كلمة الرئاسة في احتفال منفذية دمشق العامة بمناسبة عيد الفداء في 22 تموز 2022

من ضمن سلسلة نشاطات نظّمتها لمناسبة عيد الفداء القومي، أقامت منفذية دمشق العامة احتفالًا في مدرج المركز العربي للتدريب الإذاعي والتلفزيوني، في منطقة كفرسوسة- دمشق، وذلك مساء الجمعة في 22 تموز، حيث شارك فيه، إضافة إلى حضرة الرئيس والمسؤولين المركزيين، أعضاء من ”مجلس الشعب“ وعدد من السفراء وأعضاء من السلك الدبلوماسي وقيادات المنظمات الفلسطينية والأحزاب والقوى الوطنية، وشخصيات ثقافية وفنية وحشد من المواطنين.
افتتح الاحتفال بالنشيد الرسمي للجمهورية السورية العربية، والنشيد الرسمي السوري القومي الاجتماعي، حيث قام بالتعريف الرفيق سعاده العبيد. ثم استهل المنفذ العام الرفيق إيليا سمان البرنامج بكلمة تحدّث فيها عن معنى الثامن من تموز، ثم ألقى ممثل ”حركة الجهاد الإسلامي“ السيد ”أبو مجاهد“ كلمة تناول فيها المثال الفريد الذي جسّمه حضرة الزعيم في جهاده واستشهاده من أجل قضية أمّته ونهضتها، متحدّثًا عن نظرة سعاده القومية إلى المسألة الفلسطينية ومركزيتها في الصراع ضد عدوّنا. ثم تلاها فقرات موسيقية قدمتها فرقة فنية من الطلبة، وعرض مصوّر، بعدها تمّ تكريم عدد من الطلبة المتفوّقين في امتحانات العام الدراسي المنصرم.
وأخيرًا اختتم حضرة رئيس الحزب الرفيق د. علي حيدر الاحتفال بكلمة شاملة استعرض فيها الأوضاع السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في الأمّة، متحدّثًا عن الحلول الممكنة، متناولًا وضع الحزب والطريق العملية نحو إزالة تعدّد المؤسسات الحزبية وتحقيق انتظام القوميين الاجتماعيين في مؤسسة واحدة فاعلة.
وفيما يلي نصّ الكلمة:

الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ

رئاسة الحزب

كلمة الرّئاسة في احتفال منفِّذيّة دمشق العامّة

لـمناسبة عيد الفداء في 22 تمّوز 2022

تحيا سورية.

الحضور الكريم، وكلّكم كريم، ودون ترحيب لأنّ ”في التّرحيب تغريبًا“.

لا بدّ من الشّكر لكلّ من حضر، وخصوصًا أعضاء السّلك الدّيبلوماسيّ، وقادة القوى الفلسطينيّة، ورؤساء الأحزاب ”السّوريّة“ الوطنيّة، وأعضاء مجلس الشّعب، وقادة القوى الوطنيّة ”السّوريّة“، خصوصًا أنّهم قدّروا واقع الصّالة وقلّة الإمكانيّات فاعتبروا الصّالة صالتهم، والحضور حضورهم، والحفل حفلهم، وجلسوا كيفما اتّفق بغضّ النّظر عن التّرتيبات البروتوكوليّة الّتي كان يجب أن تُتّخذ. فشكرًا لهم من القلب لأنّهم اعتبروا أنّهم أصحاب البيت.

تحيّة من القلب،

تحيّة نؤدّيها كلّ يوم، وخاصّةً اليوم، زاويةً قائمة ترمز إلى البناء القوميّ القويم الصّحيح، وهي ضروريّة لكلّ بناء. وأصابعَ مستقيمةً، مُنضمَّةً بعضُها إلى البعض الآخر، فيها العزم والتّصميم. وأمّا انبساط الكفّ فيرمز إلى الصّراحة التّامّة.

خصوصيّة اليوم أنّها تنبثق من التّعبير الأتمّ عن رموز التّحيّة، البناء والاستقامة والعزم والتّصميم والصّراحة التّامّة الّتي تكلّمنا عنها دائمًا. هذه الرّموز، وهذه الوقفة، وهذا التّعبير الأوفى الّذي تتوَّج ببذل الدّماء سخيّةً على رمال شاطئ بيروت في الثّامن من تمّوز؛ هذه الوقفة الّتي رافقت سعاده منذ طفولته إلى لحظة استشهاده الأخيرة. فسعاده الشّاب الّذي رفض رفع العلم العثمانيّ على سارية مدرسته، وسعاده اليافع هو الّذي استنكر أن يكون هناك حديث بين عليّة القوم عن أيّ انتداب أفضل للبنان، هل هي بريطانيا أم فرنسا أم روسيا أم غيرها. وسعاده زعيم الحزب، ”الشّارع صاحب الدّعوة إلى القوميّة الاجتماعيّة“، الّذي أدّى قَسَم الزّعامة – القَسَم الّذي وقف نفسه فيه على أمّته السّوريّة ووطنه السّوريّ، منفِّذًا منتهى ما يوجبه عليه قَسَمه فجر الثّامن من تمّوز.

لم تكُن جريمة الثّامن من تمّوز جريمةً سياسيّة، ولا جريمة من نوع خاصّ، بل كانت في سياق معركةٍ وصراعٍ ومواجهةٍ مفتوحة بين مشروع يستهدف هويّة المنطقة، مشروع يهوديّ إلغائيّ استيطانيّ ”استحلاليّ“ لبقعة من أرض، لحقٍّ من حقوق هذه الأمّة، وسعاده الّذي وعى مبكّرًا هذا الخطر، ولم يكتفِ بالوعي، والحديث عن هذا الخطر، بل ذهب إلى إنشاء حركة مواجهة وصراع وفداء في وجه هذا الخطر. في هذه المواجهة المباشرة الّتي ظهرت معالمها الواضحة: 1947 – تقسيم فلسطين، 1948 – النّكبة، و1949 الّتي كانت مواجهة مباشرة في استهداف أنطون سعاده واغتياله لمحاولة اغتيال مشروع المواجهة والمقاومة. وطبعًا هذه المواجهة أدّاها في الدّاخل أدوات المشروع الخارجيّ: في الشّام حسني الزّعيم، في لبنان رياض الصّلح. وفي مصر الملك فاروق. وأنتم تعرفون تمامًا نتيجة هذه المواجهة مع هؤلاء الثّلاثة – الرّموز لهذا المشروع الاستيطانيّ كما قلنا ”الاستحلاليّ“ لهذه المنطقة. إنّها عمليّة اغتيال استباقيّة للتّخلّص من هذا الوعي المبكّر، وهذا التّصميم الرّاسخ على اقتلاع جذور الشّرّ من أرضنا، لتُكمل المؤامرة مشوارها، وتنفّذ مخطّطها إلى يومنا هذا شرذمةً وتفرقةً وتمييعًا للهويّة القوميّة والوجدان القوميّ. فكانت الدّماء الزّكيّة المُراقَة في الثّامن من تمّوز قربانًا للحياة العزيزة، حياة مَن وعى حقيقة هذه الأمّة.

هذه المواجهة الّتي لم تتوقّف، وأظنّ أنّنا جميعًا نعرف إلى ما انتهت إليه هذه المواجهة، وأين هذا المشروع الآن ممّا وعاه سعاده، وممّا قال عنه سعاده في بداية المواجهة عندما تكلّم عن الويل الّذي أصاب هذه الأمّة، وسأل سؤاله الشّهير: ”ما الّذي جلب على شعبي هذا الويل؟“ هذه المواجهة الّتي أدّت إلى ما أدّت إليه على مستوى الوطن وعلى مستوى الأمّة، وعندما قال الرّفيق سعاده [العبيد، عرّيف الاحتفال] إنّها جولة أفق، أظنّ أنّها تحتاج إلى ساعات وساعات. ولا أظنّ أنّ أحدًا منّا لا يعرف إلى أين آلت الأمور، إنْ كان على كامل ساحة الوطن، في فلسطين أوّلًا، والحقيقة، ”الأخ أبو مجاهد“ لم يترك لي شيئًا أقوله عن سعاده وعن فلسطين. نحن نقول ”شعبنا في فلسطين“، وهم جزءٌ من شعب يقاوم ويقاتل، وأوضح ”الأخ أبو مجاهد“ كيف هي قضيّة الشّعب بكامله، وليست قضيّة الشّعب في كيان من الكيانات، فلسطين أو لبنان أو الشّام أو الأردنّ أو العراق أو الكويت أو قبرص أو غيرها من أجزاء الأمّة. هذه المواجهة انتهت حتّى هذه اللحظة إلى تقدّم المشروع اليهوديّ خطوات وخطوات على حساب مشروع محاولة المواجهة لنهضة الأمّة ووعي حقيقتها والوصول إلى القدرة على هذه المواجهة، وللحقيقة هذا لا يزال حتّى هذه اللحظة مجال بحث ومجال محاولات لم تستطِع أن تكتمل لتُنجز هذه المواجهة وتُنهي هذا الصّراع بالشّكل الّذي وضعه سعاده في مشروعه الّذي طرحه والّذي استشهد من أجله. فلا العراق هو العراق الّذي نريد، ولا لبنان هو لبنان الّذي نريد، ولا الكويت، ولا أيّ جزء من أجزاء الأمّة. وأنتم تعرفون إلى أين وصل واقع كلّ كيان من الكيانات، ولو أردنا الخوض في التّفاصيل لخضنا طويلًا، وبيننا اليوم ممثّلون وسعادة سفراء وأعضاء سلك دبلوماسيّ من هذه الكيانات، إنْ كان لبنان أو العراق أو فلسطين، والكلّ يعرف بأنّ لنا رأيًا في ما يحصل في فلسطين، فبالنّسبة إلينا، وكما يعرف الجميع، المعركة هي معركة وجود ومعركة إحقاق حقّ لن نتخلّى عنه في يومٍ من الأيّام. ولكنِ اليوم هناك واقعٌ مأزوم على السّاحة الفلسطينيّة، على كلّ الأصعدة. كيف نستطيع أن نعود لنشكّل القوّة القادرة على محق هذا العدوّ، على سحقه؟ الحقيقة، نستطيع ذلك بالمشروع الواحد المُوحّد، وبالرؤية الواحدة المُوحّدة، وبالتّالي حتّى الحديث عن أيّة وَحدة كانت، وعن أيّ جهود كانت، إنْ لم تكُن على مشروع واضح فلن تؤدّي إلى النّتيجة المرجوّة.

العراق ولبنان، وأنتم تعرفون جيّدًا أنّهما جزءان عزيزان من الوطن السّوريّ، ولكن أن يصل الحال في العراق ولبنان إلى أن لا تستطيع الجهات المسؤولة تشكيلَ حكومة، وحتّى انتخاب رئيس جمهوريّة، ولن ندخل في التّفاصيل الأخرى. العراق الّذي يستطيع أن يغذّي العالم بكلّ ما يحتاجه، اليوم هو فقير ويحتاج إلى كلّ التّفاصيل. لبنان وأنتم تعرفون أين هو لبنان اليوم، وقد أصبحت ديونه تفوق المئة مليار دولار، وهذا شيءٌ بسيط في توصيف واقع الحال. فلسطين، الّتي يتقدّم فيها العدوّ كلّ يوم خطوة إلى الأمام، ونحن نرابض ونقاتل مكاننا، وطبعًا هذا ليس أبدًا على حساب الدّماء الّتي تُبذل يوميًّا في فلسطين، ولولا هذه الدّماء لانتهت المسألة الفلسطينيّة وأصبحت ”من التّاريخ“ منذ زمنٍ طويل.

لن أطيل في الحديث عن واقع كلّ كيان من الكيانات، واليوم، وبما أنّ احتفالنا في دمشق، دعونا نتكلّم قليلًا عن الشّام – ”الجمهوريّة العربيّة السّوريّة“، أوّلًا لأنّنا نرى، حتّى هذه اللحظة، أنّ الشّام هي مركز الحركة والإشعاع لأيّ مشروع يستطيع أن يتّجه في كلّ الاتّجاهات لصالح المشروع النّهضويّ لسورية، على كامل مساحة سورية ولكلّ الوطن السّوريّ، وثانيًا لأنّ الشّام، وعلى مدى عقود طويلة حتّى الآن، حاولت أن تبقى في مركز القرار، وحاولت أن تحافظ على اتّجاه البوصلة، وعلى تحديد معنى العدوّ، وعلى تحديد معنى المعركة ومع مَن وكيف ومتى، ولكنْ جزء من هذه الحرب الّتي تمّت أصابت الشّام على مدى أكثر من عشر سنوات حتّى هذه اللحظة، دون أن ننسى ما سبقها، لأنّنا دائمًا كنّا نقول، وتذكرون جيّدًا، في كلّ ما قلناه في نشاطاتنا السّابقة وبياناتنا السّابقة في 2003، و2004، و2005، و2008 في احتفال دمشق (بما أنّنا الآن في دمشق)، تذكرون جيّدًا – من كان يحضر منكم – عام 2008 رأينا في ما كان يحصل في الشّام، وكنّا نقول إنّ هذه السّياسات وهذا الواقع سيأخذ البلاد إلى أن يصبح حالها جاهزًا للاشتعال في أيّ لحظة من اللحظات، وهذا ما حصل حقيقة بعد سنواتٍ قليلة من هذا البيان، الّذي كان مبكّرًا، وكان يعتبره البعض نذير شؤمٍ في غير مكانه، وكان يعاتبنا عليه يومها.

حقيقة عندما نتكلّم عن الشّام، أفضّل أن أبحث في ثلاثة مفاصل: المفصل السّياسيّ، والمفصل الأمنيّ والعسكريّ، والمفصل الاقتصاديّ والاجتماعيّ. وأضبط كلامي منذ بداية ”الحرب على سوريا“ أو ”الأزمة السّوريّة“، لنسمّها ما شئنا، لأنّ حتّى تسمية ما يحصل لا زالت حتّى الآن أمرًا مُختلَفًا عليه. ودون أن نختلف على التّسمية، أقصد ما حصل في الشّام منذ العام 2011 وحتّى اليوم. منذ سنتين أو ثلاثة أقمنا احتفالًا في دمشق، وكان عنوان كلمة الرّئاسة ”هل انتصرنا؟“ وكان الجواب ”نعم ولا“. البعض يذكّرني بالجواب، ويسأل ما الّذي نعنيه، ويومها قلنا كثيرًا في الشّأن السّياسيّ والشّأن الأمنيّ والعسكريّ، والشّأن الاقتصاديّ والاجتماعيّ. ونعود الآن لنكرّر الكلام نفسه. إذا كان المقياس هو إفشال مُخطَّطات العدوّ، نعم نستطيع أن نقول إنّنا نجحنا وانتصرنا جزئيًّا وليس كلّيًّا، لأنّ هناك جزءًا من مُخطَّطات الأعداء تتحقّق على الأرض ”السّوريّة“، لا نستطيع أن نختبئ وراء إصبعنا. نقول نعم، في السّياسة انتصرنا لأنّ الشّعارات الّتي طُرحت في 2011 (”إسقاط النّظام“ ووو…)، اليوم أصبحنا في مكان آخَر، ولكن هل هذا هو مقياس الانتصار؟

في الشّأن الأمنيّ والعسكريّ نعم لأنّنا حرّرنا، وجيشنا الباسل وتضحيات شهدائنا الّتي تحصل يوميًّا، واليوم ارتقى خمسة شهداء حتّى هذه اللحظة – لا أعرف ما إذا ارتفع العدد – بسبب العدوان اليهوديّ الّذي حصل ليلًا. لأهاليهم كلّ التّعزية. هذه الدّماء الّتي حقّقت الكثير من الانتصارات، وحقيقة الأمر، هناك مقولة راسخة: لم يخُضِ الجيش الوطني معركة خلال كلّ هذه السّنوات إلّا وانتصر فيها. لا أذكر أنّ هناك معركة خاضها الجيش، بكلّ قوّته وتخطيطه وقدراته وقراره وتصميمه، وخسرها. نعم حصلت إنجازات وحرّرنا الكثير من الأراضي.

في الشقّ الاقتصادي والاجتماعي، حصلت كذلك إنجازات، عندما كان هناك مخطّط يهدف– لمن يتذكّر– إلى أنّ الأمم المتّحدة في العام 2012 ستعلن ”سوريا“ دولةً فاشلة، وكان هناك مقاييس للدولة الفاشلة. هذا لم يتحقّق.

على المقلب الآخَر، ماذا حصل؟

في الشّأن السّياسيّ، سأتكلّم عن أربعة اتّجاهات، أو محاولات. كان هناك محاولة ما سُمّي ”الحوار الوطنيّ الدّاخليّ“، وكان هناك مسار ”جنيف“، وكان هناك مسار ”أستانة“، وكان هناك ما سُمّي ”اللجنة الدّستوريّة“ الّتي شُكّلت سابقًا على خلفيّة جنيف أو بديلًا لجنيف إن نجحت.

الحوار الدّاخليّ لن أتكلّم عنه كثيرًا ولكن سأصفه بكلمتَين: دُفن حيًّا… دُفن حيًّا لسببين: السّبب الأَوّل أنّه لم يجلس على طاولة الحوار القُوى الحقيقيّة الحريصة على مصلحة الشّعب ”السّوريّ“ والوطن ”السّوريّ“، ولأنّ الحوارات أخذت اتّجاهًا آخَر غير الاتّجاه المطلوب لحلّ الأزمة ”السّوريّة“، ولتقوية الواقع الدّاخليّ ولإنجاز القوّة الحقيقيّة الكفيلة والقادرة على مواجهة القُوى الخارجيّة. وهذا كلام لمن يقول إنّ المُعطَيات اليوم كلّها تقول إنّ الحلّ في الخارج، سنتّفق معكم قليلًا، ولكن بأيّة عدّة نذهب إلى الخارج لنبحث مع الّذين يتدخّلون في الشّأن ”السّوريّ“ لحلّ الأزمة الدّاخليّة؟ بعُدَدٍ مهلهلة؟ بإمكانيّات متواضعة؟ بانقسام داخليّ لا يحقّق المطلوب لنكون كلمةً واحدة ورأيًا واحدًا وقوّة واحدة وإمكانيّةً واحدة في مواجهة التّدخّلات الخارجيّة؟ لذلك اختصرت ”الحوار الوطنيّ“، وتذكرونه جيّدًا، وأظنّ أنّ قسمًا كبيرًا منكم يومها دُعي إلى هذا الحوار. قلت إنّه دفن حيًّا، وانتهى حيث بدأ، ولم تصدر عنه حتّى مذكّرات نهائيّة.

مسار ”جنيف“ الّذي بُني على باطل. قبل مسار ”جنيف“ وجولات ”جنيف“ 1، و2، و3، صدر إعلان ”جنيف“ إذا كنتم تذكرون، وبدأ مسار ”جنيف“ اعتمادًا على هذا الإعلان، لذلك بُني على هذا الباطل، ولمن يتذكّر، بعد لحظات من انتهاء تحضير بيان ”جنيف“، خرج المندوبان الرّوسيّ والفرنسيّ وقالا ”كلامَين“ مُتناقِضَين عن مضمون البيان، ويومها استخدمنا مصطلح ”الغموض البنّاء“ هروبًا من المواجهة الّتي كانت تحصل. ولكنّ هذا المسار، وقبل انعقاد الجولة الأُولى سُئلنا عن إمكانيّات نجاحه، فقلنا انتظرونا في جنيف 10 وعندها نتكلّم. ويومها كانت المُذيعة متفاجئة من هذا الكلام، لأنّها كانت تريد أن تسمع كلامًا جميلًا ومشجّعًا ومحفّزًا، وأنّ هذا المسار سيُحقّق المطلوب. الحقيقة اليوم نقول ”جنيف 20“، وعند ”جنيف 20“ سنقول ”جنيف 30“، هذا المسار لن يؤدّي إلى نتيجة.

وبالطريقة نفسها، ”اللجنة الدّستوريّة“ لن تؤدّي إلى نتيجة، لسببٍ بسيط جدًّا عندما شُكّلت ”اللجنة الدّستوريّة“، ولمن قرأ وثيقة تشكيل ”اللجنة الدّستوريّة“، يقرأ المقدّمة الّتي هي أخطر من أيّ شيء آخَر، لأنّها تضمّنت كلّ القرارات الدّوليّة الّتي اتُّخذت ضدّ ”سوريا“ في مرحلة سابقة، على أنّها ”بناءات“، وعلى أنّها ”أسباب موجِبة“، وعلى أنّها مقدّمة لهذه اللجنة الدّستوريّة. فما بالكم بطريقة تشكيل هذه اللجنة، وآليّات العمل، وطريقة اتّخاذ القرار الّتي كان من الواضح أنّ كلّ هذا المسار شُكّل للهروب إلى الأمام، وللاستفادة من الوقت، ولتغيير موازين القُوى، وكلّ طرفٍ يغنّي على ليلاه لصالح استمرار الأزمة في ”سوريا“، وهذا ما حصل. مَن منكم اليوم ينتظر، عندما يسمع أنّ هناك انعقادًا للّجنة الدّستوريّة، من منكم ينتظر بلهفة نتائج هذه الجولة؟ أظنّ أنّ بعض السّوريّين لا يعرفون متى انعقدت ومتى انتهت وعلى ماذا اتّفقت، لأنّنا نعرف سلفًا أنّ هذه اللجنة لا تستطيع أن تنجز، ويكون لها مخرجٌ إلّا بطريقة واحدة هي توافق دوليّ يحقّق شرط أنّ كلّ الأطراف توافق على ما سيطرح، وبالتّالي هي آليّة ”إخراج“ لتوافق دوليّ، ليست آليّة لبحث المشكلة ”السّوريّة“ بين سوريِّين ووضع حلول للأزمة ”السّوريّة“.

أمّا ”أستانة“، الّتي، كذلك الأمر، يظنّ البعض أنّها تقدّم خدماتٍ لـ”سوريا“ وللشّعب السّوريّ والوطن السّوريّ. منذ يومين كان اجتماع القمّة الثّلاثيّ، وكلّ طرف أخذ ما يريده وظهّره إعلاميًّا. هل سمعتم تصريح أردوغان بعد المؤتمر الثّلاثيّ مباشرةً؟ لتعرفوا أنّ هذه القمّة وغيرها لن تؤدّي إلى تحرير ما تبقّى من الأرض السّوريّة المحتلّة من قِبَل التّركيّ والأميركيّ بالطّريقة الّتي تنتظرونها، وبالحلّ السّياسيّ الّذي يتكلّمون عنه.

باختصار أيّها الأحبّة، هذه المسارات جميعها هي مسارات أدّت إلى استعصاء تامّ في حلّ ”الأزمة السّوريّة“، سياسيًّا. وأنا بدأت بالشّقّ السّياسيّ لأنّنا منذ البداية قلنا إنّ مقدّمة أيّ حلّ لـ”سوريا“ تبدأ بالحلّ السّياسيّ، أو أنّ الحلّ السّياسيّ هو مقدّمة لأيّ حلٍّ آخَر. قبل الحلّ السّياسيّ لا يوجد حلّ.

نعم أيّها الأحبّة، اليوم ”سوريا“ في الاتّجاه السّياسيّ في حالة استعصاء حقيقيّ على كامل المسارات. وكلّ المسارات: ”اللجنة الدّستوريّة“ لا تنتظروا منها شيئًا، ولا ”أستانة“ لا تنتظروا أن تُعِيد لنا إدلب وشمال شرق الفرات، ولا ”جنيف“ لا تنتظروا منها أن تنتهي إلى قرارات دوليّة تُنصف الشّعب السّوريّ والمجتمع السّوريّ والوطن السّوريّ.

الحلّ – ما لا يريد أن يسمعه الكثيرون – هو العودة إلى دمشق. عندما طرحنا ”دمشق“ في يومٍ من الأيّام البعض كان مُستهجِنًا، حتّى لا أستخدم مُصطلَحات أكبر، بعد كلّ ما حدث نعود إلى دمشق ونجتمع في دمشق ونحلّ الأزمة؟ نعم. دمشق، و”دمشق 1“ الّتي لم تحصل حتّى الآن، هي الّتي ستطلق ديناميّة حقيقيّة لحلّ ”الأزمة السّوريّة“ سياسيًّا، على قاعدة الانفتاح، وعلى قاعدة الرّؤيـة الواضحة، وعلى قاعدة أنّنا جميعًا سوريّون بغضّ النّظر عن مواقفنا ومواقعنا الآن. لنجلسْ إلى طاولة واحدة ولنحتكمْ إلى صراع الكلمة وصراع الأفكار، ومن يملك الحقيقة ومن يملك القوّة لا يخاف من الجلوس إلى طاولة الحوار. وعلى الأقلّ هذه الطّاولة ستُنتج فريقًا يستطيع أن يذهب ويواجه العالم كلّه والطّامعين في الأرض السّوريّة. الحلّ اليوم وغدًا، وبعد سنة وسنتين وخمس سنوات وعشر، لمن يريد الحلّ هو في العودة إلى دمشق، والعودة إلى إطلاق ديناميّة سياسيّة حقيقيّة داخل الوطن السّوريّ، وعلى الأرض السّوريّة ومن السّوريّين، وتذكرون هذا الكلام جيّدًا – حيث نسيه الكثيرون – حين نتكلّم عن الضّامنين والقُوى وما يحصل في أوكرانيا وما بين روسيا وأوكرانيا، ونتكلّم عن تداعيات الملفّ النّوويّ الإيرانيّ مع دول ”5 + 1“، نحلّل كلّ سياسات العالم ونأمل كيف ستنعكس لاحقًا على الوضع السّوريّ. أنا أقول لكم أيّ صراع دوليّ، في ظلّ الضّعف الّذي نعاني منه، أيّ صراع دوليّ كيفما انتهى، ولمصلحة مَن انتهى سينعكس سلبًا علينا، لأنّ من لا يملك القوّة والإرادة والقدرة لا يستطيع أن يحقّق انتصارًا. نصبح ”فَرْق عملة“ في يوم من الأيّام عند أيٍّ كان. وطبعًا عندما نلتقي في دمشق نكون قد حسمنا بدايةً مسألة ”العدوّ والصّديق“. وطبعًا بالنّسبة لنا هذه المسألة محسومة عندما يقول سعاده (خطاب الأوّل من حزيران 1935):يجب على الدّول الأجنبيّة الّتي ترغب في إيجاد علاقات ودّية ثابتة معنا أن تعترف، في الدّرجة الأُولى، بحقّنا في الحياة…“ المسألة سهلة جدًّا، مَن هي الدّول المُستعِدّة لتعترف بحقّنا في الحياة؟ هي الدّول الصّديقة. من هي الدّول الآتية لتنازعنا حقّنا في الحياة والأرض وكامل حقوقنا على الأرض، في أيّ مجال؟ حتّى من ينازعنا في حقّنا في الهواء، يصبح عدوًّا، وبدرجة مختلفة بين عدوّ وآخَر. ”… وأن تكون مُستعِدّة لاحترام هذا الحقّ…“، أمس في الأستانة الكلّ – في البيان الختاميّ – كان مع وَحدة ”سوريا“ شعبًا وأرضًا، ولكنْ على أرض الواقع، وبعد ساعتين بدأ القصف التّركيّ لبعض القرى السّوريّة على الحدود، وعاد أردوغان إلى نغمته الأُولى، واليوم لمن يقول إنّ أردوغان مستعدّ للضّغط على الفصائل المُسلَّحة في إدلب لفتح ” M4“ (طريق اللاذقيّة – حلب)، أقول لكم إنّ هذا من ضمن مساومة وليس من ضمن الانسحاب، حتّى اليوم، أنا لا أكون قد انتصرت حين ينسحب التّركيّ من مساحة ليأخذ بدلها مساحة أُخرى. ليس بهذه الطريقة تتحقّق مصلحة ”سوريا“ ووَحدة ”سوريا“، ونحرّر ”سوريا“. وحقيقة، في هذا المكان، كنّا دائمًا نقول، وأنا اليوم أقول، إنّ القُوى الوطنيّة السّوريّة ظُلمت في فترة ”الأزمة السّوريّة“، لأنّ كلّ من هو خارج هذا التّصنيف حقّق كلّ ما يريد: قبض أموالًا، أخذ مواقع له، احتلّ مساحات، ارتبط بدول، والقُوى الحقيقيّة هي القُوى الّتي رفضت كلّ هذه المقاييس الزّائفة للقوّة: الارتباط والارتهان والتّبعيّة، وغيرها من المقاييس الزّائفة. ونعم بقيت في فترة الحرب غير قادرة على أنْ تكون – منفردة ومُستفرَدة – قادرة على الفعل، ولكنّ حقيقة الأمر، لو كان هناك ساحة تستطيع هذه القُوى أن تشكّل فيها قوّتها الحقيقيّة – وهذا ما نحن مدعوّون إليه اليوم مجدّدًا – نعم تستطيع أن تشكّل قوّتها. وأنا سأقول لكم شيئًا، عبر التّاريخ لا أحد يعطيك شيئًا، أنت من يجب أن يحقّق ما تريد. هذه مسؤوليّتنا كقُوىً وطنيّة، كأحزاب، كتيّارات، أيًّا كانت التّسمية. أنا لا تهمّني التّسميات، ما يهمّني أنّ هناك سوريًّا باقيًا على الأرض السّوريّة، لم يغادر سورية، لم يرتبط بالأجنبيّ، لم يقبض من الأجنبيّ، لم يشجّع المشاريع الأجنبيّة، لم يعتبر أنّ هذه المُتغيّرات تساعده على الاستقواء على أحد داخل سورية، بقي عنوان وجوده ومشروعه أنّه يريد أن ينتصر بالسّوريّين جميعًا، أن ننتصر بعضُنا ببعضنا الآخر كما نقول دائمًا وليس بعضُنا على بعضنا الآخر، هذه هي قوّتي الحقيقيّة على الأرض السّوريّة.

في الشّأن الأمنيّ والعسكريّ: قلت، وطبعًا أنا لا أتكلّم هنا عن الإيجابيّات، الكلّ يتحدّث عن الإيجابيّات، وكلّنا نعرفها. وكما وضعتُ أربعة عناوين سابقًا، سأتكلّم هنا عن أربعة عناوين: هل هناك احتلال خارجيّ لأجزاء ليست قليلة من الأرض السّوريّة اليوم؟ نعم. هل يستطيع أحد أن يقول إنّه لا احتلال تركيًّا لأجزاء من الأرض السّوريّة؟ هل يستطيع أحد أن يقول إنّه لا احتلال أميركيًّا لأجزاء من الأرض السّوريّة؟ في المناسبة، الأميركيّ لا ”يحتلّ“ فحسب، مع بعض المجموعات المُسلَّحة، له اليوم مجموعة قواعد – أتصوّر أنّها 17 قاعدة – في المناطق الشّماليّة الشّرقيّة، في الحسكة والقامشلي وصولًا إلى شرق الفرات. ولا ينحصر وجوده هناك فقط، بل هو موجود في منطقة أهمّ، وهي قاعدة ”التّنف“، ولمن لا يعرف قيمة ”التّنف“، فليبحث عنها عبر ”غوغل“، ليرى قيمة ”التّنف“، وحجم ومساحة التّواجد الأميركيّ في ”التّنف“، لنعرف أنّ هناك احتلالًا أميركيًّا حقيقيًّا على الأرض السّوريّة. هذا العامل الأَوّل. هذا العامل يتمدّد لا يتراجع، نسمع كثيرًا أنّ هناك انسحابات أميركيّة. أنا أقول لكم هذه إعلانات مُزيَّفة ومُضلّلة، أميركا لم تأتِ إلى المنطقة لتنسحب، وهي لم تنسحب من أفغانستان – في المناسبة، لمن يقول إنّ أميركا انسحبت – وأميركا لم تنسحب من العراق لمن يقول إنّها انسحبت، أميركا اليوم تزيد حضورها ووجودها ونفوذها في الأردنّ. ابحثوا ما هي ”قاعدة الملك عبدالله“ اليوم لتعرفوا ما إذا كان الأميركيّ ينسحب من المنطقة أو يعزّز وجوده. طبعًا، ”قاعدة الملك عبدالله“ هي واحدة من مجموعة قواعد، تذكّرتها الآن. تركيا لن تنسحب. تركيا، وعبر التّاريخ، لم تدخل إلى منطقة لتنسحب منها. عودوا إلى قراءة التّاريخ. عندما كنّا طلّابًا، وحتّى اليوم، من سنوات قليلة كانت لا تزال موجودة في الكتب – لا أعرف ما إذا كانت أُلغيت أو لا تزال موجودة – ”أراضٍ عربية مُحتلّة“ في خريطة في الصّفّ الثّامن على ما أظنّ، عن الحدود الشّماليّة لـ”سوريا“، عن كيليكية وأنطاكية، ولا أقصد الإسكندرون، الّتي لم نعُد نجدها اليوم على الخريطة. حلّت محلّها ”هاتاي“. تركيا لم تدخل إلى إدلب لتنسحب طواعيّةً في يوم من الأيّام. تركيا تهرب إلى الأمام. وفي كلّ السّنوات الماضية استفادت من كلّ المتغيّرات الدّوليّة ومن كلّ النّزاعات الدّوليّة، وحتّى من المسارات الّتي ذكرناها: ”جنيف“ و”أستانة“، لتطيل أمد وجودها، لأنّها تعرف أنّ في هذا الوجود الطّويل الأمد تغيّر الواقع وتفرض أمرًا واقعًا، والمُتغيّرات الّتي تحصل على الأرض أخطر ممّا تتصوّرون أيّها الأحبّة. لا تتفاجأوا بعد عشر سنوات إذا قالت تركيا: تعالوا لنذهب إلى استفتاء في هذه المناطق، تكون نتيجة الاستفتاء كما حصلت في الإسكندرونة، لواء الإسكندرون. فإذًا، الاحتلال الأجنبيّ موجود على الأرض السّوريّة، طبعًا أنا لم أتكلّم بعد عن التّواجد البريطانيّ، أو التّواجد الفرنسيّ، أو البولنديّ، ولم أتكلّم عن تواجد مجموعات صغيرة، اليوم حلف ”النّاتو“ بكامل مجموعاته ودوله موجود بطريقة أو بأُخرى على الأرض السّوريّة. اليوم هناك احتلال ليس أميركيًّا فقط، بل احتلال من ”النّاتو“، رسميًّا. هناك قوّات بريطانيّة في الشّمال، وقوّات فرنسيّة، لمن لا يعرف، وأكثر من ذلك هناك قوّات ”إسرائيليّة“ وهي ليست مختبئة. وهناك شركات ”إسرائيليّة“ تعمل اليوم في الشّمال. في الرّقة اليوم أهمّ مشروع لتصفية المياه وغيره تقوم به شركة يهوديّة مركزها في ”تلّ أبيب“. هذا أَوّلًا. ثانيًا، تثبيت أوراقها عبر تنظيمات عسكريّة. اليوم، المعارك الّتي حصلت في الفترة الماضية أدّت إلى انسحابات وإلى إعادة تموضع، لكن اليوم في إدلب فقط، هل هناك فقط ”الاحتلال التّركيّ“؟ ”هيئة تحرير الشّام“ ألا تعني شيئًا؟ ما يُسمّى ”الجيش الوطنيّ“ التّابع لتركيا ألا يعني شيئًا؟ قوى أُخرى مرتبطة بالخارج ألا تعني شيئًا؟ هذه التّنظيمات العسكريّة الّتي تثبّت وجودها عبر تعاطيها مع الغرب واستقوائها به، تهدف إلى مسألة خطيرة جدًّا ستحصل في المستقبل، وهي إدخالها في أيّة عمليّة سياسيّة كمُعطى من معطيات العمليّة السّياسيّة. وبدأ اليوم الحديث أنّه، إذا تمّ الاتّفاق على حلّ سياسيّ، هذه التّنظيمات تندمج في الجيش الوطنيّ السّوريّ. هل تعرفون معنى ذلك؟ تفاصيل كثيرة.

النّقطة الثّالثة: استمرار ودعم الفوضى وعدم الاستقرار في الأراضي الّتي تتواجد فيها، أو تبسط عليها ”الدّولة السّوريّة“ سيطرتها. هل يمرّ يوم دون أن نسمع باغتيالات وتصفيات؟ هذه الفوضى من أين أتت؟ قسم يأتي من الشّرق عبر التّنف وما تدعمه التّنف أميركيًّا، وقسم يحصل في الجنوب، وتدعمه كلّ القُوى الّتي بدأت تطالب اليوم علنًا، كما تطالب تركيا في الشّمال، بمنطقة ”آمنة وعازلة“ بعمق 30 كلم. عن لسان الملك الأردنيّ هذا الكلام، وليس عن لسان مواطن عاديّ. والمشاريع الكبرى تبدأ بكذبة أو تبدأ ببالون اختبار في المناسبة، وبدأنا نسمع هذا الكلام، وبدأنا نرى على الأرض بعض التّرتيبات لهذا ”الواقع“.

طبعًا يغطّي على كلّ هذا الواقع: الاحتلال، والفوضى في بعض المناطق، والتّنظيمات العسكريّة الّتي تتشكّل، العدوان اليهوديّ المستمرّ على أرضنا (في الشّام) منذ أكثر من عشر سنوات، وأصبح خبر العدوان خبرًا عاديًّا نسمعه، ونقرأ فقط عدد الشّهداء، ونقرأ البيان الّذي يصدر بعده لاحقًا، أمس مثلًا، جميعكم موجود، سمعنا صوت الانفجارات، اتّصل بي رفقاؤنا من لبنان من مناطق حدوديّة، قالوا: الارتجاجات وصلت إلى بيوتنا، ماذا يحدث في الشّام؟ قسمٌ كبيرٌ منّا لم ينهض من سريره وبقي مستلقيًا: غدًا نسمع الأخبار. هذه الاعتداءات الّتي صار عمرها أكثر من عشر سنوات، أيّها الحضور الكريم، في 2013 تكلّمنا عنها في بيانٍ، على إثره استنكر الجميع كيف نقول ذلك، أجبنا لن نقول ذلك بعد الآن. في 2022، ومنذ شهرين، في اعتداء هو عبارة عن حرب حقيقيّة على المواقع العسكريّة في منطقة مصياف، ساعة كاملة من العدوان، ستّون دقيقة من الهجمات: أربع رشقات صواريخ كلّ عشر دقائق استمرّ العدوان ساعة كاملة، حرب. أصدرنا بيانًا قلنا فيه إنّنا لن نقيّم حتّى لا نُغضِب أحدًا، سنطلب طلبًا صغيرًا، بعد عشر سنوات عدوان هل يبقى ما يسمّى ”اتّفاق فصل قوّات“ و”اتّفاق هدنة“؟! اتّفاق الهدنة ماذا يعني بين ”دولتَيْن“؟ مع التّأكيد أنّنا لا نعترف بما يُسمّى ”دولة“ بالنّسبة للعدوّ، ولكن هذا ما يحصل في المحافل الدّوليّة. هذا الاتّفاق للهدنة الّذي تمّ، ماذا يبقى له من معنى عندما يأتي أحد الطّرفين ويهاجمنا على مدى عشر سنوات؟ ألا يعني ذلك بأنّ هذا الاتّفاق قد سقط؟ ألا يعني أنّ مفاعيله لا تكبّلنا اليوم بشيء نحن في الشّام؟ ألا يعني هذا على الأقلّ أن نُطلِق العِنان – أنا أفهم ضرورات الأنظمة والدّول، لكن هناك خيارات للشّعوب، هناك شعب على هذه الأرض يتمزّق من أصوات الانفجارات، ولست مسرورًا كثيرًا بعدد الصّواريخ الّتي نُسقطها، لأنّ هذه الصّواريخ الّتي تسقط، شظاياها تسقط أسلحةَ عدوانٍ علينا، تقتل، وتخرّب وتدمّر وتحرق… حقيقةً نحن تعلّمنا شيئًا: الحصون الّتي تدافع عن نفسها داخل أسوارها تُهزَم. الحصون المنيعة الّتي تريد أن تدافع عن نفسها تقوم بهذا الدّفاع انطلاقًا من حدودها باتّجاه الخارج، وليس في الدّاخل.

تريدون حلًّا؟ الحلّ موجود وبسيط. عندما كنّا صغارًا، كنّا نذهب إلى البرّيّة، نُمسك بأفعى صغيرة ونقطع ذيلها، ونتفرّج عليها تتحرّك وتهرب، أو ”الحردون“ الصّغير نقطع ذيله ويهرب. كنّا نظنّ أنّه عند قطع الذّيل يموت، واكتشفنا أنّه لا يموت، بل ينمو الذّيل من جديد ويعود ”الحردون“ أقوى من الأَوّل. الأفعى تُقتَل بسحق رأسها فقط وليس بقطع ذيلها. هذا ما تعلّمناه. أذناب ”الإمبرياليّة“ و”الصّهيونيّة“ و”الرّجعيّة“، اتركوا ”الأذناب“، عندما نسحق الرّأس، الذنب يموت وحده. لا تجعلونا نتلهّى بأذنابهم. معركتنا الحقيقيّة ليست مع ”الأذناب“، بل مع ”الرّأس“. وببساطة، نقوم بأمرَيْن فقط: أَوّلًا نحسم، كما قلت في الشّقّ السّياسيّ، نحسم مسألة الوطنيّ وغير الوطنيّ، كلّ من يحمل السّلاح باتّجاه العدوّ الواضح – فقد حدّدنا مسألة مَن هو العدوّ ومن هو الصّديق – كلّ من يحمل السّلاح باتّجاه العدوّ هو صديق، يؤمن بما يؤمن، يفعل ما يفعل، لا يهمّ، يهمّني إلى أين تتّجه هذه البندقيّة، إذا كانت تتّجه باتّجاه العدوّ ولسحق رأسه، فهو صديق. الأمر الثّاني، نحتاج إعلانًا بسيطًا: إعلان سقوط اتّفاق الهدنة كما قلت، ولم نُسقِطْه نحن، العدوّ يُسقطه كلّ يوم. ونُعلن سقوط الهدنة ونُطلق العِنان للقُوى الشّعبيّة وتعبيراتها، ويستطيع الشّعب السّوريّ أن يدافع عن نفسه. شعبنا في الشّام ليس أقلّ من شعبنا في لبنان. عندما بدأتِ المقاومة الوطنيّة في لبنان لم يكُن هناك دولة تستطيع أن تواجه ”إسرائيل“. عندما بدأتِ المقاومة الوطنيّة في العراق كانت الدّولة سقطت. عندما نجد مقاومة اليوم من شعب أعزل في فلسطين لا نرى دولة تدافع عن هذه المقاومة، الشّباب ”الحلوين“ الحاملون دمهم على كفوفهم ويدورون من مكان إلى آخَر يصطادون رؤوس العدوّ هم مقاومة. أعطونا هذا الخيار. لا نريد شيئًا آخَر. نحن القُوى الوطنيّة نستطيع تدبير الأمور. نريد أمرًا واحدًا فقط. الشّباب يعرفون، نطلب فقط من ”لجنة شؤون الأحزاب“ أن تسامحنا في مسألة منع الأحزاب من إنشاء ميليشيا عسكريّة. عندما يكون هناك عدوّ يجب أن نُنشئ ميليشيا عسكريّة، وسنقاتل، وندافع عن أرضنا. ونرغب بأنْ لا يُفهَم ذلك على أنّه ضدّ أحد من الدّاخل السّوريّ أيًّا كان موقعه. نحن دفاعنا عن سورية وعن شعب سورية وأرض سورية وكلّ خيارات سورية.

في الشّقّ الاقتصاديّ الاجتماعيّ: عندما نتفاجأ بأمر لا نستطيع التّعبير عنه نقول: لا تعليق. في توصيف الحال نكتفي بـ: لا تعليق. المواطن السّوريّ حقيقةً فَقَدَ مقوّمات الحياة المتوسّطة حتى الّتي تمكّنه من الاستمرار، والمقياس واحد هو النّزف والهجرة السّوريّة بعشرات الآلاف. والأخطر أنّ هذه الهجرة خلال السّنوات الأخيرة هي هجرة خبرات وقدرات، والإمكانيّات: أطبّاء ومهندسون ومحامون ومثقَّفون وتجّار وصناعيّون وأصحاب حرف ومهن. اليوم لا نستطيع إيجاد أيّ حرفيّ أو مهنيّ. نسأل والجواب هو مفردتان: ”الحصار والعقوبات“. حسنًا، لنرَ، الحصار والعقوبات يُنتجان الوضع الحالي؟ لا زلت أذكر منذ حداثتي، كان هناك حصار وعقوبات على الشّام، وتاريخيًّا الشّام كانت دائمًا مُحاصَرة ومُعاقَبة. متى ارتاحت الشّام؟ مرّت سنوات قليلة، باستثنائها كانت الشّام دائمًا مُحاصَرة ومُعاقَبة. في ظلّ الحصار والعقوبات كانت الشّام تأكل من القمح المُنتَج عام 2008 في بداية الأزمة في 2011. خلال ثلاث سنوات كميّات من القمح متروكة في العراء لا نعرف ماذا نفعل بها. إيران دولة مُحاصَرة ومُعاقَبة قبلنا، والحصار والعقوبات على إيران أشدّ من الحصار والعقوبات على الشّام. قد يقولون إيران لديها نفط ولديها غيره، سأقارنها بالعراق الّذي يملك مقدّرات كإيران وأستنتج أين أصبح. لندرس هل للحصار والعقوبات على الدّول التأثير نفسه. كوبا جزيرة صغيرة تعرفونها، ونعرف أين تختبئ في حضن أميركا. كوبا تعاني من الحصار والعقوبات. اليوم كوبا لديها في الطبّ اكتشافات وتقدّم علميّ هائل. كوبا هذه الدّولة الصغيرة. نستطيع أن نعدّد نماذج وأمثلة كثيرة. من الطّبيعيّ في العلاقات بين الدّول، خاصّة بالنّسبة إلى الدّول الّتي تحارَب، أن يُفرَض عليها عقوبات وحصار. ولكنّ المُركّب الخارجيّ لما يحصل أو في المشهد السّوريّ، حصار وعقوبات نعم، لكنّ هذا المُركّب موجود في الكثير من الدّول. الفارق بين أداء ونتائج هذا الحصار وهذه العقوبات من دولة إلى أُخرى هو في المُركّب الدّاخليّ، في طريقة إدارة الملفّ الاقتصاديّ والاجتماعيّ في الدّاخل، فحيث وُجد رجال أزمة تحوّلت العقوبات إلى فرصة، وحيث عاث البعض فسادًا بسياساته الاقتصاديّة – الاجتماعيّة انهارت مظاهر الحياة. هذه هي القاعدة. وحلّها أيضًا بسيط جدًّا – على فكرة، الحلول ليست مُعقَّدة – نحتاج في زمن الحرب ومجتمع الحرب إلى حكومة حرب. وحكومة الحرب تختلف جذريًّا ونوعيًّا، بالأشخاص وبالذّهنيّات، وبالعقليّة والتّركيب، والأداء والمهمّات، والمطلوب منها، عن الحكومة الّتي تعمل وهي ”مُتفضّية“. حكومة ليس لديها دخل تختلف بالكامل بطريقة عملها عن حكومة تستلم كلّ شهر ملياريّ دولار. هذا هو الوضع الطّبيعيّ. نحتاج إلى حكومة حرب تعمل أيضًا على عنوانَيْن: أن نحوّل الفساد – أو ما يُسمّونه فسادًا في زمن الرّخاء، أمّا في زمن الحرب فيصبح خيانةً – أن نستبدل مُصطلَح ”الفساد“ بمُصطلَح ”خيانة“. عقوبة الفاسد تختلف كثيرًا عن عقوبة الخائن. لنثبّت هذا المُصطلَح، ومن يعملون اليوم بالشّعب السّوريّ وبقُوْت الشّعب السّوريّ نُسمّيهم خونة، ونعاملهم على أنّهم خونة. هذا أَوّلًا. ثانيًا: استعادة دور الدّولة الرّاعية لشؤون حياة مواطنيها، والإقلاع عن الاعتماد على السّماسرة وتجّار الحرب. اليوم، عالميًّا، هناك مُشعِر لمن يعمل في الاقتصاد – أنا لست اقتصاديًّا، لكنّي حفظته ببساطة – هناك مُشعِر لصحّة الاقتصاد له علاقة بما يُسمّى ”اقتصاد الظّلّ“. كم يشكّل ”اقتصاد الظّلّ“ من الاقتصاد العامّ للدّولة. ”اقتصاد الظّلّ“ يذهب ريعه لـ”الحيتان“. في أسوأ الدّول من المُفترَض أن لا يتجاوز ”اقتصاد الظّلّ“ 10، 15، أو 20% من الاقتصاد العامّ. ”اقتصاد الظّلّ“ اليوم في الشّام يتجاوز 90% من الاقتصاد العامّ. في هذا الوضع المُتدهوِر والسّيّء، إذا لم يكُن لدى الدّولة عائدات اقتصاديّة أكثر من 10%، من أين سيأتي الباقي؟ ولماذا تتخلّى الدّولة عن دورها الرّعائيّ تجاه المواطن؟ استعادة الدّولة لهذا الدّور أساسيّة بعد تحويل الفاسدين إلى خونة. وعلى فكرة كلّ الإجراءات الّتي اقترحتُها حتّى الآن تحتاج قرارًا وورقًا تُكتب عليه، وتوقيعًا، وإرادة للتّنفيذ. لا تحتاج عملًا كبيرًا ولا تكلّف الدّولة شيئًا. أنا أعرف أنّنا إذا تكلّمنا عن مشاريع في الموازنات سيكون الجواب لا موازنة، أوافق.

هذه العناوين الأربعة، أيّها الأحبّة، ونقول نعم، ما زال الوضع في الشّام في حالة استعصاء ولكنّ الحلول موجودة، هي حلول ليست سحريّة بالمناسبة، وموجودة، ويمكن لأصحاب القرار أن ينهجوها وأن يبدأوا بتحسين ”واقعنا“. واعتبارًا من لحظة مُعيَّنة أن يتمّ البحث عن حلول لا تكون على حساب المواطن في الشّام. اليوم الحلول كلّها على حساب المواطن. أيّ حلّ؟ في الكهرباء، الغاز، المُشتقَّات النّفطيّة، احتياجات الحياة اليوميّة، كلّها على حساب المواطن. نستطيع أن نعتمد هذه الحلول على حساب آخَرين دون تكليف المواطن. سأعطي نموذجًا واحدًا: بدل رفع فاتورة الكهرباء، نستطيع تحسين الفاقد الكهربائيّ وإيقاف الهدر وسرقة الكهرباء، عندها المردود الّذي يتحمّله المواطن أستردّه دون تحميله عبئًا في فاتورة الكهرباء. والأمثلة عديدة.

طبعًا في الثّامن من تمّوز، لا بدّ أن يسأل المواطن قبل الرّفيق: وماذا عن حالنا نحن؟ ونحن تكلّمنا عن الجميع وعن الدّولة والنّاس، ونحن ما حالنا؟ هل نحن بعيدون عن التّناول؟ لا. إذا لم نعرض لوضعنا يكون هناك مشكلة. في الحقيقة الكلّ يسأل: اليوم الحالة القوميّة هي حالة– في الشّكل، أمام المواطن الرّائي من بعيد– حالة مُوزَّعة، نسمّيها ”أبرشيّات“، نسمّيها ”فصائل“، نسمّيها ”تنظيمات“، نسمّيها ”حالات“، تسميات كثيرة لن أدخل أيضًا في نقاش التّسمية. على الأقلّ من يسأل يقول: أنتم تطرحون كلّ هذا الكلام – وسابقًا في أيّام الوزارة كانوا يقولون لي: حضرتك وزير المصالحة، صالح بين القوميّين – يقولون لنا اليوم ماذا تفعلون؟ الحقيقة هذا كلام حقّ، وكلام مُحِبّ. لا يعنيني كلام المُغرِض، ما يعنيني هو كلام المُحِبّ، وكلام المعنيّ بالدّرجة الأُولى أي القوميّون الاجتماعيّون. لا يوجد سوريّ قوميّ اجتماعيّ واحد لا يقول: نحن مع وَحدة الرّفقاء السّوريّين القوميّين الاجتماعيّين. إذا وُجدت حالة استثنائيّة لا تكون مقياسًا، لكن لم أجد قوميًّا اجتماعيًّا واحدًا ضدّ وَحدة القوميّين بعضهم مع بعض. ولكن عن أيّ وَحدة نتكلّم؟ دعونا نحتكم إلى سعاده في هذا الموضوع ونرى. سعاده واضح: ”الوَحدة هي وَحدة المُعبِّرين عن حقيقتها [حقيقة العقيدة القوميّة الاجتماعيّة والفكر القوميّ الاجتماعيّ طبعًا] العاملين لتحقيق نهضتها، [النّهضة القوميّة الاجتماعيّة]“. ليس أسهل من هذا الكلام، وَحدة المُعبِّرين والعاملين لتحقيق هذه النّهضة. ويقصد بالذات، تحديدًا، الأساس القوميّ الاجتماعيّ عندما يقول: ”إنّ أساسنا القوميّ الاجتماعيّ يجب أن يكون في وَحدتنا الرّوحيّة الكلّيّة قبل كلّ شيء…“ [قبل الوَحدة الرّوحيّة لا شيء يفيد] ”… وهذه الوَحدة الرّوحيّة يجب أن تشمل كلّ فكرة وكلّ نظرة في حياتنا…“ (مقالة ”خرقاء ذات نيقة“). عندما تتحقّق هذه الوَحدة الرّوحيّة لا يبقى أيّ مشكلة، يصبح القوميّون واحدًا. وعندما ندعو إلى مثل هذا الاجتماع يحضر الجميع. وأنا دعوت الجميع إلى الاحتفال، وتندّرت في دعوة البعض قائلًا: يا رفيقي لا تجعل الآخَرين لا يروننا سويًّا إلّا في التّشييع والجنازات والتّعازي، دعهم يروننا في نشاطاتنا العامّة وأعمالنا الاجتماعيّة والثّقافيّة والسّياسيّة والتّربويّة وكلّ شؤون الحياة ومصالح الحياة. ”إنّها وَحدة الرّوح. ووَحدة الرّوح هي شخصيّة الأمّة الحيّة. فإذا قلنا إنّنا قد أصبحنا أمّةً حيّة، نقول ذلك لأنّه قد أصبحت لنا وَحدة الروح“ (سعاده، أوّل آذار 1948). ويُعيدها سعاده مرّةً، ومرّتَين، وعشر مرّات.

طبعًا، من هو الأَولى بتدبّر ذلك والقيام به؟ القوميّون أنفسهم. لذلك، ومثلما قلنا عمّن يعوِّل على الخارج – من بين الدّول – لتحلّ له مشكلته، كذلك الأمر من يعوّل من القوميّين على الآخَرين في أن يحلّوا له مشكلته لن يستفيد شيئًا. لن يحقّق وَحدة القوميّين الاجتماعيّين إلّا القوميّون الاجتماعيّون أنفسهم. فليُغلقوا الباب على أنفسهم ويحلّوا مشكلتهم. كلّ ما كانت هناك شبابيك مفتوحة، وهواء يأتي من الشّرق والغرب لن تُحلّ المشكلة. لذلك، وحتّى نبدأ بخطواتٍ عمليّة، في آذار 2021، وعلى خلفيّة الضّجّة الكبيرة في هذا الموضوع، طرحنا مشروع وَحدة الرّفقاء السّوريّين القوميّين الاجتماعيّين، وضعنا مشروعًا متكاملًا، يتضمّن الأسس الّتي ذكرتها، والآليّات العمليّة للوَحدة. وببساطة، هذه الآليّة سهلة جدًّا تُنهي فكرة المانح المستفيد، وتحوّل كلّ القيادات، منّي وللآخَرين، إلى ”إدارات“ تدير مرحلة مُعيَّنة لإنجاز وَحدة الرّوح وانبثاق قيادة جديدة للحزب. دون الدّخول في التّفاصيل، ولكن ما نقوله إنّ هناك مبادرة تتضمّن الأسس والآليّات العمليّة، وطُرحت على الجميع منذ آذار 2021، ولمن يسأل عن وَحدة الرّفقاء السّوريّين القوميّين الاجتماعيّين أقول له: عُدْ إلى هذه المبادرة، ودعونا – إنْ لم تستجب القيادات لهذه المبادرة – نبدأ بها على مستوى الفروع الحزبيّة وعلى مستوى المناطق لإنجاز ندواتنا الثقافية المطلوبة، وعلى الأقلّ نلتزم بمبدأ إلغاء الحواجز بين مختلف المذاهب والطّوائف ونُلغي الحواجز بين القوميّين الاجتماعيّين، فلا يبقى قوميّان لا يتكلّمان سويًّا إذا مرّا في الشّارع. بهذا الوَحدة نستطيع أن نبدأ بالحديث ونعمل لتحقيق وَحدة الأمّة، الوَحدة الّتي لا يمكن أن تتمّ ”… إلّا بمناقب الثّقة والإخلاص والأمانة. والتّعاليم القوميّة الاجتماعيّة الّتي جاء بها سعاده تنقض جميع الحكم والتّعاليم المنافية لوَحدة الأمّة وثقة القوميّين الاجتماعيّين بعضُهم ببعض… فالحركة السّوريّة القوميّة الاجتماعيّة تقوم على مبدأ الثّقة…“ (سعاده، مقالة ”ٱتَّقِ شرَّ مَن أحسنتَ إليه“) ليس من مبدأٍ آخَر يجمع القوميّين بعضُهم مع بعض، وكلّ تشكيك في مكان ما هو هدم لهذه الثّقة وهدم لهذه الوَحدة، ”… لا على مبادئ الشّكّ والخيانة والغدر…“.

لمن يسأل، المشروع موجود، المطلوب من الجميع، وبالمناسبة بهدف الوضوح، هذه المبادرة قلنا منذ اللحظة الأُولى إنّها ليست ورقة مُقدَّسة لا تقبل ”الشّكّ“ والطّعن أو المناقشة، هي ورقة للبحث، كانت ورقة كما نقول بالعاميّة ”لجرّ أرجل الآخَرين“ لنجلس إلى طاولة ونناقشها، فهذه الورقة أيضًا قابلة للمناقشة والبحث والتّطوير عندما يلزم.

الدّرس الأخير من الثّامن من تمّوز، وأعتذر عن الإطالة، درس الثّامن من تمّوز الأهمّ، ليس في الاحتفالات، ولا في الطّقوس، ولا غيره، الدّرس الأساسيّ هو في التّمرّس المُلتزِم الواعي بمناقب الحياة الحُرّة الكريمة، وأنا بدأت بتحيّة الحياة الحُرّة الكريمة. ”إنّ نهضتنا هي نهضة أخلاق ومناقب في الحياة قبل كلّ شيءٍ آخَر“ (سعاده). لنكُن على قدْر المناقب الّتي بعثها في الأمّة الثّامن من تمّوز، ففيها خلاص الأمّة، وبها نصون الدّم الزّكيّ المُراق الّذي نحتفل به اليوم، وبها ننتصر معًا وينتصر الحزب بانتصار الأمّة.

لتحيَ سورية وليحيَ سعاده

الرفيق علي حيدر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *