انتخابات الرئاسة الشامية بين الفراغ والاستعصاء

الحزب السوري القومي الاجتماعي             

رئاسة الحزب

انتخابات الرئاسة الشامية بين الفراغ والاستعصاء

بعد عقد ونيف على اندلاع الحرب في الشام – التي لا نبالغ إن قلنا إنّها استحالت من المعنى الكياني للحرب، إلى حربٍ على القلب النابض للأمّة السوريّة برمّتها – يتجاذب المشهد السياسي العام عاملان يبدوان وكأنّهما متواجهان:

العامل الأول هو الالتزام بمواعيد الاستحقاقات الدستوريّة التي ما انفكّت تُنجز في مواقيتها الدقيقة منذ بداية الحرب وحتى اليوم، وفي ذلك إصرارٌ على منع مخطّط إسقاط الدولة عبر إدخال مؤسساتها الدستورية في الفراغ، وهو أمرٌ مهمٌ ومطلوب.

أمّا العامل الثاني، فهو الوصول إلى حلّ عبر إنجاز عملية سياسية طال الحديث عنها، وتشعبت الرؤى إلى حدّ الصدام حول آليات إنجازها ومضمونها. ومع ذلك ما زالت بعنوانها الرئيس تشكّل، بإقرار الكثيرين في الداخل والخارج، المخرج والطريق لمواجهة الحرب على الشام، بل الاستحقاق الأهمّ الذي يجب أن يعمل على إنجازه كلّ مخلصٍ للبلاد….

وبين دعاة ومريدي كلٍّ من هذين العاملين، ينقسم الفرقاء إلى من يعتبر أنّ كلًّا من العاملَين هو في مواجهة الآخر ويلغيه، ومن يعتبر أنّ أحدهما هو مدخل للآخر، مع الاختلاف على الأولوية بينهما…

وبين هذه الاعتبارات، تبرز إشكالية الخطاب السائد عند الأطراف السياسيّة السوريّة، وعلى وقعها تترنّح مصلحة الأمّة والوطن…

فالاستحقاقات الدستورية، على أهمّيّتها، ليست بديلًا عن وضع الأسس السليمة للعملية السياسية وإنجازها في أسرع وقت ممكن وبما يحقّق مصلحة البلاد. وفي المقابل، لا يجوز رهن إنجاز هذه الاستحقاقات أو تجاوزها إلى حين إنجاز العمليّة السياسيّة المطلوبة…

وعلى وقع ما سبق، يبدو واضحًا أنّ البعض قد استمرأ فكرة إنجاز الاستحقاقات المتتالية بما هو حاضر وممكن، وكأنّ ذلك هو المطلوب (وكفى)، دون الالتفات إلى خطورة الاستعصاء الحاصل في العملية السياسيّة… بينما بنى بعضٌ آخر خطابه على رفض ومقاطعة أيّ استحقاقٍ سابقٍ أو حاضرٍ أو مقبل بحجّة عدم الوصول إلى حلٍّ سياسي، دون الالتفات إلى ما ينتج عن ذلك من محاذير ومخاطر… ودون تدبُّر كيفية تجنّب وصول البلاد إلى فراغ في أيّ مجال من المجالات الإدارية والتشريعية والسياسية…

وبين خطر الموقفَين الأقصيَين نقول: الطرفان يتحمّلان مسؤولية ما وصل إليه الوطن والمواطن في ظلّ حرب مباشرة ومداورة من الخارج. فما تحتاجه البلاد هو أن نتّفق ونعلن أنّه: لا فراغ ولا استعصاء…

ما نحتاجه هو منع البلاد من الدخول في نفق الفراغ، ورفض اعتبار إنجاز الاستحقاقات الدستورية في مواعيدها مناقضًا لاستحقاق إنجاز عمليّة سياسيّة حقيقيّة وفق قواعد علمية أساسها وحدة المجتمع، تُخرج البلاد من النفق المظلم الذي تاه الكثيرون في متاهاته…. بل على العكس تمامًا، على القوى السياسية أن تعتبر إنجاز الاستحقاق الدستوري فرصةً حقيقيّة لتنكّب مسؤوليّة الوصول إلى حلّ سياسي واجب التحقيق، وعلى المرشّحين أن يدركوا ذلك، فيجعلوا العمل على اجتراح الحلّ السياسي في مقدّمة برامجهم الانتخابيّة ويعلنوا استعدادهم لتنكّب تلك المسؤولية.

نعم للانتخابات الرئاسية في موعدها… ولا لكلّ طرحٍ يُدخلنا في متاهات الفراغ…

ونعم أعلى صوتًا للحلّ السياسي عبر بوابة الانتخابات الرئاسيّة الحاليّة… ولا لاعتبار إنجاز الانتخابات انتصارًا بحدّ ذاته…

فالحلول تأتي من البناء، وكم نحن بحاجةٍ إلى بناء ما تهدّم بهمّة الجميع وسواعدهم وعقولهم، ودون ذلك، سنواتٌ أخرى من الهدم لبلادٍ لم تعد تحتمل المزيد…

فحالنا ليست بخير أبدًا كما يحاول البعض أن يكابر ويقول بما يخالف قناعاته الداخلية التي يعلن عنها في الغرف المغلقة ويجاهر بعكسها… وليصمت من يحاول الاصطياد في الماء العكر، وليكن أكثر تواضعًا من يحاول إيهام الآخرين أنّ حالنا بألف خير…

إن نتائج الانتخابات، على أهميّتها، ليست العنصر الأهمّ في حصولها. وصحّة التمرّس بالعمليّة الانتخابيّة، ترشيحًا واقتراعًا، يفوق أهميّة النتائج التي ستُعلَن في نهاية المسار الانتخابي.

على الجميع، مرشّحين وقوى سياسية، أن يكون عملهم خالصًا لما تقتضيه مصلحة الشعب… وبناءً عليه يضع المرشّحون بيانات وبرامج انتخابيّة واضحة المعالم، قابلة للنقد، وتقوم القوى السياسيّة – لا سيّما من يدّعي منها أنه من القوى التغييريّة – بجعل تلك البيانات والبرامج معايير لإعلان الدعم أو عدمه، بدل أن تقوم بإعلان الولاء والمبايعة قبل الاطّلاع على كافة الخيارات والاحتمالات، فتتخلى عن دربتنا التي تحمي صحّة مواقفنا والتي تقول إنّه «بعد الاطّلاع يمكن تكوين رأي»..

إنّ السوريّين القوميّين الاجتماعيّين يشخصون بأبصارهم وبصائرهم في اتّجاهٍ واحدٍ لا يحيدون عنه، ألا وهو الاتّجاه الذي يحقّق مصلحتنا العليا: ”مصلحة سورية“، التي هي فوق كلّ مصلحة. ولأنّ تكوين الرأي لا يكون إلّا بعد الاطّلاع، فإننا ننتظر من المرشّحين بياناتٍ انتخابيّة جدّيّة وحقيقية، تُعلَن ليتسنّى لنا ولسائر المواطنين درسها وإعلان الموقف منها، وتأييد أو معارضة أصحابها، وتقييم نجاحهم أو فشلهم وفقًا لمندرجاتها…

بالابتعاد عن ردّات الفعل، وبنبذ العصبيّات الهدّامة، وبالتمرّس بالفاعليّة الواعية، تحيا سورية.

المركز في 2021.5.4                                        رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي

                                                                                 الرفيق علي حيدر                      

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *