من التقديس إلى التدنيس إلى التدمير...
من المستفيد؟؟؟
عمدة الإذاعة
ما حصل الأسبوع الفائت في بعض الدول الأروروبية من رسوم كاريكاتورية تستهدف الإساءة إلى النبيّ محمّد (ص)، لاقى استهجانًا من بعض الدوّل ورفضًا مطلقًا من دول أخرى، وغضبًا عارمًا من شعوب وحكومات دول رأت في ما نشر يستهدف أقدس مقدّساتها. ومما لا ريب فيه أنّ مثل هذه التصرّفات تخفي وراءها مخططات تتجاوز البلد أو البلدان التي نشرت فيها تلك الرسوم، كما أنها تتجاوز حدود الزمان الحاضر إلى ما هو أبعد منه.
أن تجتاح موجة من الاستهجان والغضب مَن أصيب في صميم معتقداته الدينية أو من يحترم الأديان السماوية انطلاقًا من احترامه لدينه ولنفسه، فهذا من بديهيات التفاعل بين المجتمعات الراقية من أجل رفعة الإنسان وسموّ تطلعاته.
ولكنّ الأهمّ من ذلك أن يضع المؤمنون الخلّص الإصبع على الجرح، أي أن ينصرفوا إلى البحث عن الجهة المستفيدة التي حاولت تدنيس المقدّسات، والغاية المباشرة والبعيدة من مثل هذه التصرفات الشائنة.
وحين يحددون بدقة الجهة والسبب والهدف، يمكن آنئذٍ أن توضع خطة مدروسة للمواجهة؛ وإلاّ كانت كلّ التحرّكات عشوائية، وربّما تخدم أولئك الذين نشروا الرسوم وحصلوا على مبتغاهم من الفوضى التعبيرية.
وفي سياق المساعدة على ذلك من حقنا أن نسأل:
أليس الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمديّة دعوة واضحة للمحبّة والتفاعل الإنساني، وإيمانًا بالله الواحد الأحد؛ لكلّ الناس في كلّ زمان ومكان؟
ألا يحترم الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمديّة الإنسان في معتقده الديني، ولا يلزم الآخرين في اعتناق دينه لأن هذا الأمر ينحصر في علاقة الفرد بخالقه؟
هل يقول المسيحيّ أو المحمّديّ بأن الخالق اختاره ليحكم العالم أو ليكون العالم خادمًا له؟
ألا تشكّل المسيحية والمحمّديّة المعتقدات القيمية التي تقرّب الحضارات من بعضها البعض، وتؤمّن جسور التواصل بين الإنسان والإنسان في كلّ مكان وزمان؟
من هي الجهة أو الفئة أو الجماعة أو الفكر أو العقيدة التي ترفع الحواجز بين الناس؟
ومن هم الذين يدّعون أنّ طينتهم هي من غير طينة البشر؟
ومن هم الذين يتوهمون أنّ الله اختارهم لحكم العالم، ولإبادة سكان الأرض من الفرات إلى النيل بادعاء أنّ طهر هذه الأرض لا يتمّ إلاّ بالتزاوج الأقنومي معها ؟
ومن هم الذين أطلقوا مقولة "صراع الحضارات" التي تناقض قيم المسيحية والمحمدية، وتخدم من يعمل للتفتيت والتقسيم والتفسيخ أرضًا وإنسانًا؟
ومن هم الذين رسموا على ثيابهم الداخلية السفلى، وعلى أحذيتهم شارة الصليب وبعض الشعارات المسيحيّة الأخرى؟
ومن هم الذين يبصقون قرب الكنائس ويرمون أقذارهم قربها؟
ومن هم الذين أنتجوا أفلامًا تشوّه سيرة المسيح وحقيقة المسيحية؟
ومن هم الذين يثيرون النعرات بين المسيحية والمحمدية في شحن بغيض حارق؟
وأخيرًا لا آخرًا من هم الذين صلبوا السيد المسيح وحاربوا النبي جهارًا حينًا وبالطعن في الظهر حينًا آخر؟
هذا غيض من فيض ممّا يكشف عن الوجه الحقيقيّ لليهود، ويمهّد السبيل أمام الباحثين لتحديد أولئك الذين يعملون على الإثارات والنعرات والاصطراعات بين مختلف الشعوب والديانات والحضارات، جاعلينها غذاءهم اليومي؛ وهم موقنون أن استمرارهم منوط بإذكاء كلّ ما يفرّق، وتهديم كلّ ما يجمع.
في ضوء هذه المعطيات يصبح لزامًا علينا تحديد المخطط والمحرّض والمستفيد، وتحديد السبل والوسائل التي تضع حدًا لأي اختراق في أي مجال. ومن البدهيّ القول أن الانفعالات والتصرفات الهوجاء والاندفاعات العشوائية تصبّ كلّها في خانة المخططين وتشكّل استجابات للمحرّضات التي جعلوها وقودًا لتحقيق أهدافهم.
فما يحصل في فلسطين وما يجري في العراق وما حصل في الشام، وما حصل البارحة في لبنان روافد تصب في محيط المخطط الكبير الذي رسمه من لا يريد الخير لشعبنا في كلّ كياناته. إنّ عود الثقاب الذي أشعله معلومون بالمنطلق والغاية في الدانمرك والنروج وفرنسا وسواها كان الهدف منه تعميق الفجوة بين شعوب هذه البلدان وشعوب العالم العربي، ليسهل على اليهود تحقيق أهدافهم في أمتنا والعالم العربي وفي مجمل أنحاء العالم تاليًا.
إنّ الذين أقدموا على ما أقدموا عليه من تصرفات تدميرية إن بالنسبة للسفارات أو لدور العبادة أو للممتلكات الخاصة والعامة استجابوا بطريقة أو بأخرى للاستهدافات البعيدة التي رمى إليها من أساءوا إلى النبي(ص) في رسومهم الكاريكاتورية. وكان الأحرى بهم أن يدركوا خطورة المجريات، ويلجموا اندفعاتهم الغاضبة، ويطوّقوا من تسوّل له نفسه حرف الاحتجاج عن خطه الراقي، لأنّ سوء الالتزام يصم الجميع، ويسيء إلى الهدف الواضح للمظاهرة.
إنّ سحق المساوئ لا يتمّ إلاّ بلجم كلّ ما يثير نعرة طائفية أو مذهبية أو تقسيمية والتسلّح بأكبر قدر من الوعي لكي نفوّت على الأعداء فرصة إعادة الأوضاع إلى حالة لا تخدم أحدًا في الداخل بل كلّ محصلاتها تكون في خدمة المخططين لها.
إنّ اتقاء الأخطاء خير من معالجتها؛ والمطلوب أن نطفئ النار لا أن نكون وقودًا لها.
المركز في 6/2/2006 عميد الإذاعة
في الحزب السوري القومي الاجتماعي
نايف أبو جاد
ابدي رأيك |
إطبع |
أرسل |
احفظ















