شخصيات من حماه

 
 
 
يُعدُّ النحت أحد أهمّ أركان الفنون التشكيلية لما له من تأثير مباشر في عواطف الإنسان وحواسه، ويمتلك النحت ديمومة وخلودًا في ذاكرة الإنسان أكثر من أنواع الفنون الأخرى وذلك لأن المادة التي تجلى فيها هذا الفن كانت خالدة ومقاومة لأنه يتعامل مع مواد موجودة منذ الصيرورة الأولى للحياة والإنسان كالحجر والبرونز والخشب والمرمر والطين وكلّ ما تيسّر من مواد صلبة.

alt

ويعدّ النحات والرسام “مظهر برشين” أحد أهمّ من ملكوا ملكة النحت في سورية.
ولد “مظهر برشين” عام /1957/ ميلادية في قرية “أيّو” والتي تبعد حوالي عشرة كيلومترات جنوب مدينة “حماة”، لعائلة تعمل في الزراعة.
التحق “برشين” في عام 1975 بكلية الفنون الجميلة بدمشق وتخرج فيها عام 1982 من قسم النحت.
كان لتردد مظهر على محترف النحات السوري الكبير “سعيد مخلوف” أثر كبير لاحقًا في أسلوبية تعامله مع الخشب وجذوع الشجر والعمل على رموز مرتبطة بالحضارة السورية القديمة لكونه اختار أن يكون أحد أعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي.
يقول الدكتور “محمود شاهين” عنه في كتابه “مظهر برشين- حياته وأعماله”: «لقد وجد “مظهر” من خامة الخشب الوسيلة التعبيرية الأقدر على احتواء أفكاره ومضامينه حول جماليات الجسد الأنثوي العاري وقضايا هموم الأمّة، غير أن تعرّفه على فكر “سعادة” حوّل أفكاره وأسئلته وقلقه إلى حوارات وقراءات واستدلالات ستنتج بعد حين سلسلة من الأعمال الفنية المتميزة في التاريخ المعاصر للفن السوري».
تغلب على أعمال التشكيلي “مظهر” النحتية الوجوه الإنسانية والأنثوية بشكل خاص، وهي مفردة تكون أحيانًا مرتبطة بوجه لرجل أو بيت أو بوجه حصان؛ بسيطة ومختزلة وخالية من الزخارف والتطاريز والرموز؛ أو حاضنة لها وقد يربط الوجه بالجسد بصيغة غير واقعية تقترب من خواص “السوريالية” والتعبيرية وتقترب أعماله من الخطاب الأدبي “الرومانتيكي” المصوغ نحتيًا.

alt

العشق القديم 1987

 

قدّم “مظهر” أيضًا منحوتاته على شكل أقنعة “ماسكات” وهو قناع العصر وكلّ عصر وهو مازال في حالة من التصاعد فهو مع كل تبدل يتبدل في داخلنا.
يقدّم “مظهر برشين” مفهومًا مختلفًا في تبريره لنحت الأقنعة فيقول: «عندما كانت الشعوب القديمة تلبس القناع “الماسك” في أعياد الخصب والحرب، كانت توحّد أي شكل متناقض لأفرادها، ثم تمارس طقوسها متوحدة مع رموزها، فالقناع هو حالة تذوب فيها شخصية الفرد في شخصية الجماعة».
ويقول ردًا على سؤال وجهته له مجلة “دنيا العرب” عن خصوصية الملامح الأساسية للماسكات السورية القديمة: «”الماسكات” السورية القديمة كانت قليلة جدًّا، وفيها نقرأ رموزًا للحالة النفسية، فداخل “الماسك” نجد تعددية كبيرة. التمثال اليوناني، عندما نقرأ جانب الوجه منه، غالبًا ما نجده محايدًا، الآشوري أكثر شدّةً، السومري تستطيع من خلاله قراءة الخوف أو الفرح، الروحانية الشرقية نجدها متجسدّة في الماسك القديم».

قدّم “مظهر” أعمالاً مجسّمة ولكنها قليلة، الأولى تشمل الوجود “البورتريهات”، والثانية تناول فيها كامل الجسد، إضافة إلى رسومه التي اعتمد فيها على قلم الرصاص والحبر السائل وقد عني برسم “الاسكتشات” وبالتحديد موضوع المرأة بحالات ووضعيات مختلفة.

قال فيه شقيقه السيد “أمين برشين” الذي التقته مدونة وطن eSyria في السادس من شباط 2010: «تمتلئ منحوتاته بالحياة وتتمرّد على التقليد والمسبق الصنع، منطلقه من الماضي السحيق لتعبر الحاضر حاملة

alt

“مظهر برشين” صورة نادرة مع ماسكاته
إلى المستقبل قيمًا مجتمعيةً أصيلةً تنادي جيلاً جديدًا، تتخطى المقاييس والأبعاد، ذات تناغم فني بين الفراغ والكتلة، تنم عن دراسة عميقة للحجوم والمناسيب، مرتدية مادة الخشب النبيل قالبًا، حيث يشعر المرء عندما ينظر إليها بانعتاق روحي في فناء حرّ مقدّس من الوجود والمعرفة، حاملة هجوم أمّة بأسرها».
لم يقف مظهر عند نحته ورسوماته بل أيضًا كتب الشعر النثري والخواطر، يقول: حينما تهامسني حبيبة/ تسرح قطعاني في الوهاد/ مليكتي/ حب اللؤلؤ يحطم الأصفاد/ غجري سأبقى/ أغني لقرصة البرد عند الفجر/ ونشوة الشمس ساعة دفء/ وأنا لا أسمع إلا صدى لهمسة واحدة/ أنت حبيبتي.
يقول التشكيلي السوري الكبير الراحل “فاتح المدرس” في أعمال “مظهر برشين”: «يتجه نحو أفق مشوب بالمأساة تراجيدي يمنح الناظر عاطفة متمردة مبتعدة به نحو تحطيم الشكل».

 

 

شَعَرَ “مظهر” أنه سيرحل باكرًا، فكتب ذات مرّة:
«عندما يصبح الموت/ عندما يتساوى الظلّ والنور/ فليحيا الموت/ بخصب الأرض…».

 

غيّب الموت مظهر في حادث سير في سنة /1995/ ورثاه أصدقاء كثيرون.
يقول الروائي “عبد الرحمن منيف” في غيابه: «”مظهر” خسارةٌ للنحت في هذا البلد».

 

ويقول الفنّان السوري “بسّام كوسا” عنه: «الخشب الوطن.. لم يكن الوطن عند “مظهر” مصنوعًا من خشب بل كان يصنع من الخشب وطنًا جميلاً مملوءًا بالروح والآمال».
ويضيف “بسّام كوسا” في مكان آخر: «”مظهر” لم يمت، صدقوني، لقد 
من مقتنيات متحف دمشق الوطني
قتله الشوق إلى الخشب الوطن».
للفنان والنحات المرحوم “مظهر” معارض فنية عديدة منها:
عام 1981 المعرض الأول في صالة المركز الثقافي العربي بدمشق.
عام 1983 معرض في مكتبة الأسد.
عام 1984 معرض في صالة المتحف الوطني بحلب.
عام 1985 معرض في الثقافي الاسباني بدمشق.
عام 1987 معرض في صالة “سوبير مدريد” اسبانيا.
عام 1989 معرض في صالة “عشتار” بدمشق.
إضافة إلى تصميم ديكور لكثير من الأعمال التلفزيونية منها:
“هجرة القلوب إلى القلوب”، “نهاية رجل شجاع”، “عائلة خمس نجوم”.
المراجع:
*”مظهر برشين” حياته وأعماله- د.”محمود شاهين”- منشورات وزارة الثقافة- دمشق 2000.
*مجلة “دنيا العرب”، العدد 23 تاريخ أيار 1986.
المقالات المتعلقة
• “تمام ديوب”: القصة القصيرة أقصر طريق لإيصال الفكرة
• “درغام درغام”.. رئيس البلديات الأربع

مقالة مقتبسة عن موقع حماه:
http://www.esyria.sy/ehama/index.php?p=stories&category=characters&filename=201002082000023
“مظهر برشين”.. حين يصبح “القناع” موحّدًا
خالد درويش- حسّان الأخرس
الاثنين 08 شباط 2010

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *