الواقع لا تغيره المضاربات الجدلية

الواقع لا تغيره المضاربات الجدلية

كثير من النظريات تبدو صحيحة حتى بالمنطق الجدلي، ولا سيما تلك التي لا ترتكز إلى ما تكشف من نواميس الطبيعة – بالتجربة والبرهان -. ولكن الصحة البادية، جدليًا، والمسلم بها، جدليًا، لا تغيِّر من المجرى الطبيعي للأمر المبحوث. وحيث تنكشف النواميس الطبيعية يبطل الجدل ويركز الأمر المبحوث على الواقع الطبيعي ويتوافق معه تمام الموافقة. فكم من نظرية تفشل في مجال التحقيق وكم من مخطط تنفيذي لم يثبت للتجارب فدلل على عدم صحته لعدم ارتكازه إلى حقيقة وعدم انبثاقه عن حقيقة. فالجدل العقلي مع كونه من طبيعة الفعل العقلي، لا يستقيم دائمًا مع الأفراد في ما يبدو لهم جدليًا عقليًا وهو ليس إلا جدلاً لفظيًا – مجادلة في الفرضيات.

ومن جهة أخرى يمكن أن تكون النظريات الصحيحة مدعاة للهزء من الذين لم يتعمقوا في الأسس التي ارتكزت إليها والنظرة الشاملة التي انبثقت عنها.

فمقياس الصحة والخطأ هو الواقع الحياتي. وجميع النظرات والنظريات المنبثقة عنها لا تثبت إلا بقوتها الذاتية. وقوتها الذاتية هي في مدى انطباقها على الواقع الطبيعي. وإذا جارت النظريات الواقع الحياتي تنتصر حتمًا لأنها انبثاق ذلك الواقع. والواقع ديمومة، وجميع النظريات والأفكار التي لا تنبثق عنه لا تبقى ولا تنتشر في المدى الطويل. وينتصر ما هو تعبير عن الواقع الطبيعي فقط.

التحقيقات العلمية والوقائع التي تكشفت نواميسها، تتشابه في وضعها وفي أساليب تحقيقها وتأتي نتائجها واحدة، لتوافقها مع الواقع الطبيعي.

ومع هذا التشابه في الوضع وأساليب التحقيق والوحدة في النتائج، نجد أن اختلاف النظرات إلى الوجود يأخذ من النتائج الواحدة براهين لإثبات نظريات فلسفية تأتي متضاربة أحيانًا، فأصحاب النظريات المادية يعتمدون النتائج المبرهنة عينها التي يعتمدها أصحاب النظريات الروحانية.

فإذا كان ذلك صحيحًا في اعتماد الشؤون العلمية التي لا خلاف في حاصلها المبرهن بنواميس طبيعية، فكم يكون الخلاف في النظريات الافتراضية المرتكزة إلى ظاهرات أو حدس ولم تبرهن علميًا بعد؟

إن النظريات الاجتماعية التي برهنها العلم وثبت حاصلها الموافق للطبيعة في مدى سير الحياة هي الأهم شأنًا لأنها تمس صميم الوجود الإنساني. ولهذا، فمن أشد الضرورات، لفهم النظريات الاجتماعية، أن يتفهم دارسها النظرة التي انبثقت عنها. ويصبح الأمر صعبًا إذا كانت النظرة كشفًا جديدًا لم يعهده الدارسون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*البناء عدد 191 تاريخ 14 نيسان 1953

جورج عبد المسيح: البناء الاجتماعي، ص  52

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *