بيان الرئاسة للأول من آذار 2020

أيّها المواطنون والرفقاء،

نحتفل بالأول من آذار كلّ عام، في تقليدٍ جديد، بولادة المعبّر الأوفى عن حقيقة الأمّة وباعث نهضتها، ليس لأنّه “نبيٌّ” بالمعنى الديني، بل لأنّه استشرف الطريق لاستعادة الأمّة ريادتها بين الأمم.

في الأول من آذار 1904، وُلد أنطون سعاده، ابن ضهور الشوير، فكان منذ نعومة أظفاره واثقًا بنفسه، بأمّته، وكان جلّ اهتمامه بعث هذه الثقة في نفوس أبناء شعبه.

عام 1932، بعد وضع المبادئ الأساسيّة والإصلاحيّة– العقيدة، أسّس سعاده الحزب– الحركة، لتحقيق هذه المبادئ في الأمّة، وبعث نهضتها.

إذا عدنا إلى المبادئ الإصلاحيّة، التي تؤلّف مع المبادئ الأساسيّة “قضيّة واحدة هي قضيّة الأمّة السورية وسيادتها واستقلالها وارتقائها”، نجد أنّ المبدأ الرابع منها ينصّ على: «إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمّة والدولة». وإذا نظرنا في حال الأمّة اليوم ندرك الحاجة إلى تحقيق هذا المبدأ، الذي يشكّل طريقًا ضروريًّا لتحقيق الاستقلال.

ففي الشام، وبعد أن كان الكيان الشامي قادرًا على تحقيق الاكتفاء في الحاجات الأساسيّة، وبالتالي بعد أن كان قادرًا على الاحتفاظ – إلى حدّ بعيد – باستقلال قراره السياسي، نجد أنّ الأزمة التي سيقت عليه تركته في حالةٍ اقتصادية واجتماعية سيّئة، فرغم ما يحقّقه الجيش من تقدّمٍ على الأرض، لن يكون آخره تحرير حلب الأسبوع الماضي، إلّا أنّ الحاجات الأساسيّة لم تعد متوفّرة بشكلٍ كافٍ، حيث حوّل الحصار جزءًا من ”أهراءات روما“ إلى الحاجة لاستيراد السلع الأساسيّة. يضاف إلى هذه الحاجة غلاءٌ غير مسبوق في الأسعار، وتدهور في القدرة الشرائية للمواطن، دون أن ننسى هجرة الأدمغة التي لم توفّر اختصاصًا من الاختصاصات. لقد تعقّدت الأزمة وتداخلت فيها كلّ المصالح المحلّية والإقليميّة والدّوليّة، وتشابكت مع بعضها كما تشابكت هموم المواطنين أمنيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا. وباتت طريقة الحياة صعبة على كافّة الصّعد والسّبل رغم ما نراه من توسّع انتشار الجيش الشّامي في مناطق جديدة في محافظتي حلب وإدلب. هذا التوسّع والانتشار، وقد فُرض بالقوة، تسبّب به انسداد الأفق السياسي الذي تمظهر في تجميد عمل اللجنة الدّستورية التي شاءها التّركيّ لتكون حصان طروادة لتحقيق مكاسب في بنية وتركيب النّظم الدّستورية والقانونيّة. وهذا ما شجّع التّركي على الانصياع للإغراء الأميركاني المزدوج في الشّام وليبيا، بحيث يسحب القوات التي تنصاع لإمرته من غرب حلب ويبدّلها بالنّصرة وأخواتها، ما شكّل خرقًا لما اتُّفق عليه في لقاء موسكو بين مسؤول الأمن الوطني في الشّام مع مسؤول المخابرات في تركيا. ولا عجب أن  يشدّ من أزر العدوان التّركيّ عدوّ أميركانيّ غاشم جاثم على أراضيَ واسعة من محافظتَي دير الزور والحسكة، ناهبًا ثرواتنا النّفطية، وليس من حقّه استخراجها وتوزيعها على هواه. وبتغاضيه ودعمه المستتر للتّركيّ يُطيل أمد وجوده في أراضينا، وهذا ما يعيق قدرتنا على محاربة الأميركانيّ بذاته. والأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة على صعيد مستقبل الصراع مع التّركي بعد إرساله حشودًا ضخمة من قواته إلى أراضينا بقصد التهويل بالحرب. وكنا قد أشرنا مرارًا وتكرارًا إلى المطامع التّركيّة في أراضينا، وهي ليست خافية على مواطنينا أبدًا. ونرى أنّ الأتراك قد ناوروا كثيرًا للتملّص من التزاماتهم مع الروس، ولعلّ آخر مناورة تجلّت بالدّعوة إلى عقد قمّةٍ رباعيّة روسيّة – ألمانيّة – فرنسيّة – تركيّة، بهدف إحراج روسيا بموضوع “اللاجئين” الذين قد يتركون منازلهم هربًا من المعارك ويتّجهون إلى تركيا، حيث أنّ المسلّحين يمنعونهم من الذّهاب إلى المناطق التي يسيطر عليها الجيش.

في هذه الأثناء تتصاعد وتيرة العدوان اليهودي على الشام، وتتصاعد معها أعداد الضحايا ونسبة الخسائر. هذا العدوان الذي لم يسبق أن رأينا له مثيلًا على الكيان، لم يكن ليحصل لولا الأزمة وما رافقها من تداخل مصالح دولية ومحلّية وإقليمية – كما أشرنا آنفًا – تركت الشام في حالةٍ من الترقّب والمراوحة.

كنا منذ بدء الأزمة قد وضعنا الثوابت التي لا يمكن التنازل عنها في السعي للحلّ، وأهمّها رفض التدخّل الخارجي، والحفاظ على وحدة الشام، وعدم تحويل أرضها إلى منطقة نزاعات، بالإضافة إلى إقامة الحوار التفاعلي بين الشاميين لإيجاد الحلّ المنبثق عن المصلحة الشامية وبأيدي أبناء الشام. ونحن يومًا بعد يوم، نؤكّد ونتأكّد من ضرورة العودة إلى هذه الثوابت للخروج من الأزمة المحيقة بنا.

وفي لبنان، لا بدّ من التّوقف عند الأوضاع المعيشيّة الزرية التي وصل إليها المواطنون، نتيجة السّياسات الماليّة التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ عام 1992 والشّروع بمحاصصة ”الترويكا“، بمشاركة معظم المسؤولين الذين تعاقبوا على لبنان، وخاصةً ”أمراء الحرب“. وما يُدمي القلب هو تضافر هذه الطّغمة الحاكمة مع مخطّطات الأعداء لتركيع لبنان والخضوع لمشيئة عدوّنا الأوّل بالاستيلاء على بعض ثرواتنا في البحر من نفطٍ وغاز، ومحاولة إفقاره وجعله ينصاع لأوامر السيّد الأميركاني. فما قام به أصحاب البنوك من تهريب للأموال والتلاعب بقيمة صرف الدّولار، بتغاضٍ مقصود من حاكم المصرف المركزي، بالإضافة إلى التدابير المستندة إلى الاقتصاد الريعي، أدّى إلى تدهور سعر صرف الليرة في لبنان، بالتزامن مع الشام،  ورفع أسعار السلع الضروريّة في كلا البلدين، واحتكارات المواد الأساسية. ناهيك عن الفساد المستشري منذ ولادة الكيان اللبناني والمحاصصات الطائفية لتمرير الصّفقات المشبوهة خدمة للمصالح الفئوية والإقطاعيّات الجديدة، سواءٌ كانت ”حزبية“، أم طائفية، أو حتى عائلية… والمحزن أكثر أنّ خبراء كثيرين، ومنذ ما يزيد على الخمس سنوات، بدأوا بالتحذير من مغبّة الاستمرار في السياسات الاقتصادية والمالية المعتمدة، وأثبتوا أنّ هذه السياسات ستودّي بلبنان إلى ما وصل إليه اليوم من تدهور، لكن لم يجدوا أذنًا صاغية في ”الدولة“، وأشاروا إلى حلول واقتراحات كان من الممكن أن تخفّف من عواقب هذه السياسات لو اعتُمدت في حينها، لكنّ السلطة اللبنانيّة لم تحرّك ساكنًا في اتّجاه حماية لبنان من السقوط في هذه الهوة التي نعاينها اليوم.

أمّا الحكومة التي شكّلها الدكتور حسّان دياب فقد انصاعت للضغوط أمام عقبات كثيرة، كان أولها ما عاب طريقة تشكيلها والرضوخ للقوى السياسيّة التقليدية في لبنان، بالإضافة إلى بعض الوزراء الذين فرضتهم التسويات القائمة بين أركان الحكم ”التوافقي“ – وهذا ما سيعيق عمل الحكومة، خاصةً إذا ما استنارت بآراء هؤلاء في حلّ القضايا المصيريّة – وإقرار موازنة وضعتها الحكومة السابقة في جلسةٍ دستوريّتها قابلة للنقاش، كما عابها وضع بيانٍ وزاريّ لم يتضمّن خطوةً ملموسة في سبيل تحقيق الحلّ للأزمة المستشرية، لا بل توجّهت الحكومة إلى “استشارة” صندوق النقد الدولي في إيجاد حلول للأزمة، مع ما يعنيه ذلك من إغراق أكبر للبنان تحت سيطرة القرار الأجنبي، وكشفه أمام مخطّطات العدوّ في السيطرة على مقدّراته، وعلى قراره خاصةً في شأن مقاومة الاحتلال.. ولعلّ الخطوات الأساسيّة المطلوبة من الحكومة هي الابتعاد عن الصندوق الدولي وشروره المعروفة، والاتّجاه إلى الاقتصاد المنتِج صناعةً وغلالًا وفكرًا، والابتعاد عن المديونيّة. وعلى الصّعيد السّياسي الدّاخلي العمل على إيقاف الاستنزاف المستمرّ لمصادر تمويل الخزينة، من أملاك بحرية وعقود إيجارات، وعقود بالتراضي، وشركات الاتّصالات… وتفعيل أجهزة الرقابة وتعزيز استقلالية القضاء، وحماية القضاة النزيهين من الترهيب والترغيب، والقطع مع نهج الفساد وملاحقة المتورّطين فيه ومصادرة أموالهم… فتكون قد بدأت بالخطوات الفعالة لبناء ثقة المواطنين بها، ولا بدّ من العمل على وضع قانون انتخاب عصريّ خارج القيد الطائفي. كما يجب إعادة العلاقات الطبيعية مع الشام لأنّها المتنفَّس الأكبر للإنتاج اللبناني، وإعادة درس الاتّفاقات السابقة مع الشّام ووضع اتفاقيّات جديدة تنصف الكيانين، وحلّ مشكلة المهجّرين الشاميّين بعودتهم الكريمة إلى المناطق الآمنة، بصرف النظر عمّا تخطّطه المؤسّسات والتنظيمات الدوليّة في هذا الشأن.

أمّا فيما يتعلّق بـ”اللاجئين“ الفلسطينيين، فلا بدّ من التأكيد على حقّهم بالعودة إلى فلسطين، واستعادة أرضهم من العدوّ، انطلاقًا من قوة الحقّ، ودون الخضوع لترغيب الصفقات أو ترهيب ”حقّ القوة“، اللذين يستعملهما العدوّ وحلفاؤه، لتحقيق مآربه، بفرض التوطين، أو الإبعاد.

وبالنسبة للانتفاضة الشعبية، التي انطلقت من ألم المواطن اللبناني وشعوره بفقدان الأمل، فقد أعلنّا منذ اليوم الأول دعوتنا إلى التحرّك، متابعةً لمشروع انطلق منذ 2011، وتعدّدت مسمّياته، وكلّها يصبّ في مشروع بناء الدولة. كما أعلنّا في بيان التأسيس للعام 2019، مشروعًا لتفادي تفاقم الأزمة، أمّا اليوم، وبعد ما وصلنا إليه من تدهور، فإنّنا لا زلنا نعمل مع حلفائنا لوضع الاقتراحات التي تصبّ في بناء الدولة الحديثة، ولاستعادة الشعب اللبناني زمام المبادرة في القرار المنبثق عن مصلحته والمعبّر عن إرادته. أمّا القوى السياسية الطائفية التي حاولت استغلال الحراك، فقد باءت محاولاتها بالفشل. ويبقى أن يعيَ المواطن اللبناني مصلحته، فيعمل على نبذ كلّ محاولات الاستغلال ويثابر على مراقبة ما يجري بعين المدقّق ليتمكّن من اجتياز الأزمة بأقلّ الخسائر، وينخرط في واجبه الوطني انطلاقًا من القاعدة الأساسيّة ”كل مواطن خفير“.

وفي العراق مع ما شهده من تحرّك مماثل ومتزامن مع ما حصل في لبنان، مع فارق أساسي بتعرّض بعض المتظاهرين لإطلاق النّار من عناصر هدفت لاندلاع الفتنة المسلّحة بين القوى المحسوبة على مقارعة النّهج الأميركاني. ومع استقالة الحكومة لم يستطع العراقيّون إلى الآن التّوصّل لتشكيل حكومة بديلة كما جرت العادة، نظرًا لنظام المحاصصة الذي فرضه الأميركاني على العراقيين. وفي خلال هذه الفترة حدث أمر خطير تمثّل في غارتين قام بهما الطيران الحربي الأميركاني، الغارة الأولى استهدفت الحشد الشّعبي وأدّت إلى استشهاد عدد كبير من أفراده، وفي الغارة الثّانية استشهد الجنرال قاسم سليماني قائد لواء القدس في الحرس الثّوري الإيراني كما استشهد أبو مهدي المهندس المسؤول العسكريّ الأول في الحشد الشّعبي. ولقد أدّى هذا الأمر إلى عودة الالتحام بين القوى المناهضة للوجود الأميركاني فخرجت جموع التّشييع بالملايين في كلّ من العراق وإيران، وأقرّ البرلمان العراقي خروج القوّات الأجنبية من العراق. ولكن حال دون تحقيق هذا الهدف خلاف كبير بين القوى السّياسيّة العراقية. إلى حدّ أننا وجدنا وزير خارجية العراق يشجب الرّد الإيراني على اغتيال قاسم سليماني وصحبه. قلناها ونكرّرها للمرّة الألف أن لا خلاص للعراق، كما لبنان، إلا بالتّخلّص من نظام المحاصصة بين فئاته الشّعبية. وإقامة نظام المواطنة المبني على المساواة في الحقوق والواجبات، والقيام بالمهام القوميّة مع باقي كيانات الأمّة.

أمّا في الأردن، فلا بدّ لنا من توجيه التحيّة للفعاليات الشّعبية لمواجهة ”صفقة القرن“ ومطالبة الحكومة بإلغاء اتّفاقية الغاز مع كيان العدوّ الغاصب. فدعوة الملتقى الوطني للقوى والأحزاب والشخصيات القوميّة واليساريّة إلى بناء ائتلاف وطنيّ لمقاومة ”صفقة القرن“ ووقف التطبيع مع كيان الاحتلال أمرٌ في الاتجاه الصحيح، وهو إطار يمكن أن يشجّع على تنمية خطّ المقاومة وتوعية الأوساط الشّعبية للتّحذير من مخاطر تلك الصّفقة ونتائجها الهدّامة. على اعتبار أنّ الأردن يشكّل الوطن البديل للفلسطينيين لمرحلة لاحقة تطبيقًا للصفقة المشؤومة. أمّا الجهات الرسمية في الأردن، فهي غائبة عن السّمع فلا تعليق ولا تصويب مخافة التعرّض للضّغوط من كلّ حدب وصوب، بحجّة ضعف الإمكانيات، بل وانعدامها في بعض المجالات.

أمّا الطامة الكبرى، والتي حذّر منها سعاده منذ ثلاثينيّات القرن الماضي، كما حذّر الحزبُ الراحلَ ياسر عرفات من مغبّات التفرّد بمقاربة المسألة الفلسطينيّة منذ عام 1973، هذه الطامة هي الموقف الكلامي الفارغ ”للسلطة الفلسطينية“ من إعلان تنفيذ ”صفقة القرن“، التي لم تكن بالأمر الجديد، بل إنّ الجديد هو التصريح بها علنًا. أمّا وقد أعلنت ”صفقة القرن“ من البيت الأبيض الأميركاني وبحضور رئيس وزراء الكيان الغاصب في فلسطين، وبحضور ثلّة من سفراء الدول الخليجية اللاهثة وراء محاباة الولايات المتّحدة الأميركانية، الطامعة باستمرار حمايتها لها بأيّ ثمن، فماذا عسانا فاعلون؟ أعلنت الصّفقة وتبارت القوى الفلسطينية على رفضها، ولكن ما هي الخطوة التالية؟ فالرفض القاطع والنّاجز وحده لا يكفي أبدًا، بل يبقى كالسكوت عن قول الحقّ. إذ لا بدّ من ترجمة هذا الرّفض بعمل يؤدّي إلى إسقاط هذه الصفقة. لقد مرّت بلادنا بتجارب كثيرة من صفقات ما بين دول أوروبية عدةّ ومقرّرات جائرة لمؤتمرات اكتست الطابع الدولي لإضافة الصبغة ”الشرعية“ عليها، فما كان الردّ عليها، وللأسف، إلّا الرّفض الكلامي والمظاهرات الغوغائية التي لم تُثمر إلّا تثبيتًا للباطل الذي ابتدأه المستعمر المزدوج الفرنسي – البريطاني بتقسيم بلادنا وإصدار وعد بلفور المشؤوم. ولم يشذّ عن هذه الطريقة إلّا الثّورة التي حصلت في فلسطين عام 1936 والتي تآمر عليها بعض الحكّام المنصاعين لوعودٍ بريطانية كاذبة. ومنذ ذلك الإعلان والعدوّ يقوم بالخطوات المدروسة مستغلًّا كلّ شاردة وواردة في المحافل الدولية ليكسب تأييدها، متّخذًا وسيلته اللوبيات اليهودية المنتشرة والمستنفرة في أصقاع العالم، بسيطرتها على المال والإعلام والقضاء في معظم الدول المقتدرة. وما زاد الطّين بلّة هو انجراف بعض الحكّام في العالم العربي بعقد صفقات الذّل والهوان مع الكيان الغاصب، بمن فيهم ما اصطُلح على تسميته ”السلطة الفلسطينية“ التي ارتضت لنفسها ما نصّ عليه اتفاق أوسلو، وقد أيقنوا سرابه اليوم، واستجابت تلك السلطة لكلّ مندرجاته المهينة، ودولة الاغتصاب لم تنفّذ بندًا واحدًا من تلك المندرجات، بل فعلت العكس تمامًا، فأنشأت المزيد من المستوطنات وأقامت الجدار العازل فقطّعت أوصال المناطق التي كان من المفترض أن تلحق تحت سلطة تلك السّلطة الفلسطينية.

لقد سطّرت المقاومة في لبنان وقطاع غزة الأمثولة الحقّة في كيفية التعاطي ومقارعة هذا العدوّ الهادف إلى جرفنا من أرضنا وإقامة دولته التي يحلم أن يحكم العالم من خلالها. فبالمقاومة وحدها، وبمختلف أشكالها وأنواعها نستطيع أن نُسقط ”صفقة القرن“. نقول هذا، لنقول إن تصريح السيّد محمود عبّاس، مترئّس ”السلطة الفلسطينية“، بأنه لا يحبّ العنف وهو ضدّ العنف، ظنًّا منه بأنّه يكسب تعاطف الدّول الأخرى كي يحصل على هدفٍ مرحليّ يجده مقنعًا له ولتلك الدّول بإنشاء الدّولة الفلسطينية على الضفّة الغربية بحدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فإنّ سبعة وعشرين عامًا من الدّوران في حلقاتٍ مفرغة من المفاوضات مع هذا العدوّ لم تكن كافية لإقناع السيد عبّاس بأنّ جيش الاحتلال لن ينسحب من الضفّة والجولان ولا من غيرها إلّا بالقوة، وإلّا عندما يشعر هذا العدو أنّ بقاءه في تلك الأرض بات يكلّف أكثر كثيرًا مما يجنيه. تمامًا كما حصل معه في جنوب لبنان وقطاع غزة. فلو لم تكن المقاومة حينها شديدةً وقاسيةً عليه لما انسحب، بل على العكس لكنّا شاهدنا المستوطنات قد غطّت ربوع الجنوب اللبناني بأكمله. فكيف تسلّم  يا سيّد عبّاس سلاحك قبل بدء المعركة؟ وكيف تقبل بـ”التنسيق الأمني“ الذي يشكّل الوسيلة الأولى للاحتلال في اعتقال واغتيال الشباب الفلسطيني المقاوم؟ السلاح المطلوب لهذه المعركة ليس فقط السلاح الفردي الخفيف الذي ينشر الرعب بين المستوطنين وسلاح المقاومة الشعبية كانتفاضة 1987 وانتفاضة الـ 2000. إنّنا نرى أنّ ما صرّح به السيّد عبّاس وهذا التّوجّه سيخلق جوًّا من الخلاف بين القوى الفلسطينية حول أسلوب مقارعة الصّفقة، إذ لا يجوز أن ينجرّ شعب وراء “مترئّسٍ” متخاذلٍ مستسلمٍ قبل بدء المعركة.

إنّنا نهيب بالقوى المؤمنة بالمقاومة الفعّالة بكافّة أشكالها وإمكانيّاتها وممكناتها أن تبقى على نهجها البنّاء غير المتناهي في النّضال الذي سيزهر عزًّا وتحريرًا، وأن تقدّم للشعب الفلسطينيّ المثل والمثال في تحقيق عودة الحقّ إلى أصحابه.

وعلى الجهة المقابلة من الصراع، ماذا نجد؟ نجد عدوًّا جذلان، فرحًا بما يقدّم له بعض الحكّام في العالم العربي من علاقات التطبيع، توسّع له أسواقه لتصريف إنتاجه من الصّناعة والزّراعة والتقنيات الحديثة، وتفكّ عنه عزلته في المنطقة عبر إشراكه في النّشاطات العلميّة والثّقافيّة والأنشطة الرّياضيّة ، في مقابل حركات المقاطعة التي تنشط في الدول الأوروبية، هذا الإشراك للعدوّ يعيق عمل الذين يسعون إلى محاربته. هذا الفرح، لا يخفي وضعه الدّاخلي المترجرج نتيجة فشله في إنجاز انتخاب ”كنيست“ قادر على تأليف حكومة لدورتين، والدورة الثالثة على الأبواب. وإنّ غدًا لناظره قريب لنرى نتائج تلك الانتخابات.

ولا بدّ من التأكيد هنا أنّ خطورة ”صفقة القرن“ ليست منحصرة في فلسطين وحدها، بل إنّ تداعياتها تتناول الوضع اللبناني والشامي والعراقي وخاصةً الأردني. فمن توطين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم، وإلغاء ”حقّ العودة“، إلى ترسيخ الاحتلال وفرض العلاقات معه… في خطوة متقدّمة لتحقيق الوعد اليهوهي الموهوم.

أيّها المواطنون والرفقاء

في ما عرضناه من أسباب تدهورٍ وويلات تحيط بكياناتنا، سببها الأساسي ضمور الوجدان القومي، وغياب الاستقلال الحقيقي، وسببها المباشر هو عدم إنصاف العمل، وهو ركنٌ أساسي في بناء ”دولةٍ“ حديثة مقتدرة، مستقلّة بقرارها السياسي، ويعيدنا إلى المبدأ الإصلاحي الرابع الذي بدأنا به، كما أنّ هذه الويلات تثبت أكثر فأكثر حاجة هذه الكيانات للتنسيق الحقيقي فيما بينها، فتتمكّن من مقاومة المؤامرات المحاكة ضدّها، كما تتمكّن من استعادة الأراضي السليبة في الشمال والشرق والجنوب والبحر… إذ أوصانا الزعيم أن «اذكروا قبرص وكيليكية والإسكندرون وسيناء والأهواز”، وقوس الصحراء.

أمّا في العالم العربي، فحدثان مهمّان طافا على سطح الأحداث: الوضع المتفجّر في ليبيا، وهرولة بعض الدول العربية للتطبيع مع العدوّ الغاصب في فلسطين. وقد طغى هذان الحدثان على الرد العربي الخجول على ”صفقة القرن“. فقد شاهدنا الشّيء ونقيضه في المؤتمرات التي عُقدت لبحث تداعيات هذه الصّفقة. ولن يكون السودان آخر المطبّعين من الدّول العربية، فما السودان إلّا نموذجٌ من الدّول التي خضعت للإرادة الأميركانية منذ خضع البشير لتقسيم السودان. أمّا الوضع المتفجّر في ليبيا فلم يعد خافيًا على أحد كونه صراعًا بين محورين: مصر والسعودية والإمارات تنتصر لحفتر  ضدّ المحور التّركي القطري الذي ينتصر للسراج. وما استجدّ في الموضوع هو التّدخّل الروسي – الأوروبي بأشكاله المختلفة، على اختلاف مصالح تلك الدّول، ناهيك عن الدّور الأميركاني الخفي.

وعلى الصّعيد العالمي، نجد الصّراع الاقتصادي المحتدم بين الولايات المتّحدة الأميركية ومعظم دول العالم وبالأخصّ الصّين، والعقوبات التي تفرضها على الدّول التي لا تتماشى مع سياساتها. وما يعقّد الأمر مع الصّين انتشار فيروس كورونا الذي حصد حوالي ثلاثة آلاف ضحية حتى الآن وأثّر بشكل كبير على نمو الاقتصاد فيها. وبدأ ينتشر في بعض الدول بدرجات متفاوتة. كما أن العالم ولا شك يترقّب الانتخابات الرئاسيّة الأميركانيّة التي بدأت تطغى على النشاط السياسي هناك.

أيّها المواطنون والرفقاء،

في الأول من آذار 1940 قال سعاده: «إنّه لأمرٌ سهلٌ أن يقف إنسانٌ وينادي: اتّحدوا ففي الاتّحاد قوّة، وهبّوا لنيل الحريّة والاستقلال. ولكنّه ليس هيّنًا إيجاد الأسباب التي تنتج الاتّحاد والخطط التي تؤدّي إلى الحريّة والاستقلال. ولذلك ذهبت صيحات الداعين إلى الاتّحاد والحرية والاستقلال مع الريح. أنا لم أقف كهؤلاء المشعوذين داعيًا إلى الحرية والاستقلال بل درست وفحصت ووضعت قواعد الوحدة القومية وهيّأت أسباب الاتّحاد ووضعت أمام شعبي المثل العليا التي تبرّر طلب الحريّة والاستقلال وتحفّز الشعب على طلبهما. إنّ القضية السورية قد أصبحت قضيّة واضحة وحقيقةً مفهومةً ومعقولة لأنّها قائمةٌ على أساس الحقّ والعدل تمكّن كلّ سوريّ من أن ينال نصيبه من الحقوق والواجبات العامة من غير فارق ديني أو عائلي.»

من أسباب ما نعانيه في كياناتنا غياب الخطط العملية– الأخلاقية في مؤسّسات هذه  الكيانات، وتواكل المواطنين وإغراقهم في المنافع الفئوية والفردية. ليست مصلحة الشعب والأمّة مجرّد شعارات فارغة، أو تمرّدًا أرعن، إنّ العمل لهذه المصلحة يحتاج إلى عقليّة أخلاقية عملية، لا تكتفي بالتنظير، ولا تنساق في الانفعالات. «فالسلطة القائمة من الشعب في الشعب هي عنوان استقامة أمر الشعب وانتظام شؤونه ورفضه الاعتراف بأيّة سلطة أجنبية عليه. والشعب الذي يفقد مبدأ السلطة والطاعة يفقد مبدأ استقلاله الفعلي ويكون أمره فوضى  فلا تقوم له قائمة.» (سعاده، عوامل فاصلة في الاتّجاه السوري الحديث، 1941)

أيّها القوميّون الاجتماعيّون،

«رسالة الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى الأمّة هي رسالة الثقة والإخلاص والنظام، وسيسحق الحزب كل أثم يعترض تحقيق هذه الغاية العظيمة الجميلة!» (سعاده، “اتّق شرّ من أحسنت إليه، آب 1944). إنّ واجبنا الأساسي هو النهوض بأمّتنا وشعبنا إلى مصاف الحياة الكريمة التي يستحقّانها، والحزب– الحركة هو المعبّر عن هذه الحياة. إنّ حالة أمّتنا الحاضرة تدمي القلوب، وليس القومي الاجتماعي من ينتظر مسار الأحداث حتى يقرّر متى يبدأ بالعمل، أو يكتفي بأنّه يعرف وبأنّ الحقيقة التي كشفها سعاده، ستكشف نفسها للأجيال القادمة. القومي الاجتماعيّ يقتدي بزعيمه، فيبادر إلى إرشاد شعبه إلى حقيقته وطريق استعادة كرامته وعزّته، «وهذا ما يعنيه وجود الحزب السوري القومي الاجتماعي. هو ثورة ضد الاتّكالية والاستعباد والاستعمار تحت أيّ ستار، هو نداء إلى الشعب السوري أن يعي نفسه ومقدرته. قيمته لا يمكن أن يعبّر عنها إلا هو. هذا هو وجوده.» (سعاده، في دده الكورة، 22 تشرين الأول 1948)

فشمّروا عن السواعد، وضمّوا الأكتاف، ليس العمل من وراء المكاتب أو في البيوت، بل بين أبناء شعبنا نشترك وإياهم في السرّاء والضرّاء لتحقيق السؤدد والارتقاء … فتى آذار أمامنا ينير الطريق.

المركز في الأول من آذار 2020                    

رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي                                                          

الرفيق الدكتور علي حيدر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *