أمام الاستحقاق الجاري في انبثاق للسلطة… أيّ مرتكزات نعتمد؟

كثيرٌ من الخبراء، وعلى مدى أعوامٍ طوال، حذّروا اللبنانيّين من مغبّة “السياسة” المدمّرة المتّبعة في المعالجات الاقتصادية الجارية، الأمر الذي لم يلقَ أذنًا صاغيةً أو مكترثة. لقد اقتنع الكثيرون يومها أنّ “السلام” المقبل سيزيل آثار الدَّين القائم، وأنّ إرضاء الإدارة الأمريكية، ومن ورائها الأيادي اليهوديّة الخفيّة المتمركزة خلف سياساتها، سيغيِّر واقع الدَّين إلى انتعاشٍ اقتصادي. وبدلًا من التأسيس على الإنتاج الوطني الذي يضمن اقتصادًا صحيحًا ويحمي الدولة من تدخّل الإرادات الخارجية معًا، اعتمدت الحكومات المتعاقبة على الريع، بالرغم من علمها اليقين بمحدودية الموارد فيه، وعلى هذا، وبدلًا من التحوّل نحو الإنتاج، فقد لجأت السياسات الاقتصادية لحكوماتنا، للتعويض عن ضعف الموارد الريعية المكوِّنة لهكذا نظام، إلى الضرائب والاستدانة. وفي هذا السياق يأتي استجداء الودائع من دولٍ ومصادر خارجية، بحيث باتت هذه المقوّمات وحدها هي التي تشكّل عماد الاقتصاد اللبناني -الذي لا يصحّ تسميته اقتصادًا في الأساس- وذلك في عقود الانحطاط الاقتصادي التي خلت، وأدّت إلى ما نعاين الآن ظلال خرابه.

فبقصدٍ، أو عن جهل، كان من نتائج سياسةٍ متخلّفةٍ كهذه – متخلّفةٍ حتى عن مرحلة سابقة تجاوزت الخمسماية عام – فكان من أبسط نتائجها شللٌ خطيرٌ في اقتصاديات الإنتاج المبنيّة على التوظيف في الصناعة والزراعة والفكر حيث غدت إنتاجيات هذا الأخير وحدها في المعلوماتية والذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال لا الحصر، من أعلى مسبّبات العائدات الاقتصادية لدى الشعوب، في الوقت الذي اقتصر دورنا فيه على التصدير الممنهج المجّاني لقدراتنا البشرية العلمية إلى العالم المنتفع من رعايته لها.

إنّ السؤال العقلاني المشروع والملحّ الذي برز في الساحات مؤخّرًا، والذي وجب على كلّ منّا حمله دفاعًا عن حياته ومصالحه الوطنية، إنّما هو: لأيّ أهدافٍ وعوائد تختار الشعوب ممثّليها؟ ولمنفعة من عليهم أن يعمل هؤلاء؟ ومصالح من وجدوا ليحقّقوا؟
فكيف لنا بعد اليوم أن نضع بلادنا تحت هول المديونية القائمة، ونظنّ أنّ معالجة تداعياتها يجب أن يكون رهنًا برضًى من الخارج، سواءٌ أتى من عدوٍ، أو من خصمٍ، أو حتى من حليف؟
وإذا كانت أولويات السياسة المحلّية العليا، الممثّلة بالسلطة التنفيذية أو بسواها، وبحجّة ضخّ الأموال أو بأخرى، هي بالوقوف على خاطر المنافع والرغبات الخارجية، فما الذي يمكن أن نجنيه من وراء هكذا نمطٍ شاذٍّ من المسؤولية؟ وما الذي سيبقى لنا من كامل المهمة والوطن والاقتصاد؟

وإزاء هذه التساؤلات يصبح الحريّ باللبنانيين التمرّس بكامل الوعي الذي ظهرت طلائعه مؤخّرًا في الساحات والشوارع، وبالتوازي مع هذا الكم الهائل من القرائن الشاهدة على فشل السياسات العشوائية المستبدة، وبعد هذا الحصاد الحكومي المخيف من الأزمات والمصائب بات من الجدير الدفع الى انبثاق إدارة قادرة على أن تدرك كيفية العبور بشعبها في تعقّد حياة المجتمع والضلوع في صيانة مصالحه العليا.

“فالتوجيه من الدولة وسنّ القوانين إلى أقصى حدّ ينمّي حيوية الشعب ويعطي الخير العام، مهما تذمّر بعض الخصوصيّين لما يحرمون منه، هو أمرٌ لا مفرّ منه” (سعاده، المحاضرة التاسعة)، فنحن دائمًا كنّا “نقول بالحقّ والعدل الذي يجعل مجموع الشعب في حالة خير وبحبوحة فلا يكون أناس في السماء وأناس في الجحيم” (سعاده، المحاضرة التاسعة).

“وطبعًا لكي ننظر في حالة العمل والعمّال والرسمال يجب أن نصل إلى الطور الصناعيّ. وإنّا، بدون شكّ، نرى أنّه لا بدّ للدولة القومية المقبلة من أن تسير في إيجاد حالة صناعية في هذه البلاد تُخرج الأمّة من حالة الرقّ للنظام الرأسمالي القائم على الصناعة الكبرى في الأمم الكبيرة المتقدّمة” (سعاده، المحاضرة التاسعة).

لعلّه من البديهي لمعظمنا التنبّه إلى أنّ الأمم في تزاحمٍ لا يستكين على المصالح وهي التي، أحيانًا، قد تساوي حقوقًا مفصلية في الوجود والبقاء، ومع ما نشهده من تقدّم في ميادين التعلّم، ومع النمو السكاني الحاصل، الذي هو قوة ونعمة في ظلّ اقتصاد قائم على الإنتاج فقط لا على الريع، تغدو هناك ضرورة قصوى لإنشاء القطاعات التي يتمّ استثمار هذا التعلّم فيها، وبالتالي الاستفادة من القوى العاملة المهدورة ما يكفي على خللٍ فاضح في بنية العقل “المخطط”. وإلّا فما قيمة وجود الدولة من أساسها إن لم تكن قادرةً على شيءٍ آخر سوى إغراق الشعب لتحقيق منافع السياسيين الخصوصية والتي بدورها تكون محمية في دهاليز الأمم بقدر ما هي تمثل مصالح الأجنبي في ربوع رعيّتها لا مصالح الرعية نفسها التي أنتجتها بهدف صون حياتها؟

أمام الاستحقاق الحكومي الماثل أو سواه بات من الحريّ والجدير بنا، وبما لا يقبل ميعانًا جديدًا أو تأجيلًا، أن نعيّن مكاننا الطبيعي المشعّ بين إشعاعات الأمم، بدلًا من سياسات الريع والعبث التي لا مبرّر عقلانيًّا واحدًا لها، والتي لن يؤدي الاستغراق فيها إلّا إلى مصيرٍ محتومٍ واحد هو قبر بارد مُظلم تحت شمس الأمم الحارة المشعّة…

لتحيَ سورية وليحيَ سعاده
المركز في 07 كانون الأول 2019
عميد الثقافة والفنون الجميلة
الرفيق عارف مهنا

أجاز نشر هذا البيان رئيس الحزب الرفيق الدكتور علي حيدر.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *