب الأساسي لذلك هو “خلوّ مجتمعنا القومي، مدة أجيالٍ وقرونٍ طويلة، من مؤسّساتٍ قوميّة بالمعنى الصحيح ومن تقاليد قوميّةٍ عامّةٍ يصحّ الاستناد إليها.” وقد شمل سعاده في قوله هذا المؤسّسات، الدينيّة والعائليّة والتعليميّة، ومؤسّسات الدولة ككلّ، إذ “لا تنبت جذورٌ في السماء”، وجذورنا لم تتّضح لنا إلاّ بالقوميّة الاجتماعيّة التي هي نظام فكرٍ ونهج، ولم تأخذ التربية اتّجاهها الحقيقي إلاّ في المدرسة القوميّة الاجتماعيّة، حيث يشكّل المربّي – وكلّ قوميٍّ اجتماعيٍّ هو مربٍّ انطلاقًا من التزامه بقَسَمه – يشكّل “جنديّ خطّ الهجوم الأول” الذي يُحارب لإنقاذ الأحداث من العقائد الغريبة أو المتأخّرة، كما يقول سعاده أيضًا، (وقال في مقالة “الصحافة مرآة الأمّة ومقياس نهضتها” عام 1933 “فالعلم قوّة والمعرفة سلاح وعدّة”). فيعمل – هذا الرفيق المربّي – بمناقبيّة النهضة في بناء الأجيال الجديدة بالقدوة الحقّة، وتسليحهم بالنهج: كيف نعرف؟ فينطلقون في الحياة محصّنين بالمقياس الصحيح، أحرارًا مصارعين لعزّ الأمّة.

ورغم اعتبار أديبنا سعيد تقيّ الدين أنّ آفة شعبنا مدح الأجانب، وذلك صحيح، إلاّ أنّه لا ضير من الاستفادة من تجارب الأمم الحيّة التي نهضت من كبوتها، فاليابان التي لا يزال شعبها يُقدّس روح أجداده سبقت الغرب في التطوّر العلمي، وأستطيع القول الحضاريّ؛ ولم تكن ألمانيا لتستطيع الوقوف مجدّدًا لو لم تنظّم مؤسّساتها القوميّة الألمانيّة، رغم معاناتها اليوم من خديعةٍ سقط في أوهامها العالم لأنّه لم ينمِّ العقل الناقد؛ كذلك نرى الأمم التي أُطلق عليها حكمٌ قيميٌّ بأنها أقلّ تقدّمًا – لأنّ القويّ المنتصر قرّر ذلك، نراها تُنافس العالم كلّه، ومنها الصين… وهي لم تكن لتُحقّق ذلك لو لم يكن تراثها ماثلاً أمامها، فوضعت الأسس، ورسمت الطريق، وخطّطت معركة تحقيق مصلحتها ونجحت.

لا يستطيع المهندس المبدع، أو البنّاء البارع أن يُعلّيَ البناء إذا لم يضع الأسس الواضحة الصحيحة التي تقاوم كلّ العوامل المهدّمة. وفي البناء الاجتماعي، في التربية تحديدًا، لا نستطيع تحقيق التسامي إذا لم تتّضح لنا ذاتنا – شخصيّة مجتمعنا، وإذا لم نثق بما في نفسنا من حقٍّ وخيرٍ وجمال، فنضعَ بناءً عليها فلسفتنا التربويّة المحقّقة لمصلحتنا، فتنبثق عنها مناهجنا التربويّة المنشّئة لأجيالٍ – سنابل مليئة، مبدعةٍ خلاّقة، فتستعيد أمّتنا مكانها تحت الشمس، وتكون الأمّة البانية المعلّمة الهادية للأمم.

ولن يتزحزح إيماننا بأصالة شعبنا الكامنة تحت ركام الغبار الدخيل، لأنّنا واثقون بأنّنا “ملاقون أعظم انتصارٍ لأعظم صبرٍ في التاريخ”.

كلمة عمدة الثقافة:

إنّ السياسة التربويّة التي تنتهجها الحكومات في كيانات الأمّة عامّةً، وفي لبنان والشام بشكلٍ خاصّ، لا تبني أوطانًا. فالحكومات جميعها لا تضع ضمن أولويّاتها العمل على بناء إنسانٍ جديد يدين بالولاء وبالعمل المنتج لمجتمعه. ذلك لأنّ البناء التربوي يتطلّب وقتًا وجهدًا متواصلَين، وصبرًا لا ينضب للوصول إلى نتائج ملموسة، بينما لا يسعى السياسيّون إلاّ إلى إنجازاتٍ سريعة يضجّ بها الإعلام، فتؤمّن لهم تجديد البقاء في مواقعهم، ويجهدون في إبعاد الشباب عن خططهم، مهمَّشين في دائرة اهتماماتهم، متروكين لعوامل عصرٍ متغيّرٍ يأخذهم في دوّامته. تتجاذب شبابنا تأثيرات الوسائل السمعيّة-البصريّة التي تحاصرهم، تُسخِّرهم لخطط المحترفين الذين يديرون اللعبة، فيحوّلونهم إلى أدواتٍ مستهلِكةٍ لمنتجاتهم وأفكارهم ومشاريعهم. يحاصرون فكرهم من كلّ جانبٍ فيمنعونهم من تطوير قدراتهم الخاصّة وإبداعهم وتفكيرهم الحرّ في مرحلة بناء هوّيّتهم الشخصيّة.

أمّا هوّيّتهم “الوطنيّة”، فهي أكثر ما يفتقده شبابنا المشتّتون وسط انتماءاتٍ طائفيّة، مذهبيّة، مناطقيّة، عائليّة… حتّى لا يبقى للوطن إلاّ القليل القليل. هوّيّتهم سلبيّة، مبنيّةٌ على الاختلاف: “أنا لست كالآخر وهذا ما يحدّدني.” وهذه الهوّيّة لا تصنع أوطانًا.

تصنع كياناتٍ مهدَّدةً أبدًا بالفتن، وبأن تبقى عملةً للتبادل والصفقات بين الدول الكبرى والصغرى، تصنع سياسيّين لا يأبهون بمصالح الوطن الأساسيّة، تصنع شبّانًا مجبولين باللاّمبالاة وبالأنانيّة الفرديّة وفقدان القِيَم. ما كان أمرًا مفعولاً مرًّا نبّه إليه أنطون سعاده ما زال ساريًا إلى اليوم؛ في حديثٍ أمام الطلبة في دمشق حول الانقسامات والضعف في الأمّة، يقول سعاده: “حالةٌ من هذا النوع تدعو إلى اليأس الشديد، وعددٌ من الشباب يميل بالنتيجة إلى اليأس والانصراف عن قضايا الأمّة إلى الاهتمام بالشؤون الخصوصيّة. ولعلّ هذه الناحية أخطر النواحي على حياة الأمم.”

إنّ سياسةً تربويّةً مدروسةً وصادقةً في رؤيتها هي التي تبني الأوطان. تبني مواطنًا حرًّا يحلّل باستقلاليّة، ويتمتّع بفكرٍ نقديٍّ يخوّله البحث عن الحقيقة. والبناء يبدأ من المدرسة، المكان الأوّل للتدرّب على القِيَم الاجتماعيّة والمواطَنة، مدرسة تعلّمه أنّ حسّ المسؤوليّة يجب أن يتلازم وحسّ الحرية، تحثّه على البحث عن معنى لأعماله، تمنحه احترام الذات لالتزامه القِيَم السامية، تُتيح له أن يشعر أنّه قادرٌ على إعادة بناء العالم أو على الأقلّ بناء وطنه.

إنّنا اليوم، كما كنّا بالأمس، بحاجةٍ ماسّةٍ إلى برامج تربويّة في مناهجنا المدرسيّة تُسهم في نبذ الطائفيّة وتنمّي حسّ المواطَنة. هذه التربية يجب أن تكون شأنًا من شؤون الدولة قبل أن تكون شأنًا خاصًّا تقرّره وتوجّهه إدارات المدارس التي تمثّل رؤية ومصلحة الطائفة، أو رؤية إداراتٍ خاصّةٍ أو إداراتٍ محلّيّةٍ تابعةٍ لإداراتٍ أجنبيّة، فتعليم المواطنة واللاّطائفية يتطلّب التزامًا وقناعةً من قِبل المدرّس، إذ، كما يقول المفكّر الفرنسي جان جورس: “نحن لا نعلّم فقط ما نعرفه بل نعلّم ما نحن عليه.” هذا يحتّم على وزارتَي التربية والثقافة إقامة ورشة عملٍ على مستوى الوطن، وتدريب أساتذة مادّة التربية المدنية وتثقيفهم، واختيار المميّزين منهم لكي يقدّموها بأفضل أسلوبٍ ممكن.

فهذه المادة، وكما تدرّس اليوم في الأغلبيّة الساحقة من المدارس، لا تشكّل إلاّ عبئًا إضافيًّا على الطالب، حصّةٌ في الأسبوع يخشاها كما يخشى كلّ المواد التي تتطلّب حفظًا عن ظهر قلب، يُلقَّن خلالها تفاصيل عن مؤسّسات الدولة والقوانين، تفاصيل معقّدة لا تثير اهتمامه، وتتناقض والأسلوب التجريبيّ العملانيّ الذي يجب أن يتَّبع. يجب أن تتحوّل هذه المادة إلى تدريبٍ ميدانيّ ومحترفاتٍ ومشاريعَ عملٍ ونقاش يلفت نظر التلميذ إلى ارتباط المواضيع التي تطرَح أمامه بحياته اليوميّة وبخياراته والقرارات التي يتّخذها. يجب أن تثير هذه المادّة لديه تساؤلات، وأن ترتبط بمشاعر رضىً أو استياء ترسّخها في ذهنه.

لكي نصنع أوطانًا، يجب أن نبدأ بتعليم أبنائنا أنّهم مواطنون ينتمون إلى هذا الوطن الذي يضمّهم ويعاملهم بمساواةٍ على اختلاف المذاهب والطوائف التي تحملها سجلاّت نفوسهم.

لا تُصنع الأوطان إلاّ بتربية الأجيال القادمة تربيةً صحيحة. لا تُصنع الأوطان بتجاهل المشكلة أو بتأجيلها من جيلٍ إلى جيل لاعتباراتٍ سياسيّةٍ آنيّة، تُعنى بالتحالفات وبالتمثيل الطائفي أو المذهبي.

اللاّطائفيّون كُثُرٌ في مجتمعنا وقد رأينا أعدادَهم وحماسهم وقناعتهم الراسخة في التحرّكات التي قامت خلال العام المنصرم، ولكنّهم غير ممثَّلين بالشكل الصحيح، ويفتقدون إلى خطّةٍ واضحة المعالم ومنظّمة. فعلى هؤلاء إيجاد الخطّة الصالحة واعتمادها في تحرّكهم لإنقاذ الوطن.

علينا فقط أن ننظّم صفوفنا وأن نجابه لا مبالاة رجال السياسة الطائفيّين والفئويّين ومعتمِدي الحلول الآنيّة، وأن نضع نصب أعيننا الهدف الأول وهو التنشئة على المواطَنة الصحيحة وعلى اللاّطائفية.

كلمة الرفيق الياس الحايك لتقديم المحور الأول:

تميّز الإنسان وامتاز عن سائر المخلوقات بميزة العقل- الشرع الأعلى للإنسان. هذه الميزة التي اعتبرها الفيلسوف السوري زينون الرواقي، أبو الفلاسفة العقليين، جوهرَ الطبيعة وميزةَ الإنسان، والتي جعلها السيّدُ المسيحُ أساسَ الحكم العادل وإن خالف المرءُ نصَّ الشريعة. وهي الميزة نفسها التي قال فيها الرسول محمد: “إن الشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل”. وإنه علينا أن نعقل ثم نتوكّل. وإنّ “دين المرء عقله، ومن لا عقل له لا دين له.” والمشايخ في قرانا يردّدون: “الله ما نشاف، بالعقل اندَرَكْ”.

هكذا قيل لأنّ العقل أسبق من الإيمان والعبادة، فالإنسان فكّر وحلّل وربط ثم عَبَد.

موضوعنا الدماغ وأنا أتكلم على العقل، فما العلاقة بينهما؟

إذا استعنّا بالتشبيه نقول إنّ فعل العقل بالنسبة إلى الدماغ يشبه الطاقة الكهربائية بالنسبة إلى المولّد. فالطاقة تصدر عن المولّد لكن الطاقة ليست المولّد.
وإذا أصبحنا نعرف الكثير عن الدماغ حجمًا وشكلاً ووزنًا وطريقة تركيب، فإننا ما زلنا نجهل الكثير حول فعلِ الدماغ وأبعادِ هذا الفعل، أي العقل.
ولا بدّ لي من الاستعانة بالفلسفة لأعبّر عن العقل ووظيفته كفعل للدماغ، “فميزة العقل أنه يعقل الأشياء ويعقل ذاته ويعقل أنه يعقل ذاته والأشياء”.
إذا كانت هذه ماهية العقل فما هو دوره؟

نوجز دور العقل بأربع كلمات: تحسين العمل وسموّ النفس.
إنّ الإنسان هو المصدر وهو الهدف وكل معرفة لا تخدم الحياة الإنسانية مساوية للجهل، لأنّ الإنسان هو الحقيقة المركزية في هذا الكون وحوله تتمحور جميع الحقائق، فبدونه يصبح الكون غير ذي موضوع.

لهذا أصبح للحقيقة شرطان: الوجود ومعرفة هذا الوجود، فالمعرفة الإنسانية ملازمة للوجود تظهِّره فتصيّره حقيقة.
إنّ البيولوجيا كعلم لم تجرِ بسرعة علومٍ أخرى كالفيزياء والكيمياء، ولكن في المئة سنة الأخيرة وحتى اليوم، أصبح لدينا أجوبة عن أسئلة كثيرة لطالما طرحها العقل البشري. وأمام هذا الكمّ الكبير من المعلومات نختصر بعض ما قرأناه فنذكر على سبيل المثال قولَ عالِم الأحياء جان روستان: البيولوجيا تعمل وتقدّم والمجتمع يختار وينتخب”.

إذا كان الدماغ مكوّنًا بيولوجيًا، وإنجازًا تطوّريًا، فإنه وثيق الصلة بالتأثّر بالبيئة، وكلُّ معرفة حصّلها كانت نتيجةَ التفاعلِ الدائم بين نظامِه ونظامِ العالم المحيط به. وأصلاً، لن يستقيم الموضوع دون فهمنا لمثلّث الحياة: الجسم، النفس(الدماغ)، المحيط. إنّ أضلع المثلّث متفاعلة، وعندما نقول العقل الإنساني نعني الفاعل في الطبيعة، فهو ليس قوة مستقلة أو منفصلة، إنه قوة ناشطة في هذه العلاقة التفاعلية وضمنها يجب أن يُرى.

إنّ البيئة الطبيعية تكيّف حياة الجماعة بما تقدّمه، والجماعة تفعل بما تقدّمه البيئة لها كي تسدّ حاجاتها. ولكي نوضح علاقة البيئة بالدماغ نعطي هذا المثال:
بعد خروج الطفل من رحم أمّه يستمر دماغه بالنمو والاكتساب لأنه ضمن بيئة تحتضنه وتشكِّل له رحَمًا ثقافيًا. وأوّل المكتسبات هي اللغة التي تمكّنه من إقامة الروابط الأسرية ومن إرساء هويته كما يقول كلود ليفي-ستروس.

البشر كلهم يتكلمون حتى الأغبياء، في حين أنه ما من قرد، وحتى أكثر القرود ذكاءً، قادرٍ على التكلم.

الطفل البشري يتعلم، قبل بلوغه عامه الرابع، لغتَه الأمّ، ولا يقوى بعد عامه السادس أو السابع على تعلُّمِ لغةٍ أمٍّ بشكل سليم، كما تقول جيسلان دوهان التي ترى أنّ استعدادات اللغة الفطرية وتعلمها هو جزء لا يتجزّأ من إرثنا البيولوجي.

والسواد الأعظم من الأنتروبولوجيين وعلماء الوراثة يقولون إن المجموعات البشرية الـ “قبل حديثة” (منذ ما يقرب 100 ألف سنة) في أفريقيا وربما في “الشرق الأدنى” كانت مزوّدة بـِ “ما قبل لغات”، لغاتٍ متخلّفة بالنسبة إلى اللغات الحالية، وتضم عددًا أقلّ من المفردات وتنوّعًا أقلّ في الأصوات وتركيبًا جمليًا محدودًا. فهل تكون المفردات التي نستعملها في حديثنا مع الأطفال الصغار مِن مِثل: دَحْ، أَحْ، كِخْ، واوا، مبو، نانّي..، آثارًا باقية من تلك اللغات؟ الملاحظ أن استعمال هذه المفردات محصور بالطفل ربما لعلاقتها بالبيولوجيا.

في المحصّلة، أين نحن؟ ماذا قدّمنا وما هو مقدار إسهامنا كمجتمع إنساني في الإنجازات التي حققها العقل في هذا العالم؟ أول إنسان:

إنّ أقدم هياكل عظمية بشرية على هذه الأرض عثر عليها العلماء في الكهوف السورية، وتحديدًا في منطقة جبل الكرمل جنوبي الناصرة، إضافة إلى شمالي غربي بحيرة طبرية. تعود هذه الهياكل إلى أواسط العصر الحجري القديم أي إلى ما قبل مئة ألف سنة على الأقلّ؛ وهي تظهر سلسلة كاملة من بقايا الهياكل العظمية تتراوح بين نوع نياندرتال وبين أنواع تتدرّج في الرقيّ حتى تصل إلى النوع البشري الحديث. ومن هنا يمكننا اعتبار سورية البيئة الأولى التي حوت أرضها على سلسلة متواصلة من أجيال الإنسان دون انقطاع.

أول قرية في التاريخ وأول زراعة وتدجين وأول رغيف خبز.
في نهاية الألف التاسع قبل الميلاد دخلت سورية عصر الزراعة الحقيقي وتحديدًا في المنطقة الممتدة من حوض الفرات شمالاً مرورًا بغوطة دمشق في الوسط حتى حوض نهر الأردن. ويقول العلماء إنّ حصول الزراعة حدث عندما توفّرت المعطيات البيئوية ثم الشرط الحضاري. ويتمثّل الشرط الحضاري بالقدرة على ابتكار أدوات فعّلة كالمحراث وأدوات الحصاد والطحن. وفي الألف الثامن قبل الميلاد كان الإنسان السوري القديم يزرع قرب بيته بساتين الفاكهة وكروم العنب والتين والبلح..
هذه قصة صغيرة ما أمكَنَ أن تحصل بلا تطوّر الدماغ البشري، جهازِ فَهْمِ العالَم، الذي سيحدثنا عنه المشاركون في هذه الندوة.

في 12 تشرين الثاني 2011 الرفيق الياس الحايك

مداخلة الرفيق الدكتور أمين حامد حول دور الفنون في التعليم

أيّها الرفقاء الكرام … حضرة السيّدات والسادة الحضور الكرام

يُخطئ من يعتقد أنّ الفنّ بشكلٍ عام ترفٌ فكريّ وتسلية، أو ضربٌ من الترفيه. الفنّ عملٌ جدّيّ مسؤول، أساسيٌّ وليس هامشيًّا في الحياة الفرديّة والعامّة.
ومع أنّه لا يوجد تعريفٌ واحدٌ للفنّ بشكلٍ عام، وليس هناك من إجماعٍ حول وظيفة الفنون وطبيعتها، فالفنون هي المظهر الأرقى والأكمل للحضارة الإنسانيّة، وهي المقياس الأوفى لمستوى الثقافة في المجتمع، لأنّها تعكس مستوى القِيَم التي توصّل إليها العقل والتجربة الإنسانيّة. إنّه يمثّل في أشكاله الستّ التقليديّة من موسيقى وأدب أو شعر وفنون تشكيليّة بصريّة ومسرح ورقص وعمارة، تختلف في ترتيبها لدى الباحثين في التراث الإنسانيّ تِبعًا لأهميّتها التي تتفاوت عندهم. وقد أضاف تطوّر الحياة فنًّا جديدًا سابعًا هو فنّ السينما وما يتبعه ابتداءً من بداية القرن العشرين.

يكفينا أن نشير إلى أنّه ومن كافّة الحضارات البشريّة وثقافات الشعوب، لم يبقَ من آثارها سوى فنونها من عمارة أو ملاحم شعريّة، وآداب ومسرحيّات وفنون بصريّة وموسيقى تدلّ عليها لصفة الاستمرار فيها مقابل صفة التبدّل التي تطرأ على أشكال الحياة الأخرى. فللفنون صفة الاستمرار والتواصل الإبداعيّ لأنّها تستند إلى المعطى الثقافيّ والمجتمعيّ والتراثيّ، وتتطوّر انطلاقًا من هذه الأبعاد ومن ضمن الخطوط أو الحدود التي ترسمها لها في كلّ ثقافةٍ أو مجتمع.

لمحة تاريخيّة
لقد ارتبط تطوّر الفنون بعمليّة التعلّم، خاصّةً في العصر المعروف باسم “عصر النهضة في أوروبا”. وكانت الفلسفة قد مهّدت لذلك حين أوجدت الأرضيّة الفلسفيّة لدور الفنون، حين اعتبرت أنّ الفنّ شكلٌ من أشكال معرفة الحقيقة. وأنّ الفنون تُلامس جوهر الحقائق، وهي أسلوب من أساليب المعرفة ينبع من المخيّلة والعاطفة أكثر من صلته بالتحليل الذهني. فلقد قامت الثقافة البشريّة على ثالوث المعرفة عن طريق العقل والدين والفنّ، اختُصر بثالوث الحقّ والخير والجمال. ودونما إغراقٍ بالدخول إلى أعماق هذه “المسلّمات” ونظرًا لما يسمح به وقت المداخلة، أكتفي بالإشارة من بُعد إلى دور الفنون في عمليّة المعرفة مع اعتذاري عن التوسّع في تقديم الأمثلة ومقارنتها.

يختصر بيتهوفن موقع الفنون حين قال يومًا “لولا الموسيقى لكانت حياتنا في المسار الخطأ” والموسيقى هنا تختصر “الفنون”. الإنسان، الفرد أو المجتمع، يمتاز باجتماعه بتولّد “الخبرة” لديه، وهذه الخبرة هي العقل نفسه. فالعقل هو خلاصة التجربة التاريخيّة التي تحمل تحوّلات حالات الوعي لدى الإنسان. وهذه نفسها هي ثقافة المجتمع. الثقافة هي المنطق والذاكرة، والإحساس هو الحياة النفسيّة والعاطفة والمخيّلة والقِيَم. ولولا خاصّة المخيّلة لما كان تطوّرٌ أو تقدّمٌ أو تطلّعٌ نحو الأفضل أو الأمثل أو الأجمل. فالمخيّلة هي التي بَنَت للإنسان، فردًا كان أم جماعة، الحوافز نحو عالَمٍ أفضل في عمليّة الصراع – في الطبيعة منذ بداية تكوّن الوعي، ثمّ أضحت ضرورةً لبناء هذا العالَم الأفضل بعد تفوّق الإنسان في مواضع محدّدة على الطبيعة، وما زالت تتبع هذا المسار وستبقى كذلك ما دامت الحياة -.

من هنا نفهم طموح غلغامش وأحيقار وعالم أفلاطون – عالم المُثُل – ومدينته الفاضلة. ومن دون التوسّع أقول إنّ المخيّلة الإنسانيّة رسمت ملامح هذا العالَم المغاير والتزمت به.

قلت إنّ تطوّر الفنون ارتبط تاريخيًّا بعمليّة التعلّم. ففي عصور الظلام والقرون الوسطى خاصةً بعد سقوط غرناطة وتسرّب الفلسفة الإغريقيّة والمشرقيّة منها إلى أوروبا، كانت عامّة الناس في كلّ أوروبا تجهل القراءة والكتابة لأنّهما كانتا محصورتَين بطبقتَي النبلاء والإكليروس، وكانت هناك حاجةٌ ملحّة لتعليم الناس وتعريفهم إلى الإنجيل المقدّس وإلى الروايات الإنجيليّة كضرورةٍ للتواصل. فبرز دور الفنّانين مثل FRA ANGELICO، ومن بعده MICHAEL ANGELO وLEONARDO DA VINCI وRAPHAEL الذين دفعت لهم الكنيسة الأموال لرسم فصول الإنجيل. وما زالت آثارهم حتى اليوم شاهدةً بدلالاتها المباشرة، تصوّر سفر التكوين وصلب المسيح والإنزال عن الصليب وموت السيّدة العذراء وصور العائلة المقدّسة كوسيلةٍ لتعليم الناس. ونحت مايكل أنجلو تمثال داود وجسد المسيح المسجّى في حضن السيّدة العذراء ووُضعت في الأماكن العامّة ليراها عامّة الناس.

إلاّ أنّ قدرات هذه الوسيلة التعليميّة توسّعت نحو آفاقٍ جديدة تعبيريّة مع الفنّان الإسباني EL GRECO وإلى آفاقٍ خياليّة مع الفنّانين الفلامنديّين في شمال أوروبا وخاصّةً الفنّانينBOSCH وALBRECHT DURER حيث ظهرت في لوحاتهم مفارقةٌ بين الواقع وقدرة المخيّلة تلامس خوف البشر من المصير في الآخرة جرّاء انحرافه عن الدين القويم، بلغت بهم حدّ السخريّة من الأوضاع الراهنة الماديّة والاجتماعيّة والسلطويّة، بالإضافة إلى رجال الدين الذين لم يسلموا من نقدهم ونقد سخافات البشر. فكان فتحهم هذا الأكثر إبداعًا في تجاوز المقاييس المنطقيّة واستخدام القدرة التعبيريّة للفنّ من أجل إظهار دراميّة الأخطاء البشريّة. ولم يتغيّر دور الدين في إحياء الفنون إلاّ في أواسط القرن التاسع عشر، حيث تولّت الأرستقراطيّة، ومن بعدها المَلَكيّة في كفالة الفنون ودعمها.

لقد أنشأت الفنون لنفسها مجالاً قيميًّا خاصًّا ومقاييس خاصّة في مقاربتها للأمور الإنسانيّة بلغت في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قمّةٍ غير مسبوقةً بظهور نظريّة الفنّ للفنّ. هذه النظريّة هي تأكيدٌ لخصوصيّة المعايير الفنّيّة وعدم خضوعها بالضرورة لمقياس الحق والخير كما يراها العقل أو الدين. فرسمت أكثر من اتّجاهٍ للفنون يحكم على بعضها بـ – الاستبداديّة – لأنّها تستقلّ عن العقل والدين، أيّ الحقّ والخير التقليديّين. صحيحٌ القول إنّ لامنطقيّتها تقرّبها من الاستبداديّة، إلاّ أنّه يجب فهمها من وجهة تطوّرها الذاتي. فكما تطوّرت المقاييس المنطقيّة العقليّة فأوصلت الفلاسفة إلى الاعتقاد بسيادة الفلاسفة ومؤهّلاتهم القياديّة والرّيادة، وكما تطوّرت المقاييس الدينيّة الأخلاقيّة بحيث اعتبرت نفسها القيّمة على السلوك الإنساني، كذلك تطوّرت القِيَم الفنّيّة التعبيريّة نحو تكوين رؤًى تعيد صياغة الوجود تِبعًا للمخيّلة والحلم.

في المنحى التربوي، يمكن الاستنتاج أنّ تدريس الفنون في مختلف مراحل التعليم، إنّما يصبح ضرورةً تربويّة سواءٌ على المستوى الفرديّ، أو على المستوى القومي، نظرًا لكون الفنون جزءًا من عمليّة تكميل الشخصيّة الفرديّة والاجتماعيّة التراثيّة. من هنا يمكن فهم قول بتهوفن الذي ورد أعلاه، وفهم مسألة استمرار التراث. الفنّ في المنهج المدرسيّ تدريبٌ على التوليد وتوسيع الخيال وتهذيب النفس وتوليد الثقة بالقدرات الذاتيّة، ومتنفّس للتعبير الذي يتفهّمه المهتمّون بالتفاعلات النفسيّة، ويستخدمه المعالجون النفسيّون كأداةٍ ومتنَفَّس للشحنات النفسيّة التي يمكن أن تؤدّي إلى الانحرافات النفسيّة. لكن الشرط الأهمّ هو أن يكون المربّون واعين أنّ كلّ فنٍّ يبدعه الطلاّب هو على مستوى من الأهمّيّة التعبيريّة في العمليّة التربويّة، بقطع النظر عمّا إذا كان هذا الإبداع متوافقًا مع ذوقه الخاص، أو مناقضًا لذوق المربّي. فالمربّي هنا يجب أن يلعب دور المكتشف، لا دور الموجّه. وُوجه بيكاسو مرّةً بامرأةٍ تقول له: ما هذه الأشكال التي ترسمها؟ إنّ ابني الصغير يرسم مثلها وأحسن. فأجابها بيكاسو قائلاً: سيّدتي، لقد تمرّنت ثلاثين سنةً لكي أستطيع أن أرسم كإبنك.

إذا كنت مربّيًّا، لاحظ كيف أنّ الطفل يندفع نحو صفّ الرسم بحماس، فقط لأنّه هناك فقط من يستطيع أن يُحسّ أنّه حرٌّ ويمارس حرّيّته دون قيود. أمّا إذا كنت أستاذًا جامعيًّا، فلاحظ أنّ تلامذة الفنون هم بنسبةٍ عالية ممّن تقدّموا بالسنّ (وبعض تلامذتي ممّن تقاعدوا من أعمالهم) لأنّهم يشعرون أنّ بدراسة الفنون تعويضٌ عن قدراتٍ كامنة لم يتسنّ لهم القيام بها في فترة شبابهم.

يبقى أن نشير إلى أنّ تطوّر الحياة الثقافيّة والعقليّة في أيّامنا الحاضرة أضاف إلى الفنون بعدًا جديدًا هو البعد العلاجيّ THERAPEUTIC حيث وجد علماء النفس أنّ للفنون قدرةً على تقويم الالتواءات النفسيّة والعقليّة والتعبيريّة التي قد تطرأ على بعض الأفراد. وهذا ما أنشأ اتّجاهًا جديدًا في عمليّة التعلّم هو المعالجة بالفنون أو Art Therapyأضيف كاختصاصٍ جديد في جامعات العالَم، وهو يعالج بنجاحٍ حالاتٍ نفسيّةً منحرفة أو فراغًا ذهنيًّا أو ظاهرة التوحّد (AUTISM) أو الانحراف السلوكي أو التخلّف العقلي الناتج من الظروف الولاديّة أو العائليّة. فقدرة المصاب بإحدى هذه العاهات على الإبداع الفنّي تولّد لديه الثقة بأنّه سويّ.

من هنا كانت ضرورة مساواة تدريس الفنون بباقي دروب المعرفة وضرورة تعرّف كافّة الطلاب في مختلف المراحل التعليميّة، لأنّه، وبدون هذه المساواة، يصبح تعريف أنطون سعاده للفنون ناقصًا إحدى ركائزه في عمليّة “رفع النفوس نحو عالَمٍ أفضل، وقِيَمٍ أعلى”.

مقدّمة المحور الثاني: الرفيقة ماري تيريز توتنجي
“مما لا شكّ فيه أنّ الإنسان يقع من الوجهة الإحصائية في جدول الحيوانات المتجمهرة أو المتجمّعة. فالاجتماع صفة ملازمة للإنسان في جميع أجناسه، إذ أنّنا حيثما وجدنا الإنسان وفي أيّة درجة من الانحطاط أو الارتقاء وجدناه، وجدناه في حالة اجتماعية. وهكذا نرى أنّ المجتمع هو الحالة والمكان الطبيعيّان للإنسان الضروريّان لحياته وارتقائه.

ولما كنّا لم نجد الإنسان إلاّ مجتمعًا، نحن محمولون على الذهاب إلى أنّ الاجتماع الانساني قديمٌ قدم الإنسانية، بل إنّنا نرجّح أنّه أقدم منها وإنّه صفةٌ موروثة فيها.”

من هذه الحقيقة العلمية التي نجدها في كتاب نشوء الأمم لسعاده، والمتعلّقة بالإنسان، كان لزامًا علينا أن نؤمّن لجيلنا الوعي الكافي للحقيقة المجتمعية التي ينتمي إليها. والتمرّس الفعلي باجتماعية الإنسان هو في التفاعل المحيي بين أفراده، وهذا التفاعل لا يتمّ إلاّ ضمن الأطر الصحيحة السليمة الكفيلة بصيانته من عوامل التفسخ الروحي – النفسي. وتدريب الأحداث على الخدمات الاجتماعية في مختلف وجوهها ينمّي هذا الوعي الاجتماعي الحقيقيّ فيهم، فيصبحوا أعضاء فاعلين ومتفاعلين في البناء الاجتماعي المطلوب. فعلاقة الفرد مع المجتمع هي علاقة تفاعليّة قطباها المصلحة والإرادة. المصلحة التي هي حصول ارتياح النفس والإرادة التي هي العزم على تحقيق هذا الارتياح.

بعض المدارس أدركت أهميّة العمل الاجتماعي في بناء الشخصيّة المجتمعيّة المتكاملة لطلاّبها وأدخلت برامج الخدمات الاجتماعية ضمن مناهجها التعليميّة، فنظّمت وسهّلت وخصّصت للطلاب أوقاتًا إضافيّة للقيام بهذه النشاطات.

من ضمن هذه النشاطات، وعلى سبيل المثال لا الحصر، العمل مع دُور الأيتام ودُور العجزة، مراكز معالجة سرطان الأطفال، تنظيف البيئة، (حملات تنظيف الشاطىء والأحراج) نشاطات ريعيّة لمساعدة المحتاجين وتنظيم حملات توعية حول مخاطر المخدّرات والقيادة المتهوّرة وغيرها.

يسعدني في هذا اللقاء أن أقدّم السيدة سهى صوايا توتنجي والرفيق أمين العريضي ليقدّما لنا بعضًا من إسهامهما في التوعية الاجتماعية لطلاّبهما، كلٌّ في مؤسّسته التربوية.


{gallery}media-office/nashatat/motmar-almdrsen{/gallery}

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *