حفل توقيع كتابين لحضرة الزعيم

المداخلة التي ألقاها رئيس الحزب في مؤتمر التجمّع الوطني الديمقراطي

المداخلة التي ألقاها رئيس الحزب في مؤتمر التجمّع الوطني الديمقراطي

 

استكمالاً للملاحظات التي كنّا أبديناها في مناسبات سابقة خلال إعداد هذه الورقة فأتت على شكلها الحالي أودّ أن أبدي ملاحظاتٍ تتعلّق بالبنية التي تميّز بها سياق هذه الورقة في طرحها للأزمة القائمة، وليس بمضمون الإشكاليات التي عرضتها ومحاولة حلّها فقد عُرض فيها الكثير من الأفكار في توصيف الحالة التي يعانيها الشعب في يومياته وطُرح في نقدها أيضًا كثيرٌ من المآخذ وفي محاولة العلاج عددٌ من المشاريع.

 

جاء كلّ ذلك لمامًا ماسحًا. ولكنه لم يحدّد جوهر الأزمة ليستنتج لها طرحًا لحلٍّ جذريّ. فاكتفى بملامستها.  وطرق بابها دون أن يدخل رحابها.

 

جوهر الأزمة أن شعبنا في ما يعانيه ويتصرّف إزاءه، يصدر عن جهلٍ لحقيقته وواقع وجوده ومصالحه. فبدل أن يفهم هذه الحقيقة وهذا الواقع توحّدًا في الحياة، ناتجًا عن الإشتراك في المصالح على أرض وطنه، والإنتماء إلى مجتمعٍ واحدٍ ودولة واحدة، والتصرّف بناءً لهذا الفهم والإيمان، إذا لكل مجموعةٍ إنتماؤها إلى طائفةٍ تتنازع على مصالح موهومةٍ مع مثيلاتها في المجتمع ذاته، أو إلى إتنيّةٍ تنافس مثيلاتها على مصالح خاصةٍ جزئيّة، أو إلى طبقةٍ تصطرعُ مع أشباهها على ما يعمّق الفرقة بينها ويزيد في وهنها، أو إلى كيانٍ  سياسيٍّ يتصوّر مصالح كيانيةً يستعدي بها سواه من الكيانات في الأمة الواحدة.

عندما نعيّن هويتنا وشخصيّتنا كشعبٍ، ونحدّد مصالحنا، ونعرفُ الجماعة التي تستهدف وجودنا ومصالحنا بالعداء، يمكننا أن نحدّد وأن نجهّز وسائل الدفاع، التي تشكّل لمجتمعنا المناعة اللازمة سياسيًا وأمنيًا وفكريًا واقتصاديًا.

 

متى أصبح لدينا هذا الوعي لحقيقة وجودنا، والإيمان بهذا الواقع، أمكننا فهم حقيقة ما يجري في وطننا والمنطقة المحيطة. فلا نعود نرى في ما يحدث في فلسطين والعراق ولبنان، وما يحدث في الشام مجرّد تشابهٍ لأحداثٍ تقع في هذه المناطق. وأنّه أجزاءٌ مبعثرةٌ لما تسعى إليه الولايات المتّحدة في مخططها  لتغيير سياسة الشرق الأوسط، وتكوين ما يُسمّا «الشرق الأوسط الجديد». بل نفهم، عند إمعان النظر أن ما يحدث هو شديد الترابط بسبب تأثّر هذه الجماعات بالعوامل الاجتماعية الإنسانية ذاتها، من تاريخيةٍ وجغرافية واقتصادية. وأن العدوّ اليهوديّ يستهدفها، كونها بهذا الترابط الموحّد الوجود والمصير، وكونه يعتبرها عدوًّا بالواقع التاريخي.

 

وعندما نعتبر أن الشعب ينقسم إزاء المخطّط «الأميركاني – الصهيوني»، أو بمعنى أدق «الأميركاني – اليهودي». إلى جماعةٍ تماشي هذا المخطط، وجماعةٍ تقاومه وتمانعه، فإن ذلك تظهيرٌ لواقع أن شعبنا ليس لديه فهمٌ واحدٌ واتجاه واحدٌ في مواجهة ما يتهدده من مخاطر، من الداخل جاءته أم من الخارج.

 

أما آن لشعبنا أن يعتبر من التجارب، فيدرك أن تحقيق مصالحه ينبع من إرادته الحرّة الواعية، ويُقلع عن المراهنة والإرتهان إلى إراداتٍ خارجيةٍ لا تنوي له إلا الذلّ والهوان؟

 

وعندما نسمع من بعض المحللين تخوّفهم من كون ما يخطط للمنطقة يندرج تحت عنوان «سايكس بيكو» رقم 2. وهم محقّون، بغض النظر عن مضمون هذه الخطّة، وماهية التجزئة المتصوَّرة. فلو أكمل هؤلاء معروفهم وأعادونا إلى حقيقة «سايكس – بيكو» رقم 1 الأصلية، لأعانونا على فهم حقيقة جزءٍ من تاريخنا، ومعرفة من يبادر إلى تنفيذ هذه المخططات على اختلاف تسمياتها. ومن هو المستفيد الحقيقيّ من نتائجها، بتمزيق وطننا وتشتيت شعبنا،ألا وهو عدوّنا التاريخي «إسرائيل».

 

وعندما نحلّل بالمنطق ما هي  العوامل الداخلية، التي تساعد في تنفيذ هذه المخططات وتسهّل تحقيقها، يواجهنا في طليعتها عمق التجزئة الطائفية التي تفكّك نسيج الشعب، في ذهنيته وتربيته، إلى درجةٍ جعلته يعتمد نظام المحاصصة  الطائفية، مع كل تداعياتها، في مختلف شؤون حياته السياسية والفكرية والتربوية، مع الأثر الكبير لدور رجال الدين في هذا المجال. الأمر الذي لا يتمّ تصويبه إلا باعتماد وتطبيق مبادئ إصلاحية وأبرزها:

 

         فصل الدين عن الدولة.

         منع رجال الدين من التدخّل في شؤون السياسة والقضاء القوميّين.

         إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب …

 

وما دام جوهر النظام طوائفيًا مذاهبيًا، شبه عصيٍّ على الفعل فيه وتغييره، وهو يتشدّد ويتعمّق حسب المراحل والحقبات الزمنيّة، فلا بدّ من اللجوء عند اشتداد الأزمات، إلى حلولٍ تسوويةٍ بين الفرقاء المتشدّدين، في حال الإشراف على حدوثِ أزمة سياسية.

 

ففي فترة (1943) كانت التسوية باستغناء الفرقاء عن التوجّه شرقًا أو غربًا. وكان توافقٌ على «ميثاقٍ غير مكتوب»، عبّر منتقدو جوهره بالقول:

Deux négations ne font pas une nation  تساويًا بالتخلّي عن مطلب إقامة الوحدة مع الشام، والتخلّي عن السعي لعقد معاهدةٍ مع فرنسا. هذه التسوية بالتخلّي المتبادل، اعتمدت اساسًا لقيام الكيان اللبناني.

 

وعام (1958) جرت تسوية «لا غالب ولا مغلوب».

 

وعلى أثر أحداث (1975) ونهايتها الشكليّة (1990)، تمّ ابتداع تعبير «السلم الأهلي» بإزاء أعمال الإقتتال المسلّح الدامي، وما ألحقه بمصالح الشعب من إرهابٍ أمنيٍّ سياسيٍّ فكريٍّ اقتصادي، ليضحي «الحفاظ على السلم الأهلي» إنجازًا هامًا. بيد أنّه لم يخرج عن كونه «تسويةً» لم تمسّ جوهر النظام  حسب مضمون «إتفاق الطائف».

 

ونحن اليوم نعاني واحدةً من هذه الأزمات المتكررة. وهي في إحدى قمم حدّتها من التطوّر. ولا بدّ من اللجوء إلى حلٍّ – تسوية، كون جوهر نظامنا الحياتي لا يزال بعيدًا عن الفعل فيه، أو لا يزال شعبنا قاصرًا عن إمكانية تطويره نحو الأفضل. وستكون صيغة هذا الحل تحت العنوان المتكرّر باستمرار، كما في الأزمات المتكرّرة السابقة «الحفاظ على السلم الأهلي».

 

وأمام شبه إجماعٍ في وجهات النظر المحليّة، المتوافقة حول مقوّماتٍ للحلّ المطروح، المتشكّل من عدّة فقرات:

قيام حكومة «اتحادٍ وطنيّ» (في غياب وحدةٍ وطنيةٍ حقيقية).

إقامة محكمة ذات طابع دوليّ.

إنتخابات نيابية مبكّرة.

                   إنتخاب رئيس جديدٍ للجمهورية.

 

إلا أنّه لا يزال هناك تضاربٌ حول ترتيب أولويات هذا التشكّل، تضارب عميق التأزّم إلى درجةٍ لا عودة عنها.  ممّا يدلّ على فقدان الإرادة، وبالتالي فقدان القدرة على بلورة وجهة نظر متوحّدة حول بعض الأمور الهامّة. ما استوجب تدخّل وتداخل العديد من الإرادات الخارجية، من إقليمية ودولية، وبأدوارٍ ومراتب مختلفة، تحت عنوان وساطاتٍ تستأنس بشبه إرادةٍ متبقية، أو حتى تأتي بمقرراتٍ توحى وتُفرضُ، للوصول إلى تسويةٍ ما، ستبقى حتمًا تحت عنوان التسوية ودون ملامسة الحلّ الجذري المناسب.

 

يبقى الإجماع المستجدّ حول مؤتمر باريس 3، حتى لا يتّهم أحدٌ بعرقلة العصب الحياتي الهام – الإقتصاد. مع كون توظيف النتائج المبهمة لهذا المؤتمر سيجيء محسوم التوجّه، لغرض تسديد فوائد مستحقّة للدَّين. في غياب هباتٍ وعطاءاتٍ لن تُقدَّم دون أثمانٍ سياسيةٍ واجتماعية اقتصادية باهظة.

 

وسيكون بعيدًا عن اعتماد اقتصادٍ منتجٍ تنمويٍّ في مختلف القطاعات.

وفي هذا السياق إن من ينظّم أو يسعى لاعتماد اقتصاد بهذه الميزة، سيجد نفسه أمام حتميّة التكامل في دورة الإقتصاد القومي مع سائر كيانات الأمة.

 

ويبقى العنوان الأكبر والأساسي لأي حلٍّ يُرتجى، وهو العمل لإقامة نظامنا الحياتي الشامل وتطويره نحو الأفضل، باكتمال الدورة الحياتية للأمة، في السياسة والفكر والإقتصاد والأمن، لجبه كل التحديات والإنتصار عليها في معركتها المستمرّة.  

 

فندق ماريديان كومودور في 21/1/2007 

    رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي

                    الدكتور أنطوان أبي حيدر       

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *