بيان الشعبة السياسية لمناسبة ذكرى اغتصاب فلسطين

15 أيار ذكرى اغتصاب فلسطين

“العبيرو” إنهم قبائل الشر… و “يهوه” إلههم القبلي الخاص بهم لا يأمر إلا بالقتل وبقْر بطون الأمهات وإبسال كل نسمة حياة… وهذا شأنهم وسلوكهم منذ أن مرّوا بأرضنا قبل ثلاثة آلاف عام وحتى اليوم. يكيدون المكائد… ويدّسون الدسائس… ويتباهون بالفعل الشنيع… ينسخون قصص وحكايا القبائل التي نبذتهم وقاتلتهم… فيمسخونها ويحرفونها ويدوّنونها في توراتهم. فإذا بـ “العهد القديم” مصدرًا لثقافتهم، وخديعة خدعوا به الشعوب ومن وصلت إليهم أقدامهم. وعنوان خديعتهم وعد “يهوه” لهم بأن يسكنهم أرض الكنعانيين وتكون لهم “أرض الميعاد”. وإذا إلههم “يهوه” دلاّل عقارات يعدهم بقطعة أرضٍ محددةٍ “أرض الكنعانيين” ولا يعدهم بالجنة التي وعد الله الناس بها خارج حدود الزمان والمكان.

وسرت الخديعة اليهودية بالعودة إلى “أرض الميعاد” وأكثر من وقعوا بخنادقها هم رجال الدين المسيحي وعلى رأسهم الكنيسة في أوربا. وتمكن اليهود من انتزاع قرار كنسي هو غايةٌ في الخطورة، يقضي بدمج “التوراة” و “الإنجيل” وإصدارها بكتابٍ واحد هو “الكتاب المقدس”. وهكذا أصبح المسيحي ملزمًا بقراءة “التوراة” وحفظها قبل قراءة “الإنجيل المقدس”. وهذا حال من وصل إلى مركز القيادة في الدول الغربية ونخصّ منهم قادة إنكلترا وفرنسا ودول أوربا الشرقية، ولم تكن أمريكا في ذلك الوقت قد وقعت كليًا في خندق الخديعة اليهودية بدليل وصيّة الرئيس الأمريكي بنجامين فرانكلين التي حذر بها الشعب الأمريكي من خطر اليهودية.

وفي القرن التاسع عشر نشط أغنياء ومفكروا اليهود في أوربا الغربية والشرقية وتغلغلوا بين قيادات زعمائها ليحصلوا على دعمٍ مكّنهم من إطلاق الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر آخذةً دورًا مهمًا في بداية القرن العشرين أثر في نتائج الحرب العالمية الأولى مقابل وعدٍ حصلت عليه الحركة الصهيونية من وزير خارجية بريطانيا ألثر بلفور. يقضي بإعطاء وطن قومي لليهود. وتأخذ إنكلترا وفرنسا على عاتقيهما مسألة تنفيذ هذا الوعد وهما اللتان سبق لهما أن اتفقتا على تقسيم سورية الطبيعية “الهلال الخصيب” إلى منطقتي نفوذ وإنتداب لهما وفق اتفاقية سايكس ـ بيكو.

وبعد الحصول على وعد بلفور عام 1917 ينشط زعماء الحركة الصهيونية بشكلٍ ملحوظ كحركةٍ سياسية ورأسُ حربةٍ يهودية ويتمكنوا من أن يقنعوا زعماء الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى في تكوين منظمةٍ دولية هي “عصبة الأمم” كان همها اقتسام الدول المستضعفة ونهب خيراتها وخلق مناخاتٍ بين دول العالم يتمكن اليهود من خلالها التأثير على سياسات معظم الدول وإقناع زعمائها بأهداف الحركة الصهيونية وإيقاعهم في خندق الخديعة اليهودية للعودة إلى فلسطين “أرض الميعاد”.

فيتحول وعد بلفور من وعدٍ شخصي إلى وعد دولة “بريطانيا” إلى مشروعٍ دولي تعمل جميع دول “عصبة الأمم” على تبنيه وعلى تحقيق ذلك الوعد خلال فترة الانتداب الإنكليزي والفرنسي على كيانات أمتنا السورية وعالمنا العربي.

وبعد عام 1920 يشعر اليهود أنه هناك حضنًا جديدًا قابلاً لاحتضانهم هي الولايات المتحدة الأمريكية، فيتوجهون إليها كحضنٍ داعمٍ لمشروعهم أو بديلاً لحضن أوربا مستقبلاً إذا اقتضى الأمر. في حين كان ساستنا والمتنفذين من أبناء أمّتنا في حالة جهلٍ تامٍ لما تخطط له الحركة الصهيونية، وما يعمل على تنفيذه قادة الدول الغربية دعمًا لليهودية العالمية.

إلا أن فتىً من أبناء أمّتنا السورية، وكان في العشرين من عمره، قد نبّه في مقالةٍ له نشرها من مغتربه عام 1925 من خطورة الحركة الصهيونية على الأمّة السورية ودعا أبناء سورية إلى تنظيم حركةٍ في الشرق على درجةٍ عالية من الدقة والتنظيم لمواجهة الحركة الصهيونية. هذا الفتى هو أنطون سعاده والذي عاد من مغتربه ليطلق في العام 1932 الحركة القومية الاجتماعية، وغايتها بعث نهضة في الأمّة السورية تعيد إليها حيويتها وقوّتها وتعمل على تثبيت سيادتها واستقلالها وتؤّمن مصالحها وترفع من مستوى حياتها، متضامنةً مع بقية أمم العالم العربي عسكريًا واقتصاديًا وثقافيًا لمواجهة التحديات الخارجية. ومعلنًا حربه على اليهودية العالمية، ومستنفرًا قوى الأمّة لمناهضة الصهيونية، منشأ فرقةً عسكرية من السوريين القوميين الاجتماعيين هي فرقة “الزوبعة” بقيادة الرفيق جورج عبد المسيح للقتال إلى جانب أبناء شعبنا في فلسطين يوم أعلنت الثورة في عام 1936 لمواجهة قوات الانتداب البريطاني وعصابات الهاغاناه وشتيرن الصهيونيتين. يومها وقع مفتي القدس الحاج أمين الحسيني بالفخ البريطاني وفي خندق الخديعة اليهودية فأوقف الثورة. ما دعا سعاده إلى أن ينبهه ويعلن في وجه الحاج أمين الحسيني أن وقف الثورة عام 1936 يعني قيام دولة “إسرائيل” وهذا ما حدث. إلا أن الحركات الوطنية والشعبية لم توقف مقاومتها للانتداب البريطاني واستمرت في مقاتلة العصابات الصهيونية. ولنا مثال على ذلك هو سقوط ابن مدينة حماه على بطاح فلسطين الشهيد سعيد العاص قائد فرقة الزوبعة القومية وكذلك ابن اللاذقية الشهيد الشيخ عز الدين القسام….

وما بين الحربين العالميتين كثّف اليهود من عملية نقل حضانتهم إلى أمريكا. وأججوا الصراع ما بين دول أوربا الصناعية واليابان لتنفجر الحرب العالمية الثانية عام 1939 مدمرةً أوربا واليابان، لتنتهي بانتصار دول الحلفاء وأمريكا وتتجه هذه الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية إلى تنفيذ خطةٍ يهودية تقضي بإنشاء جمعيةٍ دولية تكون هي الشرع بين الدول وتؤمن مصالح الدول المنتصرة في الحرب، ويتمكن اليهود من خلالها الحصول على قرارٍ يمكنهم من تنفيذ وعد بلفور بإنشاء وطنٍ قومي لهم في فلسطين له صفة الشرعية الدولية. وهكذا أنشئت في العام 1946 “جمعية الأمم المتحدة” وبفكرةٍ يهودية.

ولم يمضِ عام واحد على تأسيس “هيئة الأمم المتحدة” حتى استطاع اليهود أن يحصلوا من الجمعية العمومية للأمم المتحدة على قرارٍ يحمل الرقم 181 تاريخ 29 تشرين الثاني 1947 يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين “عربية” و “يهودية” وترك القدس تحت الوصاية الدولية لمدة عشر سنوات على أن يصبح هذا القرار نافذًا نهائيًا قبل بدء تشرين الأول عام 1948 كما فرض القرار على كل واحدة من الدولتين تقديم تصريح إلى “هيئة الأمم المتحدة” يكون بمثابة خطوط رئيسية لدستور تلك الدولة… وهكذا تم اغتصاب فلسطين.

ويتحرك قادة كيانات أمّتنا وساستها والعالم العربي. تحرُّكَهم الخجول والمشلول لمواجهة قرار تقسيم فلسطين، ولا نجد في التاريخ نتائج تُذكر لهذا التحرك… في حين تحرَّك يهود العالم تقودهم الحركة الصهيونية تحركًا مذهلاً لتنفيذ قرار التقسيم… كما أخذت قوات الانتداب البريطاني بالانسحاب تدريجيًا من مواقعها في فلسطين وتسليمها للعصابات الصهيونية تمهيدًا لتنفيذ قرار “هيئة الأمم المتحدة” رقم 181. وقد حددت بريطانيا يوم 15 أيار 1948 موعدًا نهائيًا لانسحاب قواتها وإنهاء الانتداب على فلسطين. وبنفس اللحظة يعلن قادة العدو اليهودي عن قيام دولتهم اليهودية “إسرائيل” في 15 أيار 1948 لتبادر الدول الخمسة الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وتعلن اعترافها بدولة العدو “إسرائيل” ويتداعى عددٌ من دول العالم ـ وليس كل دول العالم ـ للاعتراف بها. وهكذا ارتكبت الدول الخمسة الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي أكبر جريمة في التاريخ، حين أصدرت قرارًا يقضي بتشريد شعبٍ من أرضه وتجميع شذّاذٍ ليحلوا محله، وينشئوا دويلةً ذات مجتمع غير طبيعي تنتفي عنه كل خصائص علم الاجتماع البشري، ودولةً تنتفي عنها كل مقومات الشرعية… فلا حدود لدولة العدوّ اليهودي “إسرائيل” ولا دستور لها ولم تكتمل “شرعيتها الدولية” بعد حتى داخل المنظمة التي أصدرت قرارًا بإنشائها.
ويتحرك العرب مرة أخرى بعد 15 أيار 1948 تحت قيادة الملك عبد الله لتحرير فلسطين. ويا خجلنا من التاريخ. وخجلُ تلك الجيوش العربية التي تحركت لتحرير فلسطين ! فقائد القوات العربية الملك عبد الله لا يعرف من هم قادة بقية الجيوش العربية لينسِّق معهم، ورئيس أركان الجيوش العربية السيد طه باشا الهاشمي كان مقره في إحدى مقاهي عمان، والملك فاروق تاجر أسلحة فاسدة، ووزير دفاع الجيش الشامي المهندس أحمد الشرباتي لا تملك وزارته جهاز هاتف للاتصالات ما دفعه للاستقالة من وزارته بعد خمسة أيام من حرب الجيوش العربية الفاشلة عام 1948.

والأخطر من فشل تلك الجيوش في تلك الحرب هو ما أقدم عليه أنور السادات سليل الملك فاروق بتوقيع اتفاقية “كامب ديفيد”، وبعده يأتي من هو سلالة الملك عبد الله ليوقع اتفاقية الاستسلام مع العدوّ في “وادي عربة” ليمنحان العدوّ اليهودي ما يساعده على رسم حدودٍ له وعلى اعترافٍ جزئيٍ “بشرعية وجوده”…

وتبقى المقاومة في لبنان وفي فلسطين والشام وأهل الشام أملنا في أن يستمر الصراع مع العدوّ اليهودي إلى أن تتم استعادة حقنا القومي، ويكون السلام الذي هو أن يسلم أعداء أمّتنا بحقنا في الحياة والحرية… وأن يعود ما اغتصب من أرضنا سواء أكان في فلسطين أم الأحواز وكيليكيا والاسكندرون وأنطاكيا وسيناء وقبرص.

فتحية ً إلى المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق وتحية ً إلى الشام الصامدة باقية في خط الصراع…

في 15 أيار 2010

رئيس الشعبة السياسية في الشام
الرفيق عبد القادر العبيد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *