النظريات والتطبيق

النظريات والتطبيق

 

      في الفلسفة النظرية – فلسفة النظريات- يسهل الجدل اللفظي، وكثيرًا ما يبدو جدلاً صحيحًا، كما قلنا، ولكن ما يثبت منه ومن النظريات هو ما يصلح للتطبيق العملي المتوافق مع النواميس الطبيعية. والجدل اللفظي واسع   المجال جدًا. فهو من جهة نتاج خصب للخيال. ومن جهة أخرى يستفيد من تقصير الألفاظ والاصطلاحات عن تأدية المعنى المقصود تمامًا.

         النطق هو تعبير حياتي إنساني سامٍ. ولكن الألفاظ في معانيها ومدلولها وفي تعبيرها عما تكشّف من الحياة والكون تقصرّ عن الأداء الصحيح. يصعب على الباحث في النظريات الاجتماعية، مثلا، أن يؤدي بالألفاظ المعنى المقصود حتى في استعمال الألفاظ المتفق على مدلولاتها. ويكون الأمر أصعب بما لا يقاس في بحث الفلسفة العملية، لفظيًا. ولهذا نرى أن ميزة البحث في الفلسفة العملية هي، الجفاف المقل من الألفاظ الملونة والمتعددة المعاني.

        وتزيد تأدية الفكرة صعوبة في اللغة – (واللغة أداة للتعبير عن الفكر)- التي لم تركز فيها المفاهيم التي تؤدي إلى إيصال ما يقصد إلى القارئ أو السامع. حتى الذين يتعصبون – لغير داع ـ للغتهم ويؤكدون أن ألفاظها تؤدي المعاني، نراهم يضطرون أن يستعملوا ألفاظًا أجنبية، أصبحت أوضح في مدلولها لتساعد الكلمة التي يستعملون على أداء الفكرة المعبر عنها باللفظ. ويزيد الأمر تعقيدا ترجمة الألفاظ الغربية دون تعميم لها بشكل يسهل على الباحثين استعمالها في مدلول واضح.

            يصعب على الباحث نقل الفكرة لفظًا. فتصل الفكرة، التي لم يعبر عنها اللفظ، أكثر غموضًا وبترًا إلى الشخص المنقولة إليه بواسطة التكلم أو الكتابة. والتصوير والموسيقى أيضًا لا يعبران التعبير الكامل، ولا يفهم منهما السامع والرائي إلا ما يتجاوب مع نفسه. وإذا كان التعبير موافقًا للطبيعة أي لطبيعة المجتمع الذي منه السامع والرائي كان التجاوب أفضل والأداء أكثر إيضاحًا.

     فلو أخذنا لفظة الواقع الطبيعي مثلاً، فإن مدلولها الحاصل من تفهم ترجمة “الواقعية” (Realism) يبعدها كثيرًا عن الفكرة التي يقصد أداؤها. وكذلك لو أخذنا “القاموس” لاستخراج مدلول كلمة الواقع من بين مترادفات المعاني. في حين أن الواقع الطبيعي يعبر به عن هذا الوجود كما هو في جميع خصائصه.

      لهذا يضطر الباحث إلى إيضاح ما يقصد بالألفاظ بألفاظ أخرى. ومع هذا نلاحظ أن تفهم النظريات يتفاوت بين قارئ وآخر بالنسبة إلى ما تحمله إليه اللفظة من صحة تعبير عن الفكرة.

         في الفلسفة العملية يكون التطبيق العملي تعبيرًا أفضل عن الفكرة. وإذا كانت الفكرة كشفًا صحيحًا عن الواقع انتصر التطبيق ونفى كل إمكانية لاختلاف المضاربة الجدلية في صحته أو عدمها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*البناء عدد 193 تاريخ 16 نيسان 1953

جورج عبد المسيح: البناء الاجتماعي، ص 46

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *