الحياة والإنسان

الحياة والإنسان

 

  إذا كانت النظريات الافتراضية – وإن بدت صحيحة، لا تؤثر في الواقع الطبيعي، فإن محاولة تطبيق الخاطئ منها يمكن أن يؤثر في التحقيق، فيعوق النواميس(1) الطبيعية عن فعاليتها الكاملة في ما يتكشف في عملية استخدام هذه النواميس لمصلحة الإنسان. أما التطبيق الصحيح فهو من فعل هذا الواقع وبالتالي هو تحقيق له. فالبحث للسيطرة على ناموس طبيعي إذا سار في خط خاطئ يعيق السيطرة. أما إذا وافق النواميس الطبيعية حصلت السيطرة التامة عليها. والحياة واقع نواميس طبيعية. ولا خلاف في ذلك بين نظرة أدعياء المادية التاريخية وبين القائلين بالروحانيات في نظريات  الفلسفتين الجزئيتين ونظراتهما الجزئية. والجدل اللفظي في هذا الواقع لا يغيره، ويمكن أن يعد الجدل ناموسًا طبيعيًا يُِِِعبر عنه تعبيرًا خاطئًا. فالتفاعل الصراعي ناموس حياتي. والجدل اللفظي تعبير خاطئ عن الصراع. ومهما بدا الجدل اللفظي منطقيًا يسقط في السياق الطويل. وتعبير الحياة الإنسانية عن ذاتها المتفوقة يكون بالسيطرة الفعلية على النواميس. لأن واقعها هو التفوق المدرك المستهدف السيطرة على النواميس الطبيعية. وغايتها هي تحقيق ذاتها كقيمة هي الكمال – هي شمول القيم التي تسمى، اصطلاحًا:

الخير والحق والجمال والعدالة – والكثير غيرها من التسميات الجزئية لميزات الحياة وصفاتها.

     فالنظريات في ماهية الحياة هي من فعل الحياة الطبيعي، وتبدو متضاربة كجزئيات ولكنها في كليتها، تصبح تعبيرًا صحيحًا، لأنها التعبير عن الصراع للسيطرة والتحقيق في السياق الطبيعي ـ التجربة والبرهان ـ.               

إن التعبير اللفظي عن ميزات الحياة اختلف نظريًا. أما التعبير الطبيعي، الفعلي ـ التحقيق ـ فيسير حسب الواقع الطبيعي، في تكشف الحياة عن ماهيتها وفي تحقيقها ذاتها. وأسمى تحقيق الحياة ذاتها هو الإنسان.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الناموس هو اصطلاح بشري لمجرى من مجاري الحياة أو الطبيعة، يقصد به تعيين       استمرار حدوث فعل أو خاصة من أفعال وخواص الحياة أو الطبيعة… ولا يقصد أن الحياة وضعت لكائناتها هذه النواميس وأمرتها بالسير عليها ( أنظر نشوء الأمم ص. 142).

* البناء عدد 192 تاريخ 15 نيسان 1953

جورج عبد المسيح: البناء الاجتماعي، ص 36

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *