في تاريخ الحركة

المؤامرة الكبرى على الحزب واستشهاد سعاده

بعد النكبة التي حلّت بجنوب سورية، هاجم سعاده (أول حزيران 1947) يهود الداخل وأصحاب الخصوصيات والخونة، واستنكر تدخّل مصر في الشؤون السورية الداخلية، وأعلن “أن اليد التي تمتد لتوقيع الصلح مع إسرائيل تقطع من العنق”، ودعا إلى استعمال سلاح النفط للحد من فعالية التأييد الأميركاني “لإسرائيل”، مما عجّل في تأليب الإقطاع السياسي ممثّلاً برياض الصلح، والجمع بين هذا الأخير والكتائب اللبنانية من أجل “تصفية” سعاده وحزبه. وقد تآمرت ضد الحزب بالإضافة إلى الحكومة اللبنانية والحكومة الشامية ممثّلة بمحسن البرازي وحسني الزعيم، جهات عربية (مصر) ودولية (أميركانيا) ومن ورائهم جميعاً اليهودية العالمية العدو اللدود للحزب وزعيمه.

بدأت فصول المؤامرة في 9 حزيران 1949 يوم “حادثة الجميزة” عندما اشتركت الكتائب اللبنانية مع قوى الحكومة اللبنانية في الهجوم المسلح على مطبعة الحزب في الجميزة وإحراقها. وتتالت فصولها في الاعتقالات الواسعة التي أعقبت الحادثة وطالت عددا كبيرا من القوميين الاجتماعيين. تمكن سعاده من الانتقال إلى دمشق حيث قابل حسني الزعيم، قائد الانقلاب العسكري الذي جرى في 30 آذار 1949. وحصل منه على وعد بعدم التعرض للقوميين الاجتماعيين في الشام. وإثر عمليات الملاحقة وحملات الاعتقال وأساليب التضييق والترهيب أعلن سعاده في الرابع من تموز 1949 “الثورة القومية الاجتماعية الأولى” فقاوم القوميون الاجتماعيون حملة الإفناء بالمواجهة المسلحة رغم قلة السلاح وفساد معظمه، لكن زمر تنفيذ المؤامرة ومن وراءها تمكنت من تحقيق أغراضها المزرية التي أساءت إلى الأمة في مصالحها ومصيرها. وقد تبين أن حسني الزعيم ضالع في المؤامرة أيضاً، وأن إبراهيم الحسيني الذي كلفه حسني برعاية أمر إقامة سعاده في دمشق كان يتولّى إلى جانب قيادته الشرطة العسكرية شؤون الشعبة الثانية (المخابرات)، تبين فيما بعد أنه يهودي جاء من عكا وهو الذي سلم سعاده أسلحة فاسدة كما أرشد أجهزة الأمن اللبنانية إلى الطرقات والمداخل التي سيسلكها المسلحون القوميون حيث نصبت لهم الكمائن.

وفي السادس من تموز سلّم حسني الزعيم سعاده إلى الحكومة اللبنانية لتي أعدّت محاكمة عسكرية صورية ونفّذت بحقّه حكم الإعدام في 8 تموز 1949 في منطقة بئر حسن عند شاطئ البحر بعد أقلّ من ثمانٍ وأربعين ساعة من توقيفه.

إن مؤامرة اغتيال سعاده لم تغلق الباب أمام المخططين لضرب الحزب خاصة بعد أن رأى هؤلاء أن اغتياله لم يقضِ على الحزب كما توهّموا، بل بالعكس شكّل دم سعاده دفعاً جديداً زاخماً وانطلق الحزب انطلاقته الواسعة في الشام ومنها إلى لبنان وسائر الكيانات السورية مما جعل المتربّصين بالحزب شرّاً يستعينون بأولئك الذين حاولوا تشويه عقيدة الحزب وتحريفها خدمة لأغراض شخصية ومصالح خارجية، وكان الطرد نصيبهم؛ وبأولئك الداعمين لهم والمتعاطفين معهم فأعيدت كرّة التحريف والتشويه تارة بطريقة سافرة وأخرى بطريقة مستترة وتحت عناوين مختلفة ليس أقلّها الاستعانة بالخارج “لتحقيق” مبادئ الحزب؛ وبعد تفاقم جنوح هؤلاء، وتصميم العقائديين على المحافظة على صفاء مسيرة الحزب حصلت الانتفاضة على المنحرفين عام 1957 واستمر الحزب السوري القومي الاجتماعي ملتزماً بالأسس التي أرساها سعاده، واستمر الآخرون بانحرافاتهم.

في فتنة 1958 وقف الحزب موقف المنبّه لخطورة ما بجري ومما تتركه الاصطراعات الطائفية والمذهبية والسياسية من آثار سلبية على مصلحة الأمة ومصيرها وقد عمل،كما في كلّ مرّة بوعي وعقلانية لإيقاف حمّام الدم والتوقف عن اللعب بمصير الأمة، تارة بإشعال الاصطراع الداخلي واللعب على عواطف الناس، وطوراً بإشباع شهوة الحكم الفوقي كما حصل في محاولة انقلاب 1961 والتي شكّلت عبئاً قوياً أُضيف إلى الأعباء الكثيرة والكبيرة التي تحمّلها ويتحمّلها الحزب؛ وقد عمل مسؤولوه بصبر وثبات لتخفيف الأحكام عمّن زجّوا أنفسهم في تلك الورطة، ولتصويب ما علق في الأذهان من ترّهات وأباطيل تتعلّق بطبيعة العمل الحزبي وبجوهرية العقيدة المنقذة؛ خاصة بعد أن بدأ هؤلاء من وراء القضبان وانسجاماً مع دغدغة لعواطف جماهيرية سطحية، يكتبون ما هو خارج عن روحية العقيدة وصفائها متأثّرين بموجة الاشتراكية الدولية؛ فكانت دعوة الحزب الدائمة وتركيزه عل ضرورة الالتزام بالعقيدة السورية القومية الاجتماعية فكراً وممارسة؛ وانطلاقاً من الأسس نفسها عمل الحزب على تصويب ممارسات “المقاومة الفلسطينية” وحذّر من مغبّة الاندفاعات غير المدروسة التي لن تكون أبداً في مصلحة الأمة السورية، وله في ذلك رسائل إلى مسؤولي المنظمات وقادة الدول العربية لتحاشي كارثة تحضّر للأمة السورية ولأمم العالم العربي، ولمّا لم يرعوِ من كان يجب أن يرعوي، بدأت أحداث لبنان عام 1975 التي خلّفت وراءها ما خلّفت على صعيد البشر والحجر وما خلّفته من آثار طالت الشعب السوري وشعوب العالم العربي؛ وقد حشد الحزب كل ما له من طاقات لردع المنفذين لإرادات خارجية؛ عن وعي أو عن غير وعي، باللقاءات المباشرة حيناً وبالكتابات المتتالية أحياناً كما جنّد أعضاءه لإنقاذ من رماهم الهياج الأعمى في أتون التصفيات فأنقذ من تمكن من إنقاذه وسقط له شهداء خلال ذلك، فكان له شرف العمل على إيقاف حمّام الدم الذي أصابت لوثته كل من حمل سلاحاً في الحرب اللبنانية الداخلية القذرة؛ كما حثّ حملة السلاح على توجيهه إلى العدو اليهودي الطامع بالأرض والشعب وإلى كل من يهدد مصير الشعب السوري من قوى خارجية؛ والحزب يعمل بكل ما يملك من طاقات وقدرات لكي تنتصر الأمة السورية على كل ما يعرقل مسيرة حياتها وتنتصر العقيدة في النفوس لتحقيق الغاية الكبرى التي يعمل من أجلها.

كانون الثاني 2001، عمدة الإذاعة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *