وجودنا المثل الأعلى

وجودنا المثل الأعلى

 

    المثل العليا ليست خارجنا، كما يتوهم بعض المثاليين الذين يريدون أن يقودونا نحو المثل العليا أو نحو المثل الأعلى، المثل الأعلى هو نحن.

إنه الحياة بواقعها. إنه المجتمع – وحدة الحياة على وحدة أرضية. فنحن نزحف بالمثل الأعلى، بحقيقتنا، بوجودنا، بعقيدتنا المعبرة عن وجودنا، نحو المجد. نحن نزحف صفًا واحدًا، مثالاً عاليًا متكاملاً يتحقق في تصاعدنا.

    المثال الأعلى، الحياة، هو نحن، هذا المجتمع الظافر. إنه هذا الصراع الحياتي المدرك ذاته المستهدف تحقيق ذاته. والذين يرون المثالية في تعليم ونظم خارج مجتمعنا، غاب عنهم حتمًا مدلول المثل الأعلى وغابت عنهم، تحت طبقات الباطل، حقيقة وجودهم المثالي الرائع.

     وعي وجودنا المثالي، حقيقتنا التي لا حقيقة وراءها تحقق مثاليتنا.”الحياة قيمة” هكذا قال سعاده. ولا مثالية وراء القيمة أو خارجها.

ومجتمعنا – هذه الوحدة الحياتية العظيمة الإمكانيات على هذه الأرض السورية العظيمة – مجتمع ظافر فاز بالتحقيق المثالي الرائع. وحاجات حياتنا تتمايز وفقًا لتمايز مجتمعنا عن أي وحدة أخرى. ومثاليتنا هي تأمين حياتنا بتنوع حاجاتها، في تأمين مصلحة حياتنا، وتأمين مصلحة حياتنا هو في إنتاج الفعل الإرادي. والفعل الإرادي يترفع عن حقارات الذين يرون المثل العليا خارج نفوسهم، يتكلمون عنها سلبًا أو إيجابًا دون تحقيق بذاتهم.

     ليست الديموقراطية الغربية ولا الديموقراطية الشعبية، مثالاً أعلى في  ذاتها. فاللفظة إذا ما خرجت عن مدلولها التعبيري التطبيقي في المجتمع المعني لا يمكن أن تعني شيئًا لذلك المجتمع. والأخلاق العقلية، المناقب الإرادية الأصيلة، ليست خاضعة لمقاييس الذين تسير بهم الحياة وهم على هامشها كما يسير الجسم الحي بأوساخه إلى حين.

     العمل الإرادي، المتوافق مع واقع حياتنا هو التعبير التطبيقي عن واقعنا المثالي، عن وجودنا، عن المثل الأعلى الذي هو نحن في أصالتنا المنزهة عن مقاييس الأنانيين. فهدم حياتنا في الكلام المنمق الفارغ، عن المثل العليا، هو الباطل الذي يجر النفوس المريضة إلى هاوية الذل يرفعها على ركامات ذل الأنانية.

     إن انحدار المقاييس في أفراد وجماعات من مجتمعنا قد أعمتهم عن وجودهم المثالي فتمرغوا  في الأوهام حتى لم يعودوا يروا مثالية إلا خارج وجودهم السوري العظيم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* البناء عدد 244 تاريخ 18 حزيران 1953

جورج عبد المسيح: البناء الاجتماعي، ص 40

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *