الجزيرة أيضًا 1

إنّ الوطن تراث الأمّة ومورد ثروتها وهو الأساس القومي، لأنه مسرح الأمّة ومقرّها، فلا أمّة بلا وطن. ولذلك نعود إلى معالجة مسألة لواء الجزيرة لأنه جزء من الوطن، ومن تراث الأمّة السورية.
إذا نجحت سياسة الكتلة في لواء الجزيرة نجاحها في لواء الإسكندرون فأنذِرُ الأمّة بالفناء وأنذر الشعب بالخراب والتشتيت، لأنه إذا كان قد بقي للأمّة أمل بالحياة واستعادة أسباب التقدّم فمعظم هذا الأمل مؤسس على لواء الجزيرة، إذ قد تبيّن أن في لواء الجزيرة مورد أعظم ثروة طبيعية بقيت للبلاد، لما ظهر فيه من منابع النفط.
ومعلوم أنّ لسورية موارد طبيعية تؤلف ثروة طائلة أهمها البحر الميت. وهو اليوم في أيدي اليهود. ومنابع البترول الظاهرة كما في لواء الجزيرة، والمحتمل وجودها. والزراعة وقد ذهب من الزراعة القسم الأكبر أمام طوروس والقسم التابع للواء الإسكندرون. وبقي لواء الجزيرة في أيدي السوريين. ولكن سياسة الكتلة في معالجة المسائل الحيوية تجعلنا نخشى أن تكون هذه السياسة ناجحة.
ومن مظاهر هذه السياسة وأساليبها الاندفاع في إنشاء مشاريع لا تتحقق ولا يوجد أكفّاء لتحقيقها أو لتأدية الأمانة في سبيل تحقيقها. وقد أصاب لواء الجزيرة نصيب كبير من خيبة الأمل من أساليب الكتلة. فقد توارد عليهم المتطوّعون لجمع الإعانات لمشاريع شتّى لم يتحقق منها مشروع واحد، حتى أصبح أهل الجزيرة ينظرون إلى الحكم الوطني والهيأة الصادر عنها الحكم نظرهم إلى مشعوذين.
ووردنا في رسالة من الجزيرة العليا الخبر التالي:” حضر مؤخَّرًا من حَماة لفيفٌ من الأعيان وبينهم نفر من جرابلس لحضور عرس مدير مال جرابلس. وفي السهرة وقف مدير المال المذكور وقال: نحن نشكر السيد أحمد همت رئيس عشيرة البكلي الذي خدم القضية الوطنية وأعطى مرشحي الكتلة في الانتخابات ثمانية عشر صوتًا من منتخبيه الثانويين ضدّ مرشحي الأكراد”. وكان النائب الشيشكلي حاضرًا، فأدرك خطر العبارة وصاح “الأكراد تاج رؤوسنا”!
بمثل هذه السياسة المتحيّزة المبنية على العنصرية والحزبية اللاقومية تريد الكتلة أن تعالج وحدة الوطن السوري وأن تحفظ حقوق الأمّة السورية.
إنّ الخروج على العدل القومي والتضامن القومي في سبيل الحزبية والنعرات والعنعنات قد يؤدي إلى نتائج ليست في مصلحة الأمّة. ولا يمكن كتمان هذه الحقيقة عن الرأي العام الذي أصبح قلقًا على مصير الجزيرة والوطن كله. أمّا الإيعاز إلى الصحف الموالية للتمويه على الرأي العام فليس من الوسائل التي تؤمِّن سلامة الوطن.

1جريدة النهضة: العدد 7 في 21 تشرين الأول 1937.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *