“الفرد” النملة

“الفرد” النملة

 

من ميزات الحياة في واقعها الصراعي المنسجم على تنوعه، أن تبرز – في أزمة الانحطاط الحضاري حيث تعصف الفردية الرعناء ـ مظاهر الاستغلال الفردي أو الفئوي. ويشتد ـ في مثل هذه الأزمنة الانحطاطية ـ الصراع في المجتمع الواحد بين التعبير الصحيح عن نفسية المجتمع المعني وبين جواذب الانحطاط “الفردية”. ومن أشد أسلحة الانحطاط فتكًا الأفكار المزيفة التي يستخدمها الأنانيون ضد المجتمع فتبدو للذين لا مجال لهم لتمحيصها وكأنها أفكار صحيحة. وأشد مستخدمي هذه الأسلحة فتكًا هم الذين يؤمنون بأن المجتمع إنما وجد من أجل الفرد. وإن واجب الفرد نحو المجتمع لا يعدو واجب بعض أنواع النمل نحو نوع من “المن” الخضري. فالنملة من هذا النوع تفرز غذاء للمن ليتغذى به وينمو بواسطته ويكون في النهاية غذاء لهذه النملة. – تغذيه لينمو لتأكله غذاء لها -.

“عقلية النملة” هذه نلاحظها في أفراد من مجتمعنا الحضاري الظافر في وقتنا الحاضر. ونلاحظها في كل متحد وفي كل فرقة أو تكتل أو تشكيلة. وكم من تشكيلة وكم من كتلة في بلادنا تجمعت بعقلية “نملة المن”. وكم من التفاف في المجتمع “وفئاته” يكون بعقلية “نملة المن” يفرزون حلاوة اللسان لتنمو عليها عواطف الناس وأحاسيسهم وميولهم ليعود الأنانيون لامتصاصها.

الجماعة أو الشعب، إذا اتصفا بعقلية “المن”، يسهلان على مثل هذه الأنانيات استغلالها. أما الشعب الواعي فيدفع بالأنانية إلى الهاوية لينقذ الأمة منها، إذ حيث لا جماعة بعقلية “المن” الخضري لا تعيش الأنانيات وتضمحل عقلية ” نملة المن”. الذين لهم عيون ترقب أصحاب عقلية “نملة المن” يرون فيها نشاط تلك النملة. فهي في شغل وتنقل دائم تتعهد “المن” وتحرص على تغذيته بالإفرازات التي تعده لأن يؤكل.

أما المعبرون عن نفسية أمتنا فإنهم يعملون بصمت بناء ليسحقوا عقلية “نملة المن” وعقلية “المن” فينقذوا أجيال الأمة ويهيئوا طريق الاستمرار التصاعدي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* البناء عدد 243 تاريخ 17 حزيران 1953.

جورج عبد المسيح: البناء الاجتماعي، ص 62

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *