بيان عيد الفداء 2021

الحزب السوري القومي الاجتماعي

          رئاسة الحزب

بيان عيد الفداء 2021

أيّها المواطنون والرفقاء،

          ما بين التاسع من حزيران – إحراق مطبعة الحزب في الجمّيزة – والثامن من تموز 1949 – اغتيال كاشف حقيقة الأمّة وباعث نهضتها في أسوأ محاكمةٍ صوريّةٍ عبر التاريخ – أحداثٌ متسارعة، وتنفيذ مؤامرات، ولا زالت أمّتنا تغرق في ويلاتٍ تخترقها بعض النقاط المشعّة المعبّرة عن حقيقتها.

في الثامن من تموز 1949، أكّد سعادة باستشهاده أنّ حياته – دون الحقيقة التي وقف نفسه عليها – لا تساوي سوى تكّة إصبعين، وأثبت بالدم المراق أنّه خالد بخلود هذه الأمّة المعطاء الولّادة.

          وفي الثامن من تموز 2021، نواكب حضرة الزعيم في الساعات الأشدّ حلكة في تاريخ أمّتنا، عاملين لما تعاقدنا معه عليه، “وأما الحركة السورية القومية، فهي حركة بعث قومي قبل أن تكون سياسية. تعمل في الحقل القومي على أساس مبادئ وبرامج موضوعة. لا تحيد عن اتّجاهها قيد شعرة. غرضها الوحدة القومية بين أفراد الشعب السوري كلّه ومن بعدها الوحدة السياسية على أساس حدود سورية الجغرافية. وهدفها إيقاظ الوجدان القومي في الأمّة السوريّة وإحلال المصلحة القوميّة محلّ المصلحة الخاصّة وإماتة العصبيّة الدينيّة والمذهبيّة وإحياء العصبيّة القوميّة وحدها.” (سعادة، “مكتب البارودي للدعاية والنشر”، 1937)

          أما في حال كياناتنا، فإنّ الأيّام لا تزال تفرض علينا مآسي ومصاعب، لم يقاسِها شعبٌ آخر عبر التاريخ، ومنذ البدء بتنفيذ الجريمة الكبرى بحقّ بلادنا في “معاهدة” سايكس – بيكو، كلّ ما نعانيه اليوم هو من نتائجها، لكن يبقى تحت الركام أنوار تظهر بين الحين والآخر، تعيد بعضًا من كرامة يهدرها الانصياع للإرادات الخارجية في كياناتنا. ففي فلسطين، شهدنا أسباب الافتخار في الصراع بين قوى المقاومة المسلّحة وقوّات الاحتلال فيما سمّي بمعركة “سيف القدس” جرّاء ما اتّخذه العدو الغاصب من إجراءات بحقّ المقدسيّين كهدم البيوت وتشريد أصحابها، بالإضافة إلى الاعتداءات على الأماكن المقدّسة، وكلّ بلادنا مقدّسة. لقد لقّن هؤلاء المقاومون العدوّ درسًا قاسيًا، حيث سطّروا أعظم ملاحم البطولة والاقتدار على استعمال السّلاح المتوفّر، أوالمصنوع بإمكانات محلية ضمن ظروف قطاع غزّة المحاصر منذ العام 2008، والذي قضّ مضاجع الأعداء وأحال حياتهم جحيمًا لا يُطاق، مما اضطرّهم للقبول بوقف إطلاق النّار، ولو من جانب واحد، بعد نفاد صبرهم بإمكانية إلحاق الهزيمة بهؤلاء المقاومين، رغم الدّمار الهائل الذي ألحقوه بالأبراج، وغيرها، بغاراتهم الوحشيّة.

وما عزّز هذا الشعور بالفخر، بالإضافة إلى تعزيز قلق العدو، أمران، الأوّل: داخلي، تمثّل في هبّة أبناء شعبنا في كافة الأراضي المحتلّة عام 1948 والعام 1967، حيث تحوّلت مدن حيفا ويافا واللّد والرّملة إلى ساحات معارك ضد قوّات شرطة الاحتلال ما أصاب المستوطنين بالهلع والخوف إما من صواريخ المقاومة وإما من أبناء شعبنا الثّائرين، واللجوء إلى أماكن أكثر أمنًا. ناهيك عن مدن الضّفّة الغربيّة التي عمّت فيها المسيرات المؤيّدة لنهج المقاومة.

الأمر الثّاني هو هذا التّعاطف – والشعور، عند الواعين، بوحدة المصير – الذي حظي به شعبنا في مختلف بقاع العالم. سواء على “الحدود” مع فلسطين أم في العالم الغربيّ. وهو يحصل لأوّل مرة، مما حدا بالمسؤولين اليهود للاتصال مع مسؤولي الدّول الأوروبية لوقف المسيرات الشّعبيّة التي خرجت تأييدًا لنا. ولا شكّ أنّ العالم أدرك سبب القرصنة التي قامت بها الولايات المتّحدة الأميركيّة مؤخّرًا ضدّ بعض المواقع الالكترونيّة ووسائط التّواصل الاجتماعي التي أسهمت إلى حدّ كبير في استنهاض تلك المسيرات.

من نافل القول إنّ هذه المعركة قد أعادت لشعبنا ثقته بقدرته على الاستمرار في الصّراع، وردع العدوّ عن اعتداءاته اليوميّة التي يهدف من ورائها إلى تصفية القضيّة، بمؤازرة بعض الدّول الخليجيّة التي استمرأت إقامة العلاقات “التطبيعيّة” مع هذا العدو في أصعب الظّروف. ومن نتائج هذه المعركة ظهور هذا المدّ الشّعبيّ المؤيّد للعمل المقاوم، فأحسّت “السّلطة” في رام الله بضعف شعبيّتها وارفضاض الناس عنها، فأجرت الاتّصالات السّياسيّة مع بعض الدّول العربيّة لتطويق نتائج هذه الهبّة، فكان الإعلان عن اعتماد مؤسّسات “السّلطة” مرجعًا في عمليّة إعادة بناء ما تهدّم في غزّة، رغم ما يعتري هذه المؤسّسات من فساد وهدر للمال. وما زاد طين عمليّة الإعمار بلّة هو ما طرحه العدو عن مقايضة عمليّة الإعمار بإطلاق سراح جنود مأسورين لدى المقاومة. فما كان من المقاومة إلا الرّفض والإصرار على عمليّة تبادل أسرى، كما حصل سابقًا.

وقد شهدت الساحة الداخلية منذ عدة شهور نقلةً نوعيّة من حيث الشكل، وكان المأمول أن تكون سعيًا لإرساء قواعد معيّنة “تحفظ” الوحدة الوطنية، تمثّلت بالإعلان عن إجراء انتخابات طال انتظارها لحسم توجّهات النّاس في خياراتهم الوطنية، وذلك ضمن المناطق المحسوبة على “السلطة”، بما فيها “القدس الشّرقيّة”، وغزّة. وقد تخلّفت حركة الجهاد الإسلامي عن المشاركة في هذه الانتخابات دون العمل على إفشالها، إلا أنّها كانت مريبة في المضمون، بعد أن تسرّب مضمون اللقاء الذي حصل بين الفصائل الفلسطينية في مصر قبل الانتخابات، والذي كان للتحضير لانتخابات تدعم نتائجها مسار “أوسلو” والخط التفاوضي مع العدو. وما لبثت الأجواء الإيجابية أن تبدّدت بعدما ظهر القصد المضمر من هذه النقلة عندما أقدم السيّد محمود عبّاس على إلغاء الانتخابات، بحجّة أنّ سلطات الاحتلال ستمنع إجراءها في القدس. فعادت التّشنّجات في مواقف القوى الفلسطينية المختلفة. ولا نستبعد أن يكون السيّد عبّاس قد ألغى الانتخابات خشية أن يفشل فيها جرّاء الانقسام الحاد الذي اعترى التنظيم الذي يرأسه والذي تجسّد بكثرة القوائم الانتخابيّة المتعارضة فيما بينها، ومخافة اتّساع شعبيّة معارضيه وخصوصًا حركة حماس، بعد أن تحول الصراع الخافت بين القيادات الفلسطينية، على وقع التحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية، إلى صراع علني استدعى تأجيلها في اللحظة الأخيرة. والخيار الأمثل في هذه الحالة هو إجراء انتخابات تثبّت توجّه الفلسطينيّين الذي عبّروا عنه في الهبّة غير المسبوقة، أنّ العلاقة مع اليهود لا تكون إلا علاقة الحديد والنار.

أما المخزي فهو ما قامت به السّلطة في رام الله، بعد سريان وقف إطلاق النار، من اعتقالات بحقّ الذين شاركوا في المسيرات والتحرّكات الشّعبيّة، من أجل إثبات وجودها وتأكيدها على المضيّ بالمخطّط الذي تعمل له، ولا سيّما “التّنسيق الأمني” مع العدو، القاتل لكلّ نشاط مقاوم في أماكن تواجد هذه السّلطة. وقد توّجت هذه السلطة غيّها وانصياعها للعدو بما أقدمت عليه أجهزتها من عملية اغتيال وحشيّة بحقّ “المثقّف المشتبك” نزار بنات ممّا أثار جوًّا من التّوتّر وعدم الثّقة بين “السّلطة” وقسم كبير من الشّعب في الأراضي المحتلّة وخارجها. أما التعبير الأسوأ عن عدم أهليّة هذه “السلطة” في حماية الحقّ الفلسطيني هو إخراج المؤيّدين للسّلطة والمتنفّعين من نعمها في مسيرات مضادّة لمسيرات المحتجّين ضدّها جرّاء فعلتها الشّنعاء، وما مارسوه من “بلطجة” على المحتجّين. كما أنّه من المؤسف استغلال بعض القوى الفلسطينيّة هذه الحادثة لمآرب خاصّة، وكان الحريّ بها أن تكون على الحياد وتقوم قوى أخرى بمعالجة الأمر حتى لا يزداد الانقسام الفلسطيني حدّة وويلا على الشّعب، وعونًا للعدوّ الغاصب. إنّ أقلّ ما يجب أن تطالب به القوى الخيّرة لمعالجة هذا الموضوع هو الوقف الفعلي لما يسمّى “التنسيق الأمني” مع العدوّ، وإطلاق سراح جميع الموقوفين من العاملين ضدّ الاحتلال. إذ لا يجوز أن نطالب بالوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة ونحن نحمل بذور إفشال كل عمل مقاوم. فالوحدة تبنى على برنامج متكامل محدّد يؤدّي إلى البدء بعودة الحق. فأكثر ما يفيد العدوّ هو تفرّقنا واقتتالنا الدّاخليّ.

          أما في لبنان، التائه في أمواج متلاطمة من المصالح والأهواء التي يغلب عليها طابع الفرديّة والفئويّة والطائفيّة والعشائريّة وإلى ما هنالك من تجزيئات للكيان، فبعد أن كنّا في السّجال بين الرئاسة الأولى والمكلّف بتشكيل الحكومة انتقلنا إلى السّجال بين الرئاستين الأولى والثّانية. ورغم انخفاض حدة السّجال الأخير هذا، ما زالت جهود تشكيل الحكومة تراوح مكانها منذ ما يقرب من الشّهور الثّمانية، نتيجة التدخلات الخارجية بالأدوات الداخلية، سعيًا لانهيار “الصيغة اللبنانيّة” وتحقيق وهم الوعد اليهوهي عبر حصار عنصر القوة الوحيد في لبنان وهو المقاومة. والشّعب يئنّ من نفاد أو تخزين بعض السّلع لترتفع أسعارها فتزداد أرباح التّجّار المحتكرين. ناهيك عن التّلاعب بسعر صرف الدّولار الذي يتسبّب بعدم استقرار القيمة الشّرائيّة للعملة الوطنيّة وهبوطها إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق. فما حصل في لبنان من كوارث وأزمات لم يُشهد مثيلٌ له في العالم منذ مئة وخمسين عامًا، حيث تمّت سرقة أموال شعبٍ بكامله، بالإضافة لأموال المقيمين والمودعين فيه من أجانب. هذه السّرقة قرّرتها الحكومات ومجالس النواب المتعاقبة، بالتعاون مع الحاكم المتحكّم بمصرف لبنان، ومشاركة المصارف. وما نسمعه من محاولات ترقيع هذه السّرقات وإعادة الأموال المنهوبة ما هو إلا عمليّة ذرّ الرّماد في العيون، لأن المتحكّمين بالقرار السياسي في لبنان هم أنفسهم مستفيدون مما حصل من سرقة أموال الشعب، وهم ما زالوا يخدمون، عن وعي أو دون وعي، المشروع الجهنّمي الذي يهدف للاستفادة من الأزمة لتحقيق مبتغاه من تطبيع مع العدو وتوطين الفلسطينيين وأسر النازحين الشاميين والتنازل عن بعض آبار الغاز والنفط في البحر. ولا مجال من خلاص وحلّ للمعضلات إلا بالوعي والعمل على التّخلّص من النّظام الطّائفيّ البغيض والشّعور بالوعي القوميّ الصّحيح الذي لامس بعض المسؤولين حدوده الأدنى، التي تندرج ضمن الرؤية الصحيحة لواقع لبنان في محيطه الطبيعي – بأن دعوا إلى التّعاون الاقتصادي ما بين لبنان والشّام والأردنّ والعراق. ولعل هذا الطّرح قد سبق ما شاهدناه بالأمس من سعي لإنشاء اتّحاد بين الأردنّ والعراق ومصر. وإزاء هذا الوضع فإنّنا نحذّر من أمرين. الأول: كلّ حركة تدور خارج محورها تكون نتيجتها الفشل. والثّاني: العودة إلى صراع المحاور الذي ساد في  فترة الخمسينيّات من القرن الماضي، ودفعنا في حينه ثمنًا باهظًا من حروب داخلية وانقلابات عسكرية وسياسيّة. ورؤيتنا للحلّ التي أعلنّاها منذ بدايات انتفاضة 17 تشرين، ومن خلال “تجمّع نداء لبنان”، و”الجبهة الوطنيّة لإنقاذ لبنان وبناء الدولة”، تتركّز هذه الرؤية على ضرورة وجود حكومة ذات صلاحيّاتٍ تشريعية استثنائيّة، تجري التعديلات القانونيّة الضروريّة، لتعزيز استقلالية القضاء وحمايته في مواجهة ومحاسبة المرتكبين، ووضع قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، والشروع في استرداد الأموال المنهوبة، وتكامل لبنان مع محيطه القومي، ووضع البرامج الاقتصادية الانتاجية غلالاً وصناعةً وفكرًا للخروج من “الاقتصاد الريعي” الهش القائم على الخدمات، التي لم يعد لبنان يستطيع أن ينافس في مضمارها، والذي تبنّته الحريريّة السّياسيّة منذ العام 1993 فقضت على ما كان من صناعات ومشاريع زراعيّة على أمل أن يجني لبنان ثمن التّسوية الشّاملة في المنطقة التي انطلقت مع مؤتمر مدريد عام 1991 وتبدّدت وتبخّرت مع فشل عدوان عناقيد الغضب في العام 1996. هذا بالإضافة إلى السياسة الدفاعيّة وضرورة حماية كرامة الجيش اللبناني وتسليحه بما يكفل دوره في حماية لبنان من العدوانات الخارجية، سياسيّةً مبطّنة أم عسكرية، والاهتمام بالبرامج التربوية التي تسهم في إيجاد ذلك الشّعور الذي ينقذنا من الشّعور “بالانتماء” الطّائفيّ المقزّز. ورغم الويل الذي نحن فيه تأتي دعوات التدويل و”الحياد” و”الفدرالية” لتشكّل خطرًا وجوديًّا على لبنان، ولنا من تجربتي العراق وليبيا عبرة. كما لا بدّ من التنبّه إلى الحاجة الملحّة للاهتمام بالمناطق شبه المغيّبة عن أذهان المسؤولين، مثل الشمال اللبناني، لحماية المواطنين وتأمين حاجاتهم الأساسيّة، وتحصينهم ضدّ التدخّلات الخارجيّة التي يمكن أن تجعلهم وقودًا طائفيًّا لمؤامراتٍ لا تهدف إلاّ إلى تحقيق مآرب الطامعين والمستعمرين، وفي طليعتهم اليهود والأتراك.

          وفي الشّام، بات الوضع شائكًا وغامضًا نتيجة الصّراعات الدّوليّة والإقليميّة القائمة، وقد تداخلت المصالح بشكل كبير، وبتنا أمام واقع مرير، فالغارات “الإسرائيلية” متكرّرة تحت كذبة استهداف مقرّاتٍ تابعةٍ لإيران، وبدون رادعٍ، لتطال الاعتداءات كلّ البُنى والمراكز التي تعتبرها “اسرائيل” خطرًا عليها… ونلحظ المزيد من الخطوات لإعادة ملفّ استخدام الأسلحة الكيميائية وما يرافقه من تهديداتٍ إلى الواجهة.. وجهود “غير بيدرسون”، بما يمثّل من قوى، هذه الجهود التي تدور على غير المحور الذي يحاول فرض الأمر الواقع الشامي لجهة الإقرار بالتطورات الأخيرة، والانتخابات الرئاسية الأخيرة، وما يحضّر ليُبنى عليها.. واستخدام الاجتماع الذي ضمّ وزراء خارجية 19 دولة بقيادة أميركانيا للتمسّك بعنوان “الحلّ السياسي الشامل الموثوق والمستدام بناءً على القرار 2254، واعتباره الحلّ الوحيد لإنهاء الأزمة المستمرّة من 10 سنوات”، مما يعيد الجهود الديبلوماسية لحلّ الأزمة الى المربع الأول… مع الحذر دومًا من أيّ دورٍ روسيّ واماراتيّ لمحاولة دفع الشام باتّجاه التفاوض مع “اسرائيل”، والدخول بعملية مهمّة بذاتها بغض النظر عن نتائجها القريبة.. عملية تنفع كمظلّة وشبكة أمان يمكن الاستفادة منها لاحقًا في أيّة عمليّة حلّ تحت مظلّة ما يُسمّى المجتمع الدولي.

أما في التفاصيل، فقد انقسمت المناطق الشّاميّة إلى محاور عدّة تتحكّم في كلّ منها مصالح وأهواء، وذلك لوجود القوى المتعدّدة في مختلف المناطق في الشّام:

ففي الجولان المحتل يمكث العدوّ الغاصب، حيث لا تمرّ مناسبةٌ إلاّ ويؤكّد شعبنا هناك على تمسّكه بهويّته الوطنيّة رغم كلّ ممارسات العدوّ التعسّفيّة بحقّ شعبنا. وما مشاركة أهلنا في الجولان في مسيرات مؤيّدة لمعركة “سيف القدس” إلاّ التّعبير الواضح عن التّمسّك بالهوية والإنتماء القوميّين. أمّا على الصّعيد السّياسي، فقد لاحت بعض الإشارات لتراجع الولايات المتّحدة الأميركيّة عن قرار ترامب القاضي بالاعتراف بأنّ الجولان هو جزء من الكيان الغاصب.

وفي الشّمال الغربي نلحظ تسارع عمليّات التّتريك في كلّ مجالات الحياة الاجتماعيّة والثّقافيّة والاقتصاديّة جرّاء الأهداف البعيدة المدى التي يصبو إليها التّركي من ضمٍّ لهذه الأراضي، منتظرًا مرور مئة عام على اتّفاقية لوزان – التي يدّعي التّركي أنّها سلخت هذه الأراضي منه – بحجّة انتهاء هذه الاتّفاقية ليعيد هذه الأراضي إلى تركيّا. والجدير ذكره أنّه عندما تدّعي تركيّا الحرص على وحدة وسلامة الأراضي الشّامية فهي لا تعتبر هذه الأراضي من أراضي الجمهوريّة الشّامية. وكذلك عودة تركيا إلى طرح ومحاولة تسويق المنطقة الآمنة في الشمال، وما يزيد غموض الوضع هناك الانغماس التّركي في الصّراعات الإقليميّة، وكان آخرها الاتفاق مع الولايات المتّحدة على التواجد في أفغانستان وأذربيجان مما أثار حفيظة الرّوس الذين يرفضون وجود قوّات أطلسيّة ولو بزيّ تركيّ على مقربة من الحدود الرّوسيّة. والمعروف أنّه حيث يتواجد العسكر التّركيّ تتواجد العصابات المسلّحة التي تتدوّر مهماتها حسب المصالح التّركيّة. ولقد شهدت منطقة إدلب وجوارها اشتباكات عسكريّة ملحوظة خلال حزيران، ترافقت مع إعلان موعد لانعقاد اجتماع لمنصّة أستانا في كازاخستان في الثامن والتاسع من تمّوز الحالي، وذلك بعد الضغوط التي مارستها الدول الغربيّة لإبقاء المعابر غير الشّرعيّة مفتوحة لإيصال الإمدادات إلى العصابات المسلّحة بحجّة إيصالها إلى المواطنين، وتفعيل استخدام الملفّ “الإنساني” من جديد لخدمة اختراق الحدود الشاميّة من كلّ الجهات، وبعيدًا عن حضور الدولة، باسم إقرار كيفية “إدخال المساعدات الانسانية دون عوائق” … ليطغى الملفّ “الإنساني” على الحلّ السياسي في كلّ ما يدور حول الشام.

أمّا في الشّمال الشّرقي فيقبع الاحتلال الأميركاني الذي يعمل على إنشاء المزيد من القواعد في المنطقة الشمالية الشرقية، وتوسيع مهابط الطائرات تمهيدًا لقدرتها على استقبال القوات الأمريكانيّة المنسحبة من أفغانستان والعراق… وفي سعيها لتأمين الغطاء الفعلي لقوّات “قسد”، ذات الطموح الانفصالي، وإقامة الحلم “الكردي” بكيان يشمل امتداداته في كلّ من العراق وتركيّا وإيران، وما تقوم به هذه القوى من نهب للثّروات الزّراعيّة والنّفطيّة وقطع المياه، وحرمان الشّعب من هذه المقدّرات يزيد من الشّرخ بينها وبين باقي أبناء الوطن. بالإضافة إلى ما بتنا نشهده من عمليّات عسكرية وانتفاضات شعبيّة ساهمت إلى حدّ ما بالتّراجع عن بعض الإجراءات التّعسّفيّة كالتّجنيد الإجباري للشّباب في صفوفها. ولا ننسى منطقة التّنف التي تسيطر عليها القوّات الأميركانيّة والتي تشكّل مصنع التّدوير للعصابات المسلّحة من بقايا داعش وأخواتها، والإبقاء على أكثر من 10 آلاف مقاتل من داعش ما زالوا بعهدة “قوات سوريا الديمقراطية” باعتراف وزير الخارجية الأمريكاني أنتوني بلينكن، للاستفادة منهم حيث يجب.

أمّا بقيّة المناطق فهي تخضع لسلطة الدّولة الشّامية التي تسعى بكلّ ما أوتيت من قوّة لتحسين الأوضاع المعيشيّة الضّاغطة جرّاء الحصار المضروب من الخارج والفساد الذي ينخر جسدها من الدّاخل، ما أوصل البلاد إلى حافّة الانهيار الاقتصادي الذي يزيد في معاناة الشاميّين ويفاقم وضعهم المعاشي.. حيث تقدّر التكلفة الاقتصادية للحرب في الشام حتى الآن بما يزيد عن 1.2 ترليون دولار.. مقابل هذه الصّورة الملبّدة والقاتمة، لا بدّ من الإشارة إلى الأجواء التي سادت وتبعت عمليّة إجراء الانتخابات الرّئاسيّة والتي كانت معروفة النتائج سلفًا. ورغم هذه الأجواء، فإنّ معالجة الأمور المعيشيّة ما زالت قاصرةً عن تحقيق أهدافها، ونحن نذكّر بمضمون بياننا الذي أصدرناه قبيل إجراء الانتخابات، إذ ليس المطلوب إجراء الانتخابات وحسب إنّما المطلوب هو أن تكون الانتخابات بوابة العبور لمشروع سياسي يشكل بداية الحل، والشّروع بوضع البرامج والخطط الآيلة إلى تخليص الشّعب من الويل الذي يرزح تحته نتيجة احتكار التّجّار وحصار الدّول الغربيّة لكلّ مرافق الحياة.

أمّا العراق الذي تلقّف مصائب لبنان عقب الغزو الأميركاني لأراضيه عام 2003 وشرعنها في الدّستور العراقي، فقد بات أسير الصّراعات المدفوعة الثّمن سلفًا من أولياء المصالح فيه. فما من رئيسٍ للوزراء يعيّن إلاّ بعد أن يتمّ التوافق بين هؤلاء الأولياء. ولنا من الأحداث التي أطاحت بحكومة عبد المهدي التي تجرّأت على عقد صفقة اقتصاديّة ضخمة مع الصّين، وجاء الكاظمي بمهمّة إلغائها لنعرف أن ليس كلّ ما يلمع ذهبًا، كما أنّه ليس لكلّ حراكٍ هدفٌ نبيل. ولعلّ أكثر المواضيع تجاذبًا في العراق هو موضوع انسحاب القوّات الأميركانيّة منه، فالحشد الشّعبي وقواه الحليفة هم الذين يصرّون على انسحاب تلك القوات ولا سيّما بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني ونائب قائد الحشد الشعبي في حينه أبو مهدي المهندس، ولا زالت الضربات الأليمة التي توجّهها المقاومة العراقية تلاحق هذه القوات. بينما هنالك قوى تهدّد بالعصيان المدني في حال انسحاب تلك القوّات. ورغم ما يصدر من أصواتٍ من هنا وهناك، تطالب بإلغاء النّظام الطّائفي، فهي لا زالت أصواتًا خافتة مغلوبةً على أمرها. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى ما جرى مؤخّرًا من محاولةٍ للتعاون بين العراق ولبنان في مواجهة الأزمة الحادة التي تطغى على الأخير، وما لاقته هذه المحاولة من معرقلات خارجية وداخلية، نتيجة خضوع الكيانَين للأمور المفعولة المقرّرة سلفًا، دون اعتبار ما يمكن أن يصبّ في مصلحة شعبنا وتحقيق حاجاته.

ويحضرنا ونحن نتابع مشروع “الشام الجديد” من خلال القمّة التي عقدت  في بغداد (قمة بغداد)، بين العراق والأردن ومصر، وبرعاية أميركانية وخليجية سعودية، وغياب الشام من حيث التمثيل، وحضورها في الاستهداف عبر محاولة تطويقها من الدول المجتمعة، وكجزء من مشروع استراتيجي يهدف إلى بلورة وضع كيانات المنطقة لتصبح جزءًا من المشروع الأميركاني الرامي لترتيب أوضاع المنطقة بما يخدم تموضعها القادم في مرحلة ما بعد الحروب العسكرية.

والأردنّ ما زال وضعه بين المطرقة والسّندان، والمحاولات المريبة للضغط عليه من حلفائه الخليجيّين والأميركان لتحسين العلاقة مع “اسرائيل”، واعتبار ذلك يساعد الاردن في مواجهة محاولات عزله ومحاصرته والضغط عليه في أجواء المنطقة الذاهبة إلى مزيد من التطبيع مع “اسرائيل”.. والحديث المتزايد عن آفاق “التحسّن الاقتصادي” المنتظر في حال حصول استقرار سياسي وأمني في المنطقة، وعلى وجه الخصوص مشاريع في مجال الغاز والطاقة… وما حصل من أحداثٍ أمنيّة واعتقالات، وما سُمّي “قضية الفتنة”، ورأسها باسم عوض الله، وزجّ اسم الأمير حمزه فيها، كلّها لها علاقة بدور الأردن المستقبلي وموقفه من عملية “السلام” بين الفلسطينيين والعدو، تحديدًا بسبب الموقف الرافض لـ”صفقة القرن”، وهو خير دليل على ذلك. ونحن قلنا في بيانٍ سابق: كيف للأردنّ أن يستقرّ وهو البلد الحاجز بين الكيان الغاصب ودول التطبيع. لذلك كان لا بدّ من التّرقّب والحذر من كلّ شاردة وواردة فيه. وما كان لافتًا هو اندفاع المواطنين لتأييد هبّة الشّعب في فلسطين، وهذا ما يعزّز الأمل بتوقّد الشّعور القومي في بلادنا، وندعو الأردن، حكمًا وشعبًا، أن يكون رفض “صفقة القرن”، والاندفاعة الأصيلة دعمًا لفلسطين في الهبّة الأخير طليعة المواقف الآيلة إلى عودة الأردن إلى محوره الطبيعي في علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية طبيعية مع محيطه القومي.

أما المتابع للحال الكويتي، فلن  يسرّه حجم واستطالة الأزمة السياسية فيها، ويحاول البعض أن يصفها بأنّها أزمة حكم، والبعض الآخر بأنّها أزمة صدام مديدة بين “السلطتين” التنفيذية والتشريعية، أي بين الحكومة و”مجلس الأمّة” (البرلمان)، الذي غلب على تركيبته في الانتخابات الأخيرة المعارضون والمستقلّون، ولكن دون أن يتمكّنوا من الحصول على رئاسة “مجلس الأمّة” مما نقل المواجهة إلى داخل البرلمان … هذه الأجواء وضعت الكويت أمام تحديات منها: إقالة الحكومة وتشكيل أخرى حينًا أو حلّ البرلمان حينًا آخر، مقدّمة لانتخابات جديدة لا تغيّر في المشهد كثيرّا ولا تقدّم حلاًّ لحالة الاضطراب السياسي القائم وشبه الدائم.

هذه الحال من عدم الاستقرار الذي يجرّب الكثيرون ردّ أسبابه إلى عوامل كثيرة مرتبطة بتركيبة البرلمان وآلية تشكيل الحكومة وحصر منصب رئيسها والوزارات السيادية بالأسرة الحاكمة وطبيعة العلاقة بين السلطتَين، وكلّها عوامل لها دورها، ولكنّنا نرى أنه مرتبطٌ بوظيفة الكيان الذي أنشئ لتأديتها .. ونرى أنّ الكويت ما زالت تحاول أن تتمايز عن غيرها من الكيانات في تموضعها للمحافظة على خصوصيّتها بما يؤمّن لها الديمومة ككيان وأسرة حاكمة، هذا التمايز نختصره بعنوانين:

  • الأول موقف القيادة الكويتية من المسألة الفلسطينية، الذي ما زال موقفًا يستحقّ التقدير والثناء والدعم. هذا الموقف المصرّ على رفض أي نوع من “التطبيع” مع العدو اليهودي في فلسطين في زمن الهرولة العربية لذلك. هذا التشبّث الذي ظهر بقيام “مجلس الأمّة” الكويتي بالموافقة على “تغليظ عقوبات التطبيع”، مذكرًا بالقانون الذي سبق أن سنّه المجلس في خمسينيّات القرن الماضي، ومؤكّدًا على أحكامه التي تحظّر “التطبيع” مع الاحتلال “الاسرائيلي”، وتعتبر “إسرائيل” دولة معادية، ويحظّر على الأشخاص الطبيعيّين والاعتباريّين عقد اتفاقات أو صفقات مع هيئات أو أشخاص مقيمين في “إسرائيل” أو منتمين إليها بـ”جنسيّتهم” أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها… واعتبار “القضية” الفلسطينية قضية الكويت الأولى وذات مكانة مركزية بالنسبة لها.
  • الثاني الامكانات الاقتصادية الهائلة للكويت التي ترعب العدو فيما لو استُثمرت في الطريق الصحيح وفي أجواء مناخٍ سياسيّ مستقرّ، حيث من المعروف أن الصندوق السيادي الكويتي تبلغ قيمته بمفرده 600 مليار دولار أميركي، وهذا جزء مما تملكه الكويت، وهو دليل على حجم الثروة الهائلة التي تمتلكها الكويت، والتي تفيض كثيرًا عن حاجتها الفعليّة، وتشكّل رافدًا كبيرًا لدعم اقتصادات الكيانات السورية الأخرى فيما لو استُثمرت فيها.

وتنتظر الاسكندرون وكيليكيا وقبرص وسيناء والأهواز أن يعيَ هذا الشعب حقيقته ليعيدها إلى حياتها الطبيعية، في دورة حياتيّة – اقتصادية – اجتماعية – حقوقيّة – متكاملة، بين الكيانات التي فرّقتها مؤامرات الاستعمار، وسلخت هذه الأجزاء عن محورها الطبيعي.

أمّا في العالم العربيّ فما نزال نشهد المشاكل عينها لاستعصاء حلّها، ولعلّ ما زاد عليها حدّة ما يحدث في تونس من استعصاءٍ يشبه إلى حدّ بعيد الاستعصاء اللبناني، لاختباء الفرقاء المتخاصمين بالدّستور واجتهادات تفسيره. وهناك تعثّر في حلّ كلّ من مشاكل اليمن وليبيا نتيجة صراعات الدّول المنخرطة في تلك المشاكل. ناهيك عن موضوع سدّ النّهضة الذي يثقل كاهل مصر في معالجة نتائجه المدمّرة عليها.

وفي العالم، المشغول بالصراعات بين الأحلاف، تتقارب حينًا وتتباعد أحيانًا كثيرة. والبارز اليوم هو الاتفاق النّووي الإيراني، فهو يشكّل أحجية العصر بين إقرار وإلغاء. وبين مفاوضات مباشرة وأخرى غير مباشرة، ويوم تفاؤل وآخر تشاؤم. والاتّفاق هذا له تأثيرات إقليمية أكثر منها دوليّة، حيث أنّ تأثيراته تطال البحار الثلاثة: البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وبحر العرب. واللقاء بين بوتن وبايدن لم يأت بحلّ، إنّما فتح الباب لاستكمال البحث بين المسؤولين في البلدين. مع التّركيز الأميركانيّ على الصّين كونها المنافس الخطر على المستوى الاقتصادي، والذي حتمًا يقود إلى التّنافس السياسي – العسكري. فيعمل بايدن على خفض مكانة منطقة “الشرق الأوسط” في أولويات سياسته الخارجية والتركيز على صراع الولايات المتّحدة مع الصين كأولوية، ومن بعدها تأتي روسيا وايران .. دون أن ينفي رغبة أمريكية وسعيًا للعمل المشترك مع تركيا في الملف الشامي، وترك الحوار مع روسيا بخصوص الشام على مستوى العسكريين الموجودين هناك…

أيّها القوميّون الاجتماعيّون

إزاء ما تمّ عرضه من أحوال الأمّة ومحيطها، يظهر بجلاء حجم المسؤوليّة الملقاة على كاهلنا، والعمل المترتّب علينا، لمواجهة التحديّات والمؤامرات المحدقة ببلادنا، وتحقيق نهضة أمّتنا ورفعتها.

وفي هذا الشأن، وجّه حضرة الزعيم طلاب الجامعة الأميركانيّة، في العام 1949، قائلاً:

“إنّ الحركة القومية الاجتماعية، قد حقّقت شيئًا أساسيًا داخليًا وهو الوعي القومي واتّخاذ القوميّة عاملاً روحيًا، عاملاً موحّدًا القلوب والأفكار، موجّهًا القوى القوميّة في إرادةٍ واحدةٍ وعملٍ منظّمٍ واحدٍ نحو غايات الأمّة العظيمة. هذا النسيج الجديد من الإرادة والأفكار هو شيء ضروريّ جدًا، شيء لا يُستغنى عنه مطلقًا للنهوض بالأمّة من الحضيض التي وصلت إليه وللتقدّم بها نحو ميادين الحياة الواسعة. كلّ محاولة بدون هذا النسيج، بدون هذه الوحدة الروحيّة الفكريّة في الإرادة والعزيمة المرتكزة إلى شيء حقيقي واقعي، إلى مجتمع واحد في حياة واحدة ومصير واحد، بدون هذا الأساس لا يمكن النهوض ومواجهة الأفكار بأمل الانتصار.”

لقد مرّ على إطلاقنا مبادرة توحيد صفوف القوميّين شهور أربعة، ولاقينا ردود الفعل الأولى المرحّبة من كافّة الذين تم الاتّصال بهم، ولكن هذا لا يكفي، حيث أنّ المطلوب تقديم اقتراحات وخطوات عمل تنفيذيّة تحوّل الأماني إلى أفعال، فالتّاريخ يسجّل الأفعال لا الأماني كما قال سعاده، وقال أيضًا نحن أحوج ما نكون إلى رجال أعمال لا رجال أقوال.

فليكن لنا من دم الفادي نداء متجدّد لنعيد رصّ الصفوف البديعة النّظام تحت راية الزوبعة الحمراء ليكون لنا إرادة لا تردّ لأنّها القضاء والقدر.

المركز، عيد الفداء، 2021                          رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي

                                                                             الرفيق الدكتور علي حيدر                                                                                                                                    

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *