فلسفتنا هي تحقيق الأفضل

فلسفتنا هي تحقيق الأفضل

الذين تجرّهم الفلسفة التجريدية إلى الجدل اللفظي يمكن أن يجدوا ناقضًا لكل فكرة أو إثباتًا لها في الجدل “المنطقي” مهما كان لا منطقيًا. وإذا كان في رأي أحدهم “أن المجتمع والكون قد وجدا للفرد” فإن كل حقيقة في الكون يمكن أن يجد لها ناقضًا أو مبررًا بالنسبة إلى تجاوبها سلبًا أو إيجابًا مع الأنانية. وأخطر هؤلاء هم الذين ينقلون الفلسفة ألفاظًا حصلوا عليها من كتب أو اقتبسوها عن ناقلي فلسفة مثلهم، فأتت خليطًا يزيد في البلبلة ومعطلاً للتفاعل الفكري الحياتي الأصيل.

هؤلاء الذين يرون سطحيات الأمور فتأخذهم، وهم إنما يرونها بمنظار سواهم فتقيد ملكة الإدراك فيهم، ويجادلون “بالحرية” الفكرية أو العملية “والإرادة” الفردية، هؤلاء هم القدوة السيئة في كل مجتمع. يعرقلون فعل الحياة وينقّصون الإنتاج الأفضل. فلسفة المجتمع السوري هي فلسفة الصراع الوجودي لتحقيق ماهو أفضل. فميزة الحياة السورية هي ميزة تحقيق الوجود الأفضل في واقعه، في واقع الوجود، وتأبى المجادلة في المجرّدات. إذ إن من لا تفعل فيه حقيقة وجوده لا يجديه التعرف، إلى وجود آخر يقتبسه ألفاظًا لا تعبر عن أصالته، عن وجوده هو.

وجودنا هو القيمة العليا. وقضيتنا هي تحقيق هذه القيمة. وجودنا هو كل الخير وكل الجمال وكل الحق وكل العدالة. هو الحرية والإرادة والإدراك. هو الصراع لتحقيق الأفضل.

لو عرف واحدنا كل ما في فلسفات الناس من مجرد وواقع ولم يعرف حقيقته هو، فهو في ضلال بعيد. لنعرف حقيقتنا يجب أن نفتش عنها في نفسنا، في خط سير حياتنا، في ما نحن وفي ما نكون.

الزارع الذي يعمل بإرادة الحياة لإنتاج الأفضل، والصانع والمستخدم… في أي عمل من شؤون الحياة المتنوعة يقوم به السوري لتحقيق ما هو أفضل لإنتاج ما هو أفضل، هي فلسفة حياتنا والتعبير عن نفسيتنا.

الذي يعرف أن العمل واجب وأنه حق طبيعي لإنماء الحياة، ويعمل بما يعرف على نور حقيقة كونه جزءًا من كل، هو وجوده الحقيقي، مجتمعه، الذي يعرف هذا ويعمل به للإنتاج الأفضل للمجتمع يكون قد ولج رحاب الفلسفة وإن لم يفتح كتابًا وإن لم يقرأ “فلسفة” السابقين واللاحقين.

والذي يعلم ولا يعمل بما يعلمه هو من السوءات في الحياة الإنسانية والمساوئ لا تصيب إلا الأفراد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*البناء عدد 201 تاريخ 26 نيسان 1953

جورج عبد المسيح: البناء الاجتماعي، ص 38

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *