التجريد الجدلي والواقع الحياتي

 

التجريد الجدلي والواقع الحياتي

        قلنا إن “النزعة الفردية” هي حادث في مجرى التطور الإنساني. وهي حاصل بروز الشخصية الفردية بعد أن خرجت من دور التعبير إلى دور التبلور. أما حقيقة الوجود، المجتمع، فواقع طبيعي بيّن سعاده في “نشوء الأمم” أنه أصيل في الإنسان، وقدّر أنه حاصل قبل نشوء النوع البشري في أدوار التطور.

        إن القول “الوجود الفردي” هو حاصل المضاربات الافتراضية. وهذا لا يؤثر في الواقع إلا بمقدار ما يؤثر الخطأ في عرقلة سير الحياة ونمو المجتمع في التسامي.

        “والنزعة الفردية” في حدتها هي حاصل هذا التصور التجريدي(1) الفرضي.

وقد وصلت “النزعة الفردية” ببعض التجريديين إلى حد القول إن “الفرد” وإن كان من خلق الله هو متحرر حتى  من قيود خالقه. وهذا الجنوح الحاد في هذه “النزعة” كان في أساس المساوئ التي تعصر المجتمعات الإنسانية في هذا العصر لتأمين المنافع الفردية ولتدعيم “البرجعاجية”.

في مجرى الحياة العادي الطبيعي لا تبرز في الوجدان الشؤون الطبيعية ولا المساوئ الطارئة. وطغيان “النزعة الفردية” حفز المجتمعات لاستكمال لصراع في التعبير الحياتي بجميع الوسائل ومنها الاعتماد على ما تكشف من النواميس الطبيعية الحياتية والكونية لإبراز حقيقة الوجود الإنساني. وبلغ في أواسط القرن الماضي، ذلك الجدل بين العلم والدين حدًا عاليًا مع أن هذا الجدل قديم بين الأوامر والنواهي المجمِّدة لسير الحياة الطبيعي.

         ثم عادت المجادلة فاحتدمت بين علماء النفس وعلماء الاجتماع حول الفرد والمجتمع، وعادت الأسئلة عن علاقة “الفرد” بالمجتمع تزحم الأذهان مع أنها قديمة قدم تبلور الشخصية الفردية في “النزعة الفردية” ونلاحظ أن الفردية التجريدية أخذت تخسر “أرض الصراع” أمام الواقع الحياتي الإنساني، وعادت شخصية المجتمع ومصلحته – مصلحة حياته الموحدة – تزحم “النزعة الفردية” وأخذ الواقع ينقض من زخم التجريد الافتراضي.

واتضح بالعلم ما هو واقع طبيعي وما هو تجريد حادث. و”الفردية” التي فلتت، افتراضيًا فقط، من قيود المجتمع و”الله” بدأت تنزل من “أبراج العاج” إلى الواقع التطبيقي.

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التجريد هو بحث الجزئيات مجردة عن الكل وكأنها قائمة في ذاتها. “الفرد” في التجريد هو “وجود” إنساني كامل. وهذا التجريد غير وارد في حقيقة الوجود الإنساني. ولهذا نسميه تجريدًا افتراضيًا أو فرضيًا.

* البناء عدد 215 تاريخ 12 أيار 1953

جورج عبد المسيح: البناء الاجتماعي، ص 50

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *