الأول من نيسان يومٌ للحقيقة

«إلى مقام الآلهة السورية يجب على الأدباء الواعين أن يحجّوا ويسيحوا فيعودوا من سياحاتهم، حاملين إلينا أدبًا يجعلنا نكتشف حقيقتنا النفسية ضمن قضايا الحياة الكبرى الّتي تناولها تفكيرنا من قبل في أساطيرنا، الّتي لها منزلة في الفكر والشعور الإنسانيين تسمو على كلّ ما عرف ويعرف من قضايا الفكر والشعور..» سعاده، 1942.

كما جرت العادة المتوارثة، وفي الأوّل من نيسان من كلّ عام، نعمد إلى ممازحة بعضنا البعض من خلال
إطلاق ما نسميه بـ “كذبة أّول نيسان”. وفي خضمّ الانشغال بالتفتيش عن الأكذوبة الألطف ننسى التفكير بماهية هذا

اليوم، لماذا جُعل يومًا للكذب دون سواه من أيام السنة الأخرى؟ هل كانت له أهمية أخرى قبل أن يصبح مادة للهو لا

أكثر؟ إذا بحثنا في التاريخ القديم عن هذا اليوم وتقصّينا حقيقته نجد أّنه في الألف الخامس قبل الميلاد كان الأوّل

من نيسان عيدًا ل رأس السنة السورية، وكان يُطلق على هذا العيد لفظ “الأكيتو” ومعناه الحياة،
ويحتَفَل فيه بعودة الحياة للطبيعة بعد انقضاء فترة الشتاء وبداية الربيع وعودة الخصب للأرض المتمثّل بالإله دموزي وزوجته إنانا (أو تمّوز
وعشتار، بعل وعناة). والأسطورة تقول إنّ إله الخصب، والذي يكون قد مات مع انتهاء فصل الصيف، كان يعود للحياة ويبعث من جديد في الأوّل من نيسان. وكانت الاحتفالات بهذه العودة تبدأ في الواحد والعشرين من شهر آذار

وتستمرّ حتّى الأوّل من نيسان يوم رأس السنة. ويتخلّل الاحتفال بهذا العيد عدد من الطقوس والشعائر الدينية فتُقَّدم القرابين والأضاحي والنذور وتُنظّم مراسم الزواج المقدّس، وتقام دورات ألعاب
رياضية بالإضافة إلى العديد من الممارسات التي تد ّل على أهمية هذا اليوم في حياة الشعب السوري. وبناءً على التقويم المعتمد يكون الأوّل من نيسان
من العام 2020 بداية العام 6770 في التقويم السوري. لن ندعو هنا إلى العودة للعمل بالتقويم السوري القديم، فهذا شأٌنٌ لم تحِد عنه الحياة في حين أنّ التقويم
الميلادي الحالي المتّبع يرجع إلى ميلاد معلّم آرامي أنتجته النفس السورية وخطّها الفكري الثقافي، وعلى أيّ حال لقد شهدنا على هذه الأرض أنّ التقويم ليس بشيءٍ ثابت فقد يستمرّ وقد ينقضي العمل بالتقويم الحالي لنجد أنفسنا يومًا أمام تقويمٍ جديد، فمن يدري؟ وإذا كانت مثل هذه الأمور تتغيّر مع هذا التغيُّر الحركيّ للحياة فإنّ الحقيقة الثابتة هي حقيقة وجودنا نحن، حقيقة أّنّنا شعبٌ استحقّ ويستحقّ الحياة الحرّة الكريمة في وطنٍ حرّ عزيز. فلنجعل من هذا اليوم، إذًا، يومًا للبحث عن هذه الحقيقة التي أضاعها التزوير الملتبس المتراكم خلف عوامل تمزّق الهوية، والذي حوّل
مقّدساته للاكتفاء بسنين وسنين من السير في طقوس الكذب واللامبالاة.

لتحيَ سورية وليحيَ سعاده
المركز في 31 آذار 2020
ناموس العمدة الرفيق فضل الله موسى

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *