عندما تكون العين… على السلاح!

الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ

عمدة الثقافة والفنون الجميلة

عندما تكون العين… على السلاح!

أحيانًا قد يكون التكرارُ في سرد تاريخٍ لم نزل حتى الآن بين براثنه وأنيابه مدعاةً للملل والقنوط، ولكن الأكثر مللًا وخطورة من هذا هو عدم التعلّم من تجارب هذا التاريخ الذي لم تزل دماؤنا فيه ساخنة الملمس وحاضرة الوقع والأثر، ثم ارتكاب الأغلاط تلو الأغلاط إلى المستوى الذي نبلغ فيه أن نجرَّ معنا بلادًا بأكملها ووجودًا اجتماعيًّا بكلّ مقوّمات استمراره.

لعلّ المثل البارز في ذاكرتنا القريبة هو الرئيس الراحل صدام حسين حين أخذته الغفلة وصدّق مباركة الأمريكيين دخوله الكويت، ثم كرّت بعدها سبحة الغفلات التي لم تنتهِ حتى بانفصال رأسه وتدمير عراقه، فقد فُرِض عليه أولًا التخلّي عن أسلحته المصنّفة بالإستراتيجية، وراح بعدها يقدّم في هذا السياق التنازلَ تلو التنازل والهدية تلو الأخرى. لقد كان في خلده أنّ خطواتٍ كهذه ستدفع عنه شبح مواجهة جديدة بعد مواجهات ”حرب الخليج الأولى“، ولربما كان هناك من ممثّلي القوى المعادية من أقنعه أنّ هذه القوى لا تريد منه غير تسليم سلاحه فقط، أمّا بقاؤه في السلطة فلا مشكلة فيه، فيما الواقع كان أنّ قرارًا قد اتُّخذ في الغرف السوداء العاملة على فكفكة أسس ومقوّمات بقائنا، وأنّ المطلوب هو رأس الكيان العراقي نفسه لا رأس صدّامه، وأنّ الحرب قادمة.. قادمة بحجّة أو حتى من دون حجّة، ولعلّه كان من أهمّ عناصرها التحضيرية الأولية أن تُخاض في الحدّ الأدنى الممكن من الخسائر، لا سيّما منها ما قد يطال ”شعب إسرائيل“ أو أيًّا من مرافقها الخطيرة الحسّاسة.

من الجدير بالذكر هو خصوصية هذا النموذج، فلم يكن صدّام في الصفّ المعادي لأمريكا أو عضوًا في أيّ من ”محاور الشرّ“ الغنيّة عن التعريف، هو الذي خاض حروبًا نازفة بمباركة حارّة من الأمريكان وبتأييد ودعم مطلق من جيران العراق- وممن حوّلوا بعدها أراضيهم منصّة لتدمير كامل بنيانه- إلّا أنه، ومن باب الإنصاف والأمانة لا أكثر، كان للرجل طلبٌ في العمل على إقامة عراق قويّ، فكان ذلك السبب الجوهري الكافي لقوى ”الفوضى الخلاقة“ لإنهاء حكمه وتخريب مرافق العراق تخريبًا مبرمجًا مبرمًا لم يُبقِ منه لا سلاحًا ولا جيشًا، لا حجرًا ولا مؤسّسات، لا بشرًا ولا صروح علم، حتى آثاره الموغلة عمقًا في أصول الحضارة نُهِب معظمها والباقي أصبح ركامًا ممحيَّ المعالم.

في ظروف شبيهة من حيث الشكل لتلك، تمّ احتلال أفغانستان وأُسقط حكم طالبان، الذي كان قد أمضى سنوات في خوض حروب أمريكا ضدّ الاتّحاد السوفياتي ثم انقلبت صورته على نحو سريع ومفاجئ، وعلى أثر مسرحية البرجين الشهيرة في 11 أيلول 2001 التي أدّت إلى احتلال أفغانستان تحت حجّة رعايتها ”بن لادن“، هذا الذي تبخّرت جثته لاحقًا بشكل لن يصل إلى يقين واضح أو مفهوم ما إذا هي توارت بين أسماك المحيطات الشاسعة أم في دهاليز الأجهزة الضيقة المعتمة.

وبحسب ظروف كلّ بلد، وخصوصية كلّ حالة، حدث ما حدث في ليبيا التي كان رئيسها قد أمضى سنوات ما بعد السوفيات وهو يدفع مخصّصات مالية ثابتة لمجموعة عريضة من المسؤولين الأوربيين- وهذا ما يظهر اليوم في محاكمات معلنة لبعض هؤلاء المسؤولين- وبحجّة ”المظلومية“ التي مثّلها القذافي في الإعلام الغربي، ولأنّه كان حاكمًا قاسيًا أودى بحياة أفراد أو عشرات الأفراد من أبناء شعبه تمّت الإطاحة بحكمه، وراح يسقط الألوف من القتلى تلو الألوف ومعهم مقوّمات الحياة والوجود التي كان يجب أن تنسجم، ولو شكلًا، مع الشعارات ”الإنسانية“ المرفوعة في سياق الحروب الحديثة الموزّعة على الشعوب يمينًا وشمالًا.

وفيما يتعلّق بحصّة شعبنا من حروب ما بعد السوفيات، لا نرى بدًّا من إعادة التذكير والتنبيه إلى أنّ حرب العراق أودت وحدها بحياة ما يقارب الثلاثة ملايين نسمة وأكثر من خمسة وعشرين ألف عالم وخبير، ومجهود شعب على مدار ما يزيد عن مئة عام منذ زوال الاحتلال العثماني لبلادنا، وبعد كلّ هذا علينا نحن الأمّة السورية، وتحت أساليب البثّ الإعلامي الخبيث نفسه العامل لتحقيق ”أرضكِ يا إسرائيل من الفرات إلى النيل“، وفي السياق المتسلسل المشابه للنموذج العراقي، أن نعود ونصدّق أنّ المطلوب في الشام هو رأس ”الأسد“ لا رأس الشام، وأنّ المستهدَف هو نظامُ حُكمٍ فقط لا النظام برمّته وبكافة أشكاله ونواحيه، ومثل ذلك ما يحاك للبنان وجيشه شبه الأعزل، واقتصاده المنهك الأساس، ومقاومته وغازه ونفطه وكلّ أسس الحياة الاجتماعية الآمنة فيه.

أيّها السوريون المحارَبون في دينهم وحقّهم في السماء، وفي أرضهم وحقّهم في الأرض، وفي حقيقتهم وحقّهم في أنّهم سوريون وأنهم أمّة تامّة مثبتة مؤيّدة مع زعيم النهضة السورية القومية الاجتماعية بثوابت العلم والتنقيب ومسارات الجغرافيا والتاريخ والمصير والثقافة والاقتصاد.

أيّها السوريون إنّ عدوّكم خبيث يحرّكه وهمٌ ديني متحجّر بوجوب زوالكم من هذا الوجود، فتنبّهوا دومًا إلى أنّ «القوة هي القول الفصل في إثبات الحقّ القومي أو إنكاره»، وأنّ مبدأ إعداد جيش قويّ يكون ذا قيمة فعلية في صون حياة الأمّة وضمان تقدّمها وارتقائها هو مبدأ إصلاحي، ولكنّه المبدأ الذي يساوي اليوم وجودنا كأمّة وبقاءنا كشعب له حقّه في الحياة، فلا تنخدعوا لحظةً واحدة فتساوموا على سلاح هو الآن في قبضاتكم، أو أيّ نوع قوّة سعيتم لكي تكون في متناولكم بين أياديكم.

                                                                                لتحيَ سورية وليحيَ سعاده

المركز في 6 تموز 2020                                            عميد الثقافة والفنون الجميلة

الرفيق عارف مهنا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *