نحن وحدة حياة

نحن وحدة حياة

 

           الاصطلاحات اللفظية التي تستخدم أداة للتعبير عن فكرة ما لا يمكن أن تعبر تعبيراً تاماً عن الفكرة. فالكلمة لا تحمل مدلولها الصحيح إلا بمقدار  ما يحمّلها إياه مستعملها نفسه. ونلاحظ أن البحث في النظريات المجردة يصل إلى حد المضاربة اللفظية تبعاً للمضاربة الخيالية التي تهيم في بحث الجزئيات مجردة عن الكل على غير استقرار.

           فالبحث في ماهية الحياة في التجريد الغيبي أو في ماهية القيم: الحق والخير والجمال -وعشرات القيم الأخرى التي اصطلح على تسميتها النظريون واختلفوا كثيراً في تحديد ماهيتها-، البحث في هذه الأمور لا يوصل إلى أية نتيجة نهائية متفق عليها. وكثيراً ما نرى أحد الباحثين في المجردات يعترف بموافقته على تحديدات باحث آخر، ولكن سياق بحثه يدل القارئ على أن هذه الموافقة هي اللاتوافق الأكيد بين ما قصده الأول وما توهم الآخر استيعابه.

           والخطر على الفكر الكاشف في هذه المجردات والخائض في بحثها عظيم جداً لأنها تجذب الفكر عن الواقع إلى عالم الغيبيات. ولو أن مثل هذا  الانجذاب يؤثر في الفعل الحياتي في التحقيق الأفضل لأصبح الوجود وهماً. ولكن كون هذه الظاهرة طبيعية في الإنسان المصارع للتحقيق، فإن فعاليتها في التأثير في سير الحياة وفقاً للصراع الطبيعي السليم تكون جزئية وخطرها على بعض الأفراد فقط.

           الاصطلاحات اللفظية في الفلسفة العملية تأخذ من الواقع مدلولها، وتكون أداة أفضل للتعبير عن الفكرة الصالحة للتطبيق العملي. ذلك لأن تجسيد الفكرة المعنية بالتطبيق العملي يساعد في استخلاص مدلول الألفاظ من هذا التجسيد.

           إن واقع الحياة الإنسانية المدركة ذاتها المصارعة لتحقيق ذاتها تأبى التجريد. ولهذا استعمالنا اصطلاح الحياة لا يدل على مجرد مطلق خارج واقعها الطبيعي. ونحن إنما نعني في بحثنا هذا التعبير الحياتي الأسمى ـ الإنسان. ونعني بلفظة الإنسان، المجتمع لا الفرد ولا الإنسان في عالم المثل الأفلاطونية.

           الحياة – الإنسان – المجتمع. هذا هو ما نُعنى به، من الواقع الحياتي. ونحن لا نحصر الحياة أو نجردها من شمولها بل نقصد باللفظة أسمى تعبير للحياة الذي هو الإنسان المجتمع – الإنسان الكامل، فالحياة السورية هي، في اصطلاحنا، – الإنسان السوري – المجتمع السوري.

البناء الاجتماعي

جورج عبد المسيح

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *