المجتمع معرفة

المجتمع معرفة

 

      المعرفة حاصلة في الحياة في وحدتها. وتمتاز الحياة – المجتمع – الإنسان بقوة التعبير عن ذاتها وعن كشف ما في ذاتها في تطور التعبير التصاعدي وهذا الكشف لا يعدو إظهار ما في الحياة بأساليب أفضل تصاعديًا، والعقل قوة الحياة المدركة الذي هو هي وليس شيئًا خارجًا عنها أو شيئًا فيها ينظم التعبير الحياتي تصاعديًا في استمرار سير الحياة التصاعدي.

      وهذا لا يعني أن المعرفة هي تذكر ما كنا نشاهده أو ما وقفنا عليه في حين كنا في عالم التجريدات – عالم المثل (فعالم المثل كما قلنا سابقًا لا  وجود له فالوجود هو الحياة في واقعها الطبيعي على هذه الأرض في بيئتها المتمايزة). إن المعرفة هي فينا كاملة والعقل الكلي، هذه الظاهرة أو هذا المظهر الإدراكي للحياة، تدرك فيه ذاتها وما يحيط بها، فيه كل المعرفة.

وما يتكشف في استمرار الحياة ليس إلا تطورًا أوضح لما كان في بدء الحياة  في تعبيره البدائي.

     الحقيقة هي كلية واحدة وإنها واضحة في إدراك الحياة الواحدة الكلية. واضحة في إدراك المجتمع. وفعل العقل –  قوة الإدراك – يكون في التعبير عنها تصاعديًا. و”الفرد” في التأمل والدرس يصبح التعبير له أوضح ـ يتسع مدى المعرفة عنده ـ ولكن ليس من فرد تكون له كل المعرفة فهو جزء، والعقل العارف كلّ، ولا يلمّ الجزء بالكل، والحكمة هي في وعي مكان الجزء في هذا الكل.

      فكل علم، وهو معرفة جزئية، يؤخذ كوحدة لا يمكن مطلقًا أن يكون مستقلاً أو كاملاً.

     وكم من أمر حقيقي رُفض من الأفراد أو الجماعات فتـُرك ثم عاد ليكون في مرتبة عالية في سلم المعارف بعد أن أصبح التعبير عنه أوضح، فالحقيقة باقية لصحتها في صميم الحياة وكم من معارف حتى الآن هي في صميم الحياة تعبر عنها بهذا “الحنو لكشف المجهول” والحنو لما يظنه الفرد مجهولاً هو بالفعل حنو للتعبير عن معلوم في الحياة إذ إن الحنو لكشف المجهول هو ظاهرة الجزء للكشف عمّا في الكل – ظاهرة في الفرد للكشف عما في صميم الحياة – المجتمع وإدراكه الكلي. وهو صراع الكل للتعبير الكاشف عن الحقيقة الكلية في الكون.

      إن ما كانت تحن إليه نفوس الأفراد في شؤون كثيرة أصبح اليوم أمرًا عاديًا تقريبًا لهم وما يحن إليه “الأفراد” اليوم سيصبح في سير التطور عاديًا كعادية وجود الهواء للتنفس.

      وما يشكل الآن على “فرد” فهمه يكون أمرًا أوليًا “لفرد” أو “أفراد” آخرين – لأجزاء من الحياة ومن قوة الإدراك فيها ولكن الكل العارف يجد التعبير في الكل لا في الأجزاء، في المجتمع لا في “الأفراد”. إن وعي الحقيقة المجتمع، حياة واحدة، يساعد الحياة في جعل التعبير عن ذاتها تصاعديًا، فلا تعيقها عرقلة الأجزاء باستخدام المعرفة الجزئية ضد العقل الكلي العارف بالكليات، العامل على تنسيق الكشف عنها بالتعبير عمّا في مخزونه من المعرفة.

      إن المعرفة هي التعبير عن واقع يكشف لنا. وأهمية هذا الكشف تكون بالنسبة إلى ما يساعد الحياة في تصاعدها. فإن الكشف عن أن حبة الحنطة يمكن أن تخزن في مكان ناشف لتزرع في حينها لتعطي غلالاً، لا يقل أهمية  عن معرفة كيفية تفجّر الجوهر الفرد، وكما أن حبة الحنطة لم تخضع في هذا الناموس للعقل، بل إن العقل يرتب الناموس الطبيعي لفائدة تطور الحياة التصاعدي، هكذا الجوهر الفرد لم يخضع في هذا الناموس ناموس تفجر  الذرات المتتابع في الكون للعقل بل تكشفت به في مجرى تطور تعبير الحياة عن ذاتها (وفي الحياة مخزون المعرفة الكلية للحقيقة الكلية).

       ولهذا نقول إن في النفس السورية – العقل السوري كل علم وكل فن وكل فلسفة في العالم. وميزة النفسية المعنية، نفسية المجتمع، هي في القدرة على التعبير على إبراز ما فيها من معرفة شاملة كلية للكليات. إذا راقبنا تطور تركيب الدماغ ـ ويقول بعض العلماء إن هذا التطور الفيزيائي ساعد الدماغ على الاستيعاب – نجد فيه مقدرة الحياة على التعبير عن ذاتها في تطور وسائل التعبير نحو الأفضل دائمًا. ولكن الدماغ لا يجد قوته  بتلافيفه الفيزيائية بل بقوة التعبير الأصلية عن الحياة، ولهذا نلاحظ أن خط الفكر يكون واحدًا في المجتمع الواحد الراقي حيث تعبر الحياة بحرية أكثر عن ذاتها، ولا يكون الفرد مقياسًا في جميع ما يعطى من المعرفة لقوة الإدراك الكاشف في المجتمع، فالذي يتعلم علمًا ما، يمكن أن يتفوق بجميع أطراف هذا العلم وإن كان من مجتمع ضعيف قوة التعبير، ولا يمكن أن نحصر “المعرفة” إذًا، بما يمكن أن يجمعه “فرد” أو “أفراد” من معلومات أصبحت بديهية لدى من اطلع على أسسها وبراهينها وما ينتج عنها ضمن الناموس الطبيعي العام، ما تكشف منه وما لا يزال دون كشف.

           فالمعرفة في رأينا ليست قوة الاستيعاب والأخذ بل قوة الكشف والعطاء وهذه القوة قوة الكشف والعطاء هي التي تميز مجتمعنا بما وصلت إليه الحياة السورية من مراتب التعبير عن حقيقتها بما تختزن من المعرفة الكلية للحقيقة الكلية. والتعبير المادي المحسوس عن المعرفة في جزئياتها  يخضع أحيانًا للإمكانات المادية في الأرض التي ينشأ عليها المجتمع. فإذا بالتعبير المادي عن تفجير الجوهر الفرد لا يتسنى للسوريين الذين تكشفت  لهم هذه المعرفة الجزئية من زمن بعيد جدًا. فعرفوا الجوهر الفرد وعرفوا، بالكشف العقلي، أن بالإمكان تحويل الجوهر الفرد ولم يستطيعوا تحقيق ذلك عمليًا حسيًا لعدم وجود الإمكانات الطبيعية من جهة ولأن الناموس الطبيعي في جميع جزئياته لم يكن قد توصل الكشف عنه إلى درجة يمكن معها تفجير الجوهر الفرد كما هي الحال اليوم.

      فالمعرفة إذًا في رأينا هي الكشف، هي كشف الحياة عن ذاتها في التعبير المستمر عن ذاتها في أرقى درجات التعبير – الإنسان الكامل (التعبير عن الوجود الكامل والوجود الكامل هو الحياة الواحدة في بيئة من الأرض تتفاعل معها لتكسبها في مجرى الزمن قوة التعبير المتمايز).

     وكيف تحصل المعرفة؟ كيف يتم هذا الكشف “للأفراد”؟ قلنا المعرفة الكلية هي في الحياة الكلية هي في المجتمع في مخزون نفسيته والحياة تسير تصاعديًا على مخطط هذه المعرفة الكاملة لما يحيط بها من نواميس الطبيعة- وهي منها في ذروة الإدراك لها وفي الاستعداد للسيطرة عليهاـ وميزة الحياة هي الصراع للسيطرة على هذه النواميس، فالمعرفة المجردة لا معنى لها. لم تفد معرفة الجوهر الفرد وإمكانية تحويل الجوهر وتفجيره حتى سيطر الإنسان على هذا الناموس الطبيعي.

     فالمعرفة تكون في الكشف عن وسائل السيطرة على النواميس الطبيعية لفائدة الحياة. وهذا ما تمتاز به الحياة قوة كشف وسائل السيطرة على النواميس الطبيعية لأن إدراك الحياة لهذه النواميس أزلي في صميم  الحياة. وكشف وسائل السيطرة يحمل معه حتمًا معرفة هذه النواميس.

     إن الحياة، في صراعها لهذا الكشف، للانتصار، تجد هذه الوسائل.

ويمكن أن تبرز هذه الوسائل في جزئياتها في “الأفراد” وهم أجزاء الحياة الواحدة في المجتمع الواحد، ولكن المعرفة الكلية تبقى من ميزات المجتمع  كله.

     إن هذا ما يجعل الفرديين يتوهمون أن ما كشف “الفرد” الجزء هو منه فإما أن يكون “تذكّره” لما بقي فيه من عالم المثل حين كان مع القوى العاقلة قبل أن يلبس الجسد أو أنه “تصوره” لما هو حقيقة (والعقل لا يتصور إلا الحقائق) ثم إبراز ما تصور في الحقائق كلاً ما أو شكلاً ما (إن فكرة التذكر أفلاطونية تلازم عالم المثل المجردة) أما فكرة التصور للحقيقة فهي سورية أبرزها زينون الرواقي وهناك نظريات كثيرة في المعرفة وأسسها منها المادية

المرتكزة إلى تلافيف الدماغ الفيزيائية والتاريخ المادي في تطوره ومنها  روحية تجعل المعرفة في الله يهدي من يشاء ويعطي دون حساب أما الأقرب إلى الصواب – في المقاييس الفردية – فهي نظرية زينون القائلة بأن المعرفة تحصل بتصور العقل حقيقة ما، والعقل لا يتصور إلا الحقائق، ثم التأمل بها ودرسها وإبرازها. ونحن نرى أن “المعرفة” لا يمكن أن تعني إلا الكشف إذ تبرز الحقيقة الكائنة في العقل الكلي بجزئياتها لأجزاء هذا العقل في أجزاء الحياة (الذين هم أجزاء المجتمع أي “الأفراد”) وليس معرفة بالمعنى الصحيح ما يجمع من معلومات عمّا يتكشف من حقائق.

      والمعرفة قيمة من ميزات الحياة التي هي القيمة الكلية ولا تكون معرفة بهذا صميميًا في حياة المجتمع. والمعلومات عن الجزئيات لا يجوز أن تفهم بمدلول المعرفة.

       إن هذا لا يعني مطلقًا أن ما لا يتكشف في مجتمع ما ويتكشف لمجتمع آخر يخرج عن مدلول المعرفة ولا يعني أن مجتمعًا ما يأخذ عن آخر يحرم من ميزة المعرفة ولكن كل ما يؤخذ ولا يلاقي انتصارًا في المجتمع  ليكون منه مرتكزًا للمعرفة الكلية في نفسية المجتمع يلفظ ولا ينتصر في صميم ذلك المجتمع فيبقى “معرفة” للغير و “لا معرفة” له. إنه المقتبس معلومات فحسب. فكل ما يمكن أن نأخذه من الغير إذا لم يلاقِ في نفسيتنا تفاعلاً يساعد في تعبير حياتنا عن ذاتها، يبقى خارج حياتنا لا تفيد منه، وإن أفادت منه مجتمعات أخرى.

       إن في نفسيتنا كل علم وكل فلسفة وكل معرفة وما لا يفعل في نفسيتنا  يبقى في المدلول الصحيح “لا معرفة” وإن كره الذين يجمعون العلم في “عقلهم” وتبقى فرديتهم حاجزًا عن التفاعل في وحدة حياة مجتمعنا ويبقى جاهلا وأبعد ما يكون عن المعرفة، مهما جمع من شهادات تحصيل علمي أو عملي، من لا يكون في علمه وعمله ما يعبر عن نفسية أمته وعن مصلحة حياتها. ولا يبقى للمعرفة إلاّ ما ينتصر في صميم حياة المجتمع السوري متجاوبًا مع قوة تعبير هذه الحياة عن ذاتها وهي مخزون كل علم وكل فن وكل فلسفة.

      ولنا من الأدب مثال ومن الفن مثال، فما استجلب من الأدب والفن كالذي استجلب من العلم يبقى خارج حياتنا وكل ما لا يساعد حياتنا في التعبير عن ذاتها تعبيرًا يوافق طبيعتها يبقى “لا معرفة” لنا. إن المعرفة هي كشف وعطاء لا أخذ فردي يذهب مع الأفراد ويبقى الأخذ لا معرفة إلى أن يصبح، بالتجاوب، تعبيرًا عن حياتنا وعطائها فيصبح لنا معرفة بالمدلول الصحيح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

*صدى الشمال صوت الجيل الجديد العدد الخامس تاريخ 22 حزيران 1958

جورج عبد المسيح: البناء الاجتماعي، ص 30

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *