دعوة الى مهرجان الشعر القومي

الإستراتيجية السويسرية

نقدّم فيما يلي مقتطفات من المحاضرة التاسعة التي ألقاها الزعيم بتاريخ 21 آذار 1948، والتي نقض فيها فكرة “الحياد”، والدعوة إلى التشبّه بسويسرا، والتي كان قد أطلقها أصحاب النزعة الاستسلامية في أربعينيات القرن الماضي، وها هي تطرح في أيامنا هذه، رغم ما أظهره العدوان اليهودي المتكرر من عقمها الباهر:

“لا مفر لنا من التقدم إلى حمل أعباء الحياة إذا كنا نريد البقاء. فإذا رفضنا البقاء عطلنا الفكر والعقل. وعطلنا الإرادة، عطلنا التمييز وأنزلنا قيمة الإنسان إلى قيمة الحيوان.

لذلك  كان اهتمامنا بالقوة المادية ضروريًا ولازمًا. إنه دليل على نوع نفسيتنا، نوع إدراكنا، نوع أهليتنا. إذا أغفلنا الناحية المادية أثبتنا أننا أغفلنا الناحية النفسية أيضًا..

ولذلك نجد هذه العبارة الواضحة في النص [ نص المبدإ الإصلاحي الخامس] «إن الحق القومي لا يكون حقًا في معترك الأمم إلا بمقدار ما يدعمه من قوة الأمة. فالقوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره».

بعد إيضاح ما تقدم لا بدّ لنا من التقدم إلى النظر في بعض أفكار أو اعتراضات فكرية نسمعها يوميًا تقريبًا، هي نتيجة من الخمول والذل طال أمره في هذه الأمة.

الاعتراضات الفكرية التي نسمعها، سلمية. نسمعها كل يوم «مالنا وللحرب؟ لماذا لا نعلن أمتنا وبلادنا أمة وبلادًا محايدة في كل الحروب، لا جيش ولا سلاح، لا تحارب ولا تحارب؟؟».

على هذه القاعدة أيضًا يعتمد الذين يقولون اليوم بالعودة إلى لبنان الصغير، فيما إذا تهدد الكبير في الأساس الذي نشأ عليه، وحين يقال لهم إن لبنان الصغير يصبح دولة وهمية بكل معنى الكلمة، يقولون: لا!! بل تكون دولة فعلية، دولة قائمة ثابتة كثبوت سويسره مثلاً.

سويسره دولة لا تحارِب ولا تحارَب. فإذا عملنا لبنان، صغيرًا كان أو كبيرًا، لا يحارِب ولا يحارَب صرنا مثل سويسره ولم نعد نحتاج إلى شيء آخر. لا نحارِب ولا نحارَب.

سويسره بلاد لحيادها أسباب. أسباب لا يمكن أن تتوفر لا في لبنان ولا في سورية الطبيعية كلها. إن مركز هذه البلاد من حيث المواصلات ومن حيث أنها نقطة استراتيجية للمواصلات والحرب، لا يسمح مطلقًا بتحويلها إلى بلاد محايدة كسويسره التي هي كالصمام في ملتقى طرق مواصلات دول عظيمة على جوانبها مستعدة للتطاحن والعراك على صيانة هذا الحياد والذود عن حدود تلك البلاد.

لبنان، كبيرًا أو صغيرًا، ليس له من القوة والأساليب الإقناعية ما يمكنه أن يكون مثل سويسره بكل معنى الكلمة، فالقول أن لا نحارب ولا نحارب يحتاج إلى شيء لا يمكننا اليوم أن نتمنى نواله. وهذا الشيء هو قبول دول العالم قبولاً وجدانيًا نهائيًا باعتبارنا بلادًا مستقلة لا تهاجم مطلقًا من أي جهة، وأن تكون هذه الدول مستعدة للدفاع هي نفسها عن الحدود إذا سولت لأحد نفسه الاعتداء عليها.

قال لي مرة مواطن:- كان ذلك في البرازيل- أنا معكم، إن سورية بلاد واحدة وشعب واحد، وإن وحدتها أفضل لحياتها، وأنا معكم في إنشاء الوحدة. ولكني أخالفكم في إنشاء جيش وفي الاستعداد للحرب. لماذا لا نكون مثل سويسره؟ نوحِّد البلاد ونعلن أننا لا نحارِب ولا نحارَب؟

قلت له: « إيدي بزنارك» إذا توصلت إلى إقناع الدول جميعها بالتعهّد أنها لا تعتدي ولا تسمح بالاعتداء على البلاد، وتعيد إليها حدودها كاملة ليتمكن الشعب أن ينمو فيها فلا تجد معارضًا. ولكن أن تمنّينا وتمنّي نفسك بالمحال فمثلك مثل جحا. جحا أراد أن يخطب بنت الملك لابنه، تشاور مع أمرأته وابنه فقبلا، ولم يبقَ إلا شيء واحد، وهو أن يقبل الملك وامرأته وابنته.

كل أمة أو دولة إذا لم يكن لها ضمان من نفسها، من قوتها هي، فلا ضمان لها في الحياة على الإطلاق. يمكن أن تجد لها ضمانًا مدة من الزمن في عهود وعقود ومعاهدات. ولكن هذه أمور قابلة للتطور والتحول والتغير. لا ثبات لها على الإطلاق.

كم من مرة نقضت أمة معاهداتها. كم من مرة انقلبت دولة على تعهد من تعهداتها. كم من مرة حصلت أمة على تأكيد بأن حدودها لا تمسّ فاجتيحت في اليوم الثاني.

العقود والضمانات والمعاهدات تقوم ما ثبتت المصالح التي تؤمنها لجميع الأطراف المشتركة فيها. فإذا بطلت المصالح أو انتفى بعضها نقضت المعاهدة أو الاتفاق أو العهد.

لذلك لا يمكن مطلقًا التسليم، باقتناع، أنه يكفي إظهار حق الجماعة على نفسها وفي وطنها لتحوز الحق لها. لا يكفي. إن الحياة صراع، خصوصًا الحياة القومية. وما زالت الإنسانية قوميات لا إنسانية واحدة، لا يمكن مطلقًا الاعتماد على فكرة نظرة حق مجرد.

نعود إلى ناحية ثانية، نقول نحن أمة صغيرة ضعيفة لا قبل لها بالحرب فماذا يمكننا أن نفعل؟ كم يمكننا أن نحشد من الجيوش؟ وماذا نستطيع أن نفعل بهذا الجيش؟

الجيش هو الكمية والقوة اللازمة لتغيير الأمور من عدم توازن إلى توازن، أو توازن إلى عدم توازن. إنه ضرورة لا مفر منها.

كل أمة تعتمد اليوم ليس فقط على قوة جيشها مهما بلغ من الكمال. القوة هي قوتان، نفسية ومادية، فكرية ونظرية أو سياسية وحربية. كل أمة تحتاج إلى إبلاغ قوتها الداخلية إلى أعلى درجة ومع ذلك إلى تثبيت نفسها في التوازن الأنترنسيوني.

لكن التوازن اللانترنسيوني قد يختل. قد تنشب حرب فإذا لم تكن بلاد قوية قادرة، على الأقل، على الدفاع مدة من الزمن إلى أن تكون الجبهة التي هي فيها، تحركت ووضعت كل فاعليتها في العراك، تمحي تلك الأمة من الوجود ولا يعود يفيدها إنها موجودة في جبهة من الجبهات مهما كان هنالك اتفاقات أنترنسيونية.

إن هذه الاتفاقات تجد ضمانها في القوة التي وراء تلك الاتفاقات.

إذا ضعفت القوة في ناحية من النواحي لم يمكن مجرد العقود أن تدفع عن أمة من الأمم جيشًا عدوًا مكتسحًا، بل إن وجود القوة شرط للاتفاق. لا يتفق من معه شيء مع من ليس معه شيء، الاتفاق يكون بين اثنين أو أكثر مع كل منهم شيء يعتمد عليه. فإذا لم يكن معه شيء كان، على الأقل، وفي أحسن الحالات، كمية تابعة مستخدمة لا رأي لها في المسائل ولا إرادة في الحياة.

ثم إن الكثرة والقلة لا تقرر المصير. يقرر المصير، في أكثر الحالات، التفوق، التفوق النفسي، التفوق العقلي الذي يسد كثيرًا من عجز العدد. ومن هذه الجهة نحن نقول أن الأمة السورية هي أمة متفوقة في نفسيتها، في عقليتها. إن تاريخها الماضي يشهد على تفوقها. وحالتها الحاضرة هي نتيجة لتصادم تفوقها ضمنها، في داخلها، بين جماعاتها بعضها ضد بعض، ولأسباب وعوامل تاريخية أخرى.

من أتعس حالات هذه الأمة أنها تجهل تاريخها، ولو عرفت تاريخها معرفة جيدة صحيحة لاكتشف فيه نفسًا متفوقة قادرة على التغلب على كل ما يعترض طريقها إلى الفلاح.

يقولون إن بلادنا كانت دائمًا ممرًا للغزاة الفاتحين. وينسون إن بلادنا كانت أيضًا مصدرًا لفتوحات عظيمة…

إذا رجعنا إلى تاريخنا وجدنا إن عوامل التفوق عندنا كانت عظيمة جدًا. كنا أسرع من غيرنا في أوقات عصيبة وحرجة. ولكن داخليًا لم نكن كغيرنا. المنازعات الداخلية، الفوضى الداخلية، ضعف النظام الداخلي هو الذي قتل التفوق السوري.

لا سبب عندنا لنخاف العراك من أجل تثبيت حقنا في الحياة. نحن لا نبحث اليوم في إنشاء إمبراطوريات. لكننا نبحث في حق صحيح، في حق الحياة في الوطن الذي هو ملك الأمة. وكما قلت سابقًا إن اعتمادنا على مجرد إيضاح الحق ليس كافيًا ولم يكن كافيًا. قد يذهب وطننا من إيدينا قطعة بعد قطعة ونحن لا نفعل غير كتابات وخطب وفوضى عظيمة في الداخل. جاسوسية خبيثة تعبث بعقول الناس. خيانات. بيع الوطن. تجزؤ وتفسخ اجتماعي وسياسي. وتحدث الحرب بهذه الحالة.

لا يمكن مطلقًا أن نحافظ على حقوقنا بخطب ومذكرات. وقد عرفتم ما هو رأيي، في الرسالة التي وجهتها في تشرين الثاني من السنة الماضية قلت عن (جامعة الأمم المتحدة):

«إن هذه المنظمة لم تنشأ كنتيجة عامة لإنسانية عادة. نشأت من أمم منتصرة لتقر الحق الذي تقرره الأمم المنتصرة».

هذه هي الحالة. إذا كنا نحن لا ننهض ولا نعتمد على أنفسنا ولا نستعد لإثبات حقنا ولتنفيذ إرادتنا فيما يخص حقنا، كان باطلاً كل مجهود وتمنّ في أن نصل أن نكون أمة يمكن أن تحصل على الخير الذي تستحقه.

…إذا كان لا بد من هلاكنا يجب أن نهلك كما يليق بالأحرار لا كما يليق بالعبيد.

…قد تكون الحرية حملاً ثقيلاً ولكنه حمل لا يضطلع به إلا ذوو النفوس الكبيرة. أما النفوس العاجزة فتنوء وترزح وتسقط. تسقط غير مأسوف عليها.

تسقط محتقرة مهانة،

تسقط مستسلمة في ذلها،

تسقط وقد قضت على نفسها قبل أن يقضي عليها غيرها.

نحن بنظرنا سلبيون في الحياة، أي إننا لا نقبل بكل أمر مفعول يفرض، وبكل حالة تقرر لنا من الخارج.

لسنا ضعفاء إلا إذا أردنا أن نكون ضعفاء،

إذا سلمنا بالأمور المفعولة وبالأحداث التي تفرض علينا وقبلنا بالانحطاط الأخلاقي والمعنوي والمادي، الذي لا مناص منه ما دمنا مستسلمين.

الذي يسقط في العراك غير مستسلم قد يكون غلب لكنه لم يقهر.

يقهر قهرا الذي يستسلم ويخنع.

ويل للمستسلمين الذين يرفضون الصراع فيرفضون الحرية وينالون العبودية التي يستحقون.

بيروت في 22/12/2008                              عمدة الإذاعة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *