كلمة حضرة الرئيس في الذكرى الثلاثين لاغتيال الرفيق محمد سليم

كلمة حضرة الرئيس في الذكرى الثلاثين لاغتيال الرفيق محمد سليم

أقامت جمعية محمد سليم الاجتماعية احتفالاً بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على اغتيال الشهيد محمد سليم، وذلك في ضهور الصرفند، اليوم الأحد الواقع فيه 31 أيار 2015، وقد ألقى حضرة الرئيس كلمة في الاحتفال الذي كان برعايته وفيما يلي نصّها:
أحبتنا… أهل بلادي
على وقع نبض هذا البحر السوريّ، تخفق قلوبنا عشقًا للحياة حتّى الشهادة. هذي الأمواج تروي أمثولات البطولة التي سطّرتها سواعد أبطالنا مجاذيف عزّ نحو آفاق الانتصار، وليست هذه المناسبة إلاّ تعبيرًا عن بعض ما قدّمه شعبنا نهجًا صراعيًّا، خطّه سعاده بفكرٍ يرتقي بالحياة.
أيّها المواطنون والرفقاء،
الفداء مزيةٌ من مزايا شعبنا، منذ أن كان، منذ أن نزلت عشتار إلى العالم السفلي لتنقذ الحياة من “موت”…. وتمرّسنا به فعلاً صراعيًّا حاميًا كرامة شعبنا وعزّة الأمّة منذ بدايات مدنيّتنا، فليس غريبًا – كما قد يراه البعض – أن يقدّم الواحد منّا نفسه فداءً، قربانًا، فهو من هذا الشعب وله، من هذه الأمّة ولها، دماؤه وديعةٌ منها فيه يردّها متى استسقته.
أيّها السوريّون القوميّون الاجتماعيّون، يا رفقاء بلال ووجدي وسناء ومالك، وعمّار وخالد وابتسام… وكلّ إمكانيةٍ قدّمت نفسها لعلى بلادها، إنّ كلّ واحدٍ منا هو مشروع شهيد، وإن كانت الشهادة لغيرنا خيارًا ما ورائيًا، فإنّها لنا خيارٌ واعٍ مريد، بها نحمي وجودنا، فنحن قوم لا نخاف الحرب. ونحن، في الحزب السوري القومي الاجتماعي، لا نساوم على حبّة تراب، أو ذرّة أخلاق، بجهادنا، وبوديعة الأمّة فينا – دمائنا – التي نحن على استعداد دائم لبذلها خيرًا لأبناء الحياة. أمّا أبناء الظلمة فيُدفعون مكبّلين بالكره والحقد…
أيّها المواطنون والرفقاء،
إنّ صاحب الذكرى اليوم – الشهيد المهندس محمد سليم – هو من الذين آمنوا، فكرًا وعملاً، بقيمة البطولة التي لا خلاص لنا إلا بها، ورغم سنواته القليلة التي عاشها، أسهم في بناء النهج الذي بات يُعرف بـ”نهج الأجساد المتفجّرة”، مع آخرين أسقطوا شعار “سلامة الجليل”، بإطلاق صواريخ على كريات شمونة، وغيرها من العمليّات الفدائيّة والعسكريّة التي كان لها دورٌ أساسيّ في اندحار جيش عدوّنا التاريخيّ الأوحد – اليهود من بيروت، ليكون هذا الاندحار فاتحة اندحاراته التي تتالت في الكيان اللبناني، والتي ستستمرّ في كلّ كياناتنا مهما طال الزمن أو قصر، لأنّ إرادتنا هي القضاء والقدر.
لسنا هنا في معرض بحث الظروف التي سمحت – أو منعت – انطلاق العمليّات الاستشهادية، ولسنا من الذين يمجّدون الأشخاص أو يؤلّهونهم، فحضرة الزعيم نفسه لم يقبل الاحتفال بالأوّل من آذار إلاّ بجعله احتفالاً بالمبادئ القوميّة الاجتماعيّة التي وضعها، وبالنهج الذي اختطّه لعزّ الأمّة ومجدها. نحن نحتفل بالفعل الصراعيّ الذي يقوم به الرفيق – الإمكانية الفاعلة لخير مجتمعه، منبثقًا – هذا الفعل – عن المقياس الأساس “مصلحة سورية فوق كلّ مصلحة”، وكلّ محاولةٍ لاغتيال فكرة الصراع، لن تكون مجدية، لأنّ النفسيّة السوريّة هي نفسيّة صراع، ولا تألو جهدًا في إيجاد الوسائل الشريفة التي بها تنتصر إرادة الحياة. إنّنا أمام الشهادة نتعالى بقيمتها وقدسيّة دمائها، ما يحتّم علينا وضع يدنا على المحراث، نزرع الأرض ونحصد الغلال ونغربلها. وقد قال سعاده في المحاضرة الثالثة: “لغيرنا يمكن أن تتغيّر الشخصية [شخصية الأمّة] بتغيّر الظروف والعوارض، أمّا لنا نحن، القوميّين الاجتماعيّين، فلا يمكن ذلك مهما تجزّأت وكيفما تشكّلت، احتلّها أجانب أم بقيت حرّة سائدة. هناك حقيقة واحدة تبقى هي أنّ السوريّين أمّة تامّة وأنّ سورية البلاد هي لسورية الأمّة”. هذه الشخصيّة، وهذه النفسيّة الصراعيّة هي التي ألهمت شعبنا الفعل الفدائيّ فكان المعبّرون عنه، ومنهم الشهيد المهندس محمد سليم.
وها هي تجربة الحرب على بلادنا تبرهن يوميًّا أنّنا جبهة واحدة، وأنّ الواقع يفرض ذاته، ويعلن – حتى للّذين حاربوا فكر سعاده – أنّه واقعٌ علميّ وحقيقةٌ وجوديّة، فكلّ خطرٍ على فلسطين – وهو مستمرٌّ منذ 1936 إلى اليوم – هو خطرٌ على لبنان والشام والعراق وكلّ الكيانات، وهو ما بدأ من كابروا على ما كشفه لهم سعاده يومها، بدأوا يدركونه اليوم.
أيّها الرفقاء والمواطنون،
إنّ القوميّين الاجتماعيّين، أدركوا واعتنقوا ووثقوا بحقيقة الأمّة، وحقيقة شخصيّتها، ووثقوا بنفسيّة الشعب الصراعيّة البانية، وهم يعملون انطلاقًا من هذه الثقة ومن هذا اليقين، يواجهون كلّ الأوهام لإسقاطها، ويمارسون البطولة المؤيّدة بصحّة العقيدة، ورغم تشتّت جهود بعضهم، وانشغال بعضهم بسطحيّات الأمور ومغريات الحياة، إلّا أنّ وجدان الكثيرين لا يزال يهتف لحياة سورية…
يكثر الحديث والآراء والاقتراحات، ومعظمها نابعٌ من غيرةٍ على الحزب وعلى مصلحة الأمّة، لماذا لا يتوحّد القوميّون الاجتماعيّون؟ لكلّ السائلين والمقترحين انطلاقًا من غيرتهم نقول، إنّ القوميّين الاجتماعيّين وحدةٌ بالعقيدة، وبنظام الفكر والنهج ونظام الأشكال المنبثق عنها، فتمرّسهم الطبيعيّ بالمناقب القومية الاجتماعية يحقّق وحدة الروح التي أسّس لها سعاده، أما للّذين يسألون ووراء الأكمة ما وراءها من غاياتٍ ومنافع، نقول إنّ “وحدة” القوميّين الاجتماعيّين لا تكون بالجمع والضمّ والفرز وتوزيع الحصص،… وما شاكل من الأساليب التي اعتُمدت في الكيان اللبناني بعد الحرب وفي العراق، ونعمل جاهدين لمنع حصولها في الشام… المناقب القوميّة الاجتماعيّة، المنبثقة من فلسفة التفاعل الموحّد المحيي – العقيدة، والقائمة على تدبّر العقيدة واعتناقها، تقوم على ما وجّهنا إليه حضرة الزعيم في رسالته الثانية إلينا من مغتربه القسري: “ولكن أقول لكم إنّ قوّتكم الحقيقية ليست في المؤلّفة قلوبهم ولا في المتقرّبين إليكم في طور نموّكم بعد زوال كابوس الاحتلال العسكري الأجنبي، بل في بطولتكم المثبتة في حوادث تاريخ حزبكم، وفي عناصر رئيسية هي: صحّة العقيدة وشدّة الإيمان وصلابة الإرادة ومضاء العزيمة. فإذا فقدتم عنصرًا واحدًا من هذه العناصر الأساسية انصرف عنكم المناصرون وتفرّق المتقرّبون.”
وحدة القوميّين الاجتماعيّين حاصلةٌ بـ” صحّة العقيدة وشدّة الإيمان وصلابة الإرادة ومضاء العزيمة”، وكنّا أوّل المبادرين إلى الدعوة للتفاعل بين القوميّين الاجتماعيّين منذ البيان التوضيحيّ الصادر عن رئاسة الحزب عام 1991، ولا زلنا نعمل بصدق وعزم لهذا التفاعل، وكما قلنا في مؤتمر “سورية وصراع الوجود ودور السوريّين القوميّين الاجتماعيّين” في دمشق في تشرين الثاني الفائت: “السوريّون القوميّون الاجتماعيّون لا يلتقون على قاعدة الأدب السياسي، بل على قواعد الصفاء القومي الاجتماعي، والأخلاق السوريّة القوميّة الاجتماعيّة”، “على قاعدة أنّ هناك من يدعو الجميع للّقاء في ساحةٍ واحدة، هي ساحة الجهاد، وصاحب الدعوة هو سعاده العظيم.” وهذا الاجتماع اليوم واحدٌ من مظاهر لقائنا على هذه القواعد.
أيّها المواطنون والرفقاء،
لسنا من الذين يقفون على الأطلال، أو الذين يوجّهون أنظارهم للخلف، بل إنّ كلّ النكبات تشدّ عصبنا وحدة اتّجاه بكلّ من أدّى قَسَمه أمام الزعيم.. إنّ القوميّ الاجتماعيّ يقوم بعمله بهدوء وطمأنينة، بمحبّة متفانية، ولا يقبل إلاّ أن يكون في مقدّمة صفّ الصراع، وخطّ الهجوم الأول.
إلى كلّ الرفقاء والأهل والمواطنين نقول: إنّنا نعدّ أشبالنا أنفسًا وأجسادًا للارتقاء بسوريانا الجديدة.

أيّها السوريّون…
“لا يمكننا أن نتلهّى بخطر واحد عن بقية الأخطار. الوعي القوميّ يتطلّب منّا أن ندرك كلّ ما يتعلّق بنا وبمصيرنا وأن نحتاط لكلّ واحدة من قضايانا، ولكلّ واحدة من القضايا التي تهاجمنا. كلّ خطر يداهمنا خامدًا اليوم قد يثور غدًا. نحن نقوم بقضيّة كلّيّة واحدة لا بقضايا جزئيّة ولا يمكن أن نصل إلى مصير صحيح إلا بقضيّة واحدة كلّيّة لا بقضايا مبعثرة لا رابطة بينها.” (سعاده، في طلبة الجامعة الأميركية، 1949).
أيّها المواطنون والرفقاء،
إنّ سبب اجتماعنا هذا اليوم هو تمرّس شعبنا بالفعل الفدائي المنبثق من أصالته، حيث الكرامة هي كرامة الشعب والعزّة هي عزّة الأمّة، هو التمرّس بالجهاد المقدّس، بالصراع لتحقيق خير سورية وعزّها.
أيّها القوميّون… أيّها السوريّون
لا خلاص لبلادنا إلا بفكر نهضتكم، فالهجوا به وشدّوا وثاقكم بأخلاقه… تنتصروا.
المركز في 31/5/2015

رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي
الرفيق الدكتور علي حيدر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *