القدرية والواقع

القدرية والواقع

 

                 الذين يفهمون العمل المتوافق مع الواقع الحياتي استسلامًا مريحًا

“للفرد” يخطئون معنى الواقع الحياتي الذي هو صراع لتحقيق الأفضل والأنبل فينا، في الحياة. فالعمل المتوافق مع واقعنا الخيّر الجميل الحق، هو عمل إرادي صراعي ظافر، لا استسلام فيه للغيب أو لما هو فوق الوجود وليس فيه استكانة أو اتكالية، ليس فيه ما يمكن أن يعوّض عن العمل المنتج لما فيه تحقيق الأفضل والأنبل في الحياة.

             الذين يفسرون أن ما كتب قد كتب بمعنى الاستسلام والخنوع والقبول بالراهن، يخطئون تدبر ما يصل إليهم، فما كتب هو أن الحياة قيمة تتحقق بذاتها الصراعية المتكاملة. وكل “فرد” كل إمكانية حياتية في أية وحدة حياتية ـ مجتمع ـ تنشل فيه قوة الصراع ويتعطل فيه الفعل الإرادي يكون خارجًا عن: “ما كتب” ويصبح طلبًا للباطل. ونحن من الذين “يعملون بما يكتب لهم” ولا يرضون بأقل من ذلك.

قياسات التحقيق لا تكون “فردية” مادية بالأرطال والأواقي وعدد الليرات وبحبوحة العيش الأناني. القياس مجتمعي شامل في تنوعه. القياس هو تسامي المجتمع في الشمول المادي ـ الروحي، الشمول الحياتي.

الاستسلام إلى قدر لا مفر لنا منه، خيرًا أو شرًا، هو من الوهم ومن سوء تدبّر تكشف الحياة للإنسان الذي هو أسمى تعبير للحياة عن ذاتها.

القدر هو إرادتنا، الفعل للتحقيق المتسامي الذي لا اتكالية فيه ولا تواكل ولا قعود. والذين يريدون أن يعظونا بقبول الوضع الراهن ويعدونا بالتعويض ثمنًا لاستسلامنا، لا يرون الصراط المستقيم. فهم يتخذون الفردية المادية قياسًا. إن التنوع في حاجات الحياة يعني التنوع في العمل لسدّ هذه الحاجات. لكنه لا يعني أبدًا أن المجتمع ـ وحدة الحياة ـ هو طبقات في حق التمتع وواجب الإنتاج. والمجتمع المعبر بحق عن ذاته، هو المجتمع الذي تطبق فيه حقيقة كونه وحدة كاملة هي كل الخير وكل الحق وكل العدالة وكل الجمال.

إن الذين يجادلوننا بأن ما نحن فيه هو ما كتب لنا فاتهم لجهلهم أن ما كتب لنا هو ما نحن ـ حياة عز لكل أبناء المجتمع على السواء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* البناء عدد 235 تاريخ 4 حزيران 1953

جورج عبد المسيح: البناء الاجتماعي، ص 48

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *