بيان المكتب السياسي المركزي

تجزئة سورية بين العرب والعجم-2

إقرأ وقارن!

قِدَم التآمر المصري على حقنا القومي

نقدّم فيما يلي مقتطفات من مقالة للزعيم، تكشف قِدَم التآمر المصري على حقنا القومي، وهو تآمر ليس جديدًا، فقد كان خفيًّا وأصبح واضحًا الآن في تصريحات حكام مصر العلنية. لقد كان الاختباء بعباءة الدين واستغلال دعاوى العروبة الزائفة من الطرق التي اعتمدتها مصر والسعودية وغيرهما، للتدخل في المسألة الفلسطينية، التي هي جزء لا يتجزأ من القضية السورية، وتخصّ السوريين وحدهم.

 

“تجزئة سورية بين العرب والعجم”

 

          “تعلم الذين حفظوا التقاليد العربية ولم يحفظوا شيئا غيرها، أن كل ناطق بالعربية عربي وأن كل غير ناطق بالعربية أعجمي…

          عندما أعلن زعيم الحزب السوري القومي رأيه في “اللعبة العربية البريطانية” حول مسألة جنوب سورية وحقوق الأمة السورية في فلسطين وندد بالسياسة الخرقاء التي أتبعتها الشركات والفئات السورية السياسية في معالجة هذه القضية وغيرها ووضعها الحقوق السورية في أيدي سياسيين غير سوريين اندفاعًا مع الهوس العروبي- الديني، ظنّ الكثيرون أن موقفه كان مبنيًّا على العداء الذي ظهر من هذه الشركات والفئات للحزب السوري القومي. ولكن ما عتمت الشؤون الأنترنسيونية أن أظهرت صحة نظره في المناورات السياسية التي جرت في القاهرة ولندن واشتركت في ترتيبها بالتفاهم الضمني بريطانية ومصر والعراق على خطة سياسية تهم بريطانية ومصر والعراق. ولم يكن لسورية أي وزن في العملية الجارية غير وزن المريض الموضوع على سرير الجراحة والذي يجب عليه أن يخضع لما يقرره الجراحون ويسلم جسمه للجراح والقص والبتر، لأن الجراحين الذين سيجرون العملية هم من أقاربه وأصدقائه الذين لا يؤلمه جرحهم كما يؤلم جرح الأباعد.

          ولم يكن أحد يتصوّر إلى أي حد بعيد كانت نظرية سعاده صائبة ولكن سلسلة الحوادث التي تلت مؤتمر لندن المشؤوم أخذت تظهر جليًّا لكل ذي عينين الحقائق المؤلمة التي أراد زعيم الحزب السوري القومي أن يمنع وقوعها بدعوته الشعب السوري إلى اعتبار القضية السورية قضية مستقلة قائمة بنفسها لا يجوز أن يتولى تمثيلها والبت بها غير سوريين صالحين للتعبير عن إرادة الأمة السورية وحقوقها فما كاد مؤتمر لندن ينتهي حتى علمنا أن غرضه الحقيقي لم يكن الاهتمام بقضية فلسطين وإنصاف الشعب السوري في مسألة حقوقه الأصلية بل ترتيب الوضعية السياسية في الشرق الأدنى بالتفاهم بين بريطانية ومصر والعراق وراء ستار بحث قضية فلسطين وأن السياسيين السوريين من الطراز العتيق الذين أمّوا لندن كانوا مجرد تماثيل زينة ولعب استخدمها البريطانيون بمهارة لستر ما يجري في “الكواليس” وأن هؤلاء السياسيين “الدنكيخوطيين” قد خدموا السياسة البريطانية ومآربها في وطنهم خدمة لم تكن ترعب بريطانية أكثر منها فهم استنزفوا دماء الشعب بثوراتهم العنترية واستنضبوا أموال المهاجرين بتحريضهم واستفاقتهم ثم حضروا مؤتمر القاهرة كبعض المدعوين عند أصحاب الشأن في فلسطين وحضروا مؤتمر لندن فرحين بالجلوس إلى موائد الطعام والشاي بين ابتسامات الوزراء الإنكليز ثم عادوا من حيث أتوا ظانين أن مؤتمر لندن قد فشل في حين أن مؤتمر لندن نجح لأنهم كانوا يجهلون غرض مؤتمر لندن وأسباب الفشل وأسباب النجاح.

          جاءت فيما بعد هذه السلسلة الغريبة من المناورات والحوادث كمتابعة أبحاث مؤتمر لندن في القاهرة وإثارة مسألة الملكية السورية ومسألة توحيد بعض أجزائها وكل ذلك بقصد خدع الشعب السوري وتغطية السياسة الحقيقية التي كانت جارية وكان من نتائجها المعاهدة البريطانية التركية التي تتلوها المعاهدة الفرنسية- التركية التي تقرر تعديل الحدود السورية الشمالية لمصلحة تركية وآخر هذه النتائج الغربية وأشدها وقعًا المفاوضات الجارية بين مصر وتركية لعقد اتفاق ما بين هاتين الدولتين.. وفي الوقت التي تجري فيه المعاهدة بين فرنسا وتركية القاضية بتسليم لواء إسكندرونة السوري إلى تركيا، يزور الوزير المصري عبد الفتاح يحيى باشا أنقرة حاملا لزميله التركي العواطف والنيات الودية التي تكنها السياسة المصرية العربية للسياسة التركية في هذه الظروف السعيدة.

          … فقد قال الوزير أنه “لا يفصل بين تركية ومصر غير فلسطين”… فهذه العبارة تؤيد كل التأييد الترجمة التي أعطتها الأوساط السورية القومية للاتجاه السياسي البريطاني- الفرنسي- التركي العربي الأخير. فمخاوف الحزب السوري القومي من وضع شمال سورية تحت رحمة الجيش التركي التي أعلنها الزعيم في عدة مواقف في الوطن لم تكن مجرد تكهنات بل تقديرات راهنة مبنية على أسباب تكتيكية.

          أليست هذه النتيجة هي النتيجة الوحيدة لاعتماد أمة من الأمم على غيرها في معالجة قضيتها القومية وتقرير مصيرها؟

          والآن فممن يجب أن ينتقم الشعب السوري لحقوقه ومصالحه التي ذهبت إلى الأيدي الأجنبية من عرب وعجم؟

          أليس من العروبيين الذين غشوه وخدعوه وباعوا مصالحه بينما هم يتبجحون أنهم أصحاب “قضية قومية”.

          ألم يحن للشعب السوري أن يستفيق بشخصيته ومصالحه وحقوقه وإرادته ويعتنق المبادئ التي تعبر عن هذه الأمور كلها.

          إن العجز هو من الذين يعلمون الشعب العجز وعدم الثقة.

                                                سورية الجديدة، العدد 17 في 1 تموز 1939

المركز في 2 كانون الثاني 2009                                                      عمدة الإذاعة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *