أنا من أشد المعجبين بالحزب القومي السوري ولكني لا أفهم لماذا يعتبر الحزب أن العراق هو جزء من سورية؟ ولماذا يعتبر القومي السوري أن نجمة الهلال الخصيب هي قبرص، علمًا بأن التاريخ لا يذكر أي حقوق تاريخية لسورية في قبرص ؟ في 30-10-2005

جواب:
“الأمة تجد أساسها، قبل كلّ شيء آخر، في وحدة أرضية معينة تتفاعل معها جماعة من الناس وتشتبك وتتحد ضمنها.” سعاده

حضرة السيد .. المحترم،

لك سلامنا القومي وبعد،

 

وردتنا رسالتك التي تسأل فيها عن سبب “ضمّ” العراق إلى الوطن السوري واعتباره جزءًا من “سورية الكبرى”، كذلك عن “الصلة التاريخية بين سورية وقبرص”

ونحن لن نجيب على أسئلتك مباشرة في هذه الرسالة، وإنما سندلك على نصوص تتناول هذا الموضوع ، ونريد هنا أن نبدي بعض الملاحظات، وهي:

أولاً: نشكرك على إعجابك “بأفكار الحزب” ونتمنى أن يتطور هذا الإعجاب ليصبح ثقة ويقينًا بقضية الحزب التي تشتمل على عقيدة واحدة كلية شاملة، نظرة واضحة الى الحياة والكون والفن. ونقول لك: إن هذه العقيدة ليست “مجموعة أفكار ” يقتنع المرء ببعضها ولا يقتنع بالبعض الآخر، إذ عندها تبطل أن تكون عقيدة نهضة ورسالة حق.

ثانيًا: نحن نقول بسورية الطبيعية ولا نقول بسورية الكبرى، لأن الأولى مجتمع طبيعي موحّد في الحياة، أما الثانية فمشروع سياسي.

ثالثًا: إن مدلول “الهلال الخصيب” ليس مساويًا لمدلول الوطن السوري أو سورية الطبيعية، فهو لفظ جغرافي طبيعي “محض لا علاقة له بالتاريخ ولا بالأمة وشخصيتها.”

رابعًا: لقد تنازعت الدول الإستعمارية ـ وخاصة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا ـ بهدف السيطرة على أفريقيا بكاملها، وعلى مناطق أخرى من العالم، بما تحتوي على بلدان وشعوب، فهل يعني احتلال هذه البلدان أنها أصبحت ملكًا لهذه الدول الإستعمارية؟ وهل إن تكلم شعوب هذه البلدان بلغة المستعمر يجعلها جزءًا من الدولة المستعمرة؟

لقد كانت فرنسا تقول: ” إن الجزائر هي جزء من الأرض الفرنسية “، والأتراك واليونانيون يقولون إن قبرص هي جزء من أرضهم، فهل تكلم الجزائريين باللغة الفرنسية يجعلهم فرنسيين، وهل تكلم القبارصة باللغة التركية او اليونانية يجعلهم أتراكًا ويونانيين؟

خامسًا:لقد انطلقتَ من حكم مسبق ومتسرّع وقاطع حين قلتَ:” ليس ثمة دليل تاريخي واحد على أنها [أي قبرص] كانت في يوم ما سورية.” وكان يمكن أن تستعمل عبارة: ” على ما أعلم “، إذ سيتبيّن لك لاحقا، وبالبرهان، أن “تاريخ قبرص” جزء لا يتجزأ من التاريخ السوري.

سادسًا: إن التاريخ هو ” سجل مجرى حياة الأمة ” أي أنه ناتج عن تفاعل الجماعة ـ الأمة مع وطنها وعليه، وليست المعطيات التاريخية الأساس الذي بنى عليه سعاده مفهوم الأمة وإنما قد بنى هذا المفهوم على مبدإ “الإشتراك في الحياة الواحدة على بقعة أرضية معينة”.

سابعًا: إن الهوية القومية لا تتغير مع مرور الأيام وتعدد الاحتلالات الأجنبية، فعبارتك القائلة: ” كانت في يوم ما سورية ” توحي بأنه يمكن أن تكون قبرص في يوم ما سورية بناءً على أدلة تاريخية ويمكن أن تصبح غير سورية بناءً على أدلة تاريخية أخرى، غالبًا ما يتركها المحتل، وهذا غير صحيح.

يقول أنطون سعاده في المحاضرة الثالثة: ” فيمكن.. أن تجزأ بلادنا إلى مئة دولة وأن نسمّي كلّ دولة بإسم نخترعه. ويمكن أن يحتل بلادنا أجنبي واحد أو أكثر من أجنبي واحد ويُقتسم وطننا بين دولتين أو أكثر. ويمكن أن تنشأ في بلادنا أشكال سياسية كثيرة ويمكن أن تتبدّل هذه الأشكال، لكن حقيقة واحدة تبقى ثابتة، هي حقيقة أمتنا وشخصيتنا القومية التي تتغلب في الأخير على كلّ العوارض.”

ثامنًا: إن الوطن هو بيئة طبيعية متمايزة عن بيئة طبيعية أخرى بحدودها وطبيعتها وشكلها، وليس الوطن شيئًا سياسيًا، فالسياسي يتغيّر. والذين يعتبرون أن الوطن أمر سياسي قد اختلط عليهم مدلولا الوطن والدولة.

تاسعًا: إن أنطون سعاده لم “يضم” العراق وقبرص والإسكندرون وكيليكيا والأحواز وسيناء وغيرها من المناطق السورية بناء على دافع ذاتي أو سياسي أو إنطلاقا من مبدإ إقتصادي أو توسّعي.

 

أما النصوص المقترحة للقراءة والتي تجد فيها جوابًا على أسئلتك فهي:

– المبادئ الأساسية الثمانية المشروحة بقلم الزعيم.

– المحاضرة الرابعة والخامسة من المحاضرات العشر.

– الفصل الثالث من كتاب “نشوء الأمم” وهو بعنوان: “الأرض وجغرافيتها”.

– الفصل السابع من كتاب “نشوء الأمم” وهو بعنوان: “الإثم الكنعاني” وخاصة من الصفحة 163 إلى الصفحة 167.

– رسالة بعنوان: قبرص سورية، أرسلت إلى الملوك والرؤساء العرب وإلى هيئة الأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن وإلى سفراء الدول الأجنبية، تاريخ 24-12-1958 تجدها في كتاب رسائل من الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى الملوك والرؤساء في العالم العربي، الجزء الأول، ص 47.

– دراسة بعنوان: سورية الطبيعية، تجدها في الموسوعة التاريخية الجغرافية للأستاذ مسعود خوند، الجزء التاسع، ص 317.

 

قد تقول في نفسك: وهل عليَّ أن أقرأ كلّ هذا لأصِل إلى جواب؟ فنقول لك : إن المعرفة تحتاج إلى بعض العناء. وإذا كانت هذه النصوص غير متوفرة لديك، نحن على استعداد لتأمينها لك.

ولتحي سورية.

 

 

بيروت في 20-11-2005 لجنة الموقع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *