كلمة رئيس المجلس الاعلى في احتفال الثامن من تموز 2008

في اليوم السابع على العرش استوى ، فهل كان يوماً تموزياً ، ليكون فجر الثامن منه ، يوم الشهادة … و الشهادة الحق هي الشهادة للحق ، وأزكى الشهادات، شهادة الدم، دفاعاً عن هذا الحق… وقلما يغير في هذا الأمر كثرة الذين يتساقطون في كل المواجهات بين هذا الخندق وذاك أو بين مختلف الفئات من الخندق الواحد.

إن الشهادة إنما تبدأ بمعرفة الحق، وهي المعرفة التي تحرر النفوس، و تضع هذا القول في مجال تحققه الصحيح، لكي لايبقى حوله أي لبس أو إبهام أو إيهام… إن الذي يعرف الحق حر، وهو الذي يستطيع أن يختار، دون ترغيب أو ترهيب، في مسير ة الصراع لانتصار هذا الحق… وبنمو معرفته وتجذر إيمانه يتضافر استعداده لإكمال المسيرة صعدا…. فلا يكون ،والحالة هذه، كل دم مراق دم شهادة، بل قد يكون وفي كثير من الأحيان، في غير موضعه، ويشكل خسارة في مسيرة انتصار الحق في الصراع المستمر….

ولأن المعرفة وهي لازمة، غير كافية ، فقد أكد سعادة، في سبره للحقيقة، على القوة ، لتكونا معاً قيمتين متلازمتين لا تفترقان في معترك الحياة، وكلتاهما واجبة الوجود لتستقيم مقومات الصراع للتقدم نحو الفلاح والانتصار الذي لا مفر منه . “فالحق لايكون حقا في معترك الأمم إلا بمقدار ما يدعمه من قوة الأمة”، و”القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره”. و”إذا تركت أمة ما اعتماد القوة للفصل في مصيرها قررته الأحداث الجارية والإرادات الغريبة”.. هذه أقوال لسعاده …

لقد جاء سعاده مكرسا لهذه المفاهيم بكشفه الواضح لحقيقة وجود الأمة السورية، مثبتا حقها في الصراع من أجل حياة أفضل، ومهيباً بأبنائها لكي تفعل قوتهم وتغير وجه التاريخ لما فيه مصلحتهم وعزهم، لكن، وخوفا مما أحدثته هذه المفاهيم من تغيير في مسار الصراع القومي ونتائجه الضرورية، باعتماد مقوماته الأساسية من معرفة وقوة، كان قرار الأعداء والطامعين  ما توهموه وأداً للقضية : الفكرة و الحركة، بالقضاء على صاحبها ، وكان الثامن من تموز قمة البطولة يقابلها ابتذال الأنانيات و السياسات الرخيصة …. إن الذين مزقوا جسد الأمة في سايكس – بيكو إلى كيانات ومجموعات شعبية متناحرة، هم أنفسهم الذين مزقوا في الثامن من تموز جسد الداعي إلى توحيد هذه الأمة. فصار هذا التاريخ تكويراً لفعل الفداء الحق المنتصر على الجلادين بالوعي والالتزام الطوعي حتى الشهادة ليسلم أعداء هذه الأمة بكمال حقها وجمال حقيقتها…. ومن هذه القمة شع النور الذي يضيء الطريق ليسير فيه الآلاف من ملبي الدعوة والمستمرين في الصراع من أجل الهدف عينه لا يثنيهم الترهيب ولا يلويهم الترغيب.

ولأنه سعاده، فإن الخطوة الأولى والأهم التي قام بها كانت تحديد الهدف، الذي إنما كانت المعركة من أجل تحقيقه، ألا وهو انتصار حق الأمة في الصراع من أجل التقدم وتحقيق حياة أفضل وتثبيت سيادتها على كل شبر من أرض وطنها واستقلالها وحرية قرارها في كل الشؤون التي تتعلق بأية مجموعة من شعبها أو أي جزء من تراب الوطن بما يتفق مع الحقيقة الوجودية الأساسية وهي سلامة وحدة أرض الوطن الضرورية لسلامة وحدة الشعب… والاشتراك في بناء إنسانية أفضل بفلسفة التفاعل الوجودية المحيية.

في هذا التعيين للحق القومي الواحد تنتفي كل المفاهيم الأخرى “للحقوق” الموهومة : لكيانات في الأمة الواحدة تتصارع، أو طوائف وأحزاب ومنظمات ومجموعات في الكيان الواحد تتصادم، أو مذاهب في الطائفة الواحدة تتناحر، أو فئات وفصائل مختلفة التبعية في المجموعة الواحدة تتعارك… وكل ذلك في تسابق لتمرير سياسة معينة في إدارة شؤون الشعب، أو الحصول على مراكز ووظائف، وتكريس ضمانات لطائفة، أو إزالة الغبن عن طائفة أخرى، أو لابتزاز مجموعة لأخرى بالسيطرة على منطقة، أو التحكم بزاروب…( وجميع ما نذكره نعاينه ويعاني شعبنا منه يومياً )، ( واللي دري دري و اللي مادري بيقول كف عدس ) ، إلى العديد من الجزئيات والصغائر التي تتوافق مع اهتمامات وتطلعات محدودية وضيق أفق أصحابها، ويرون فيها أقصى ما يتمنون تحقيقه… ولذلك فهي بالنسبة لهم “حقوق” يقتتلون من أجل الوصول إليها. إلا أنها في حقيقة الأمر هدير هادر لطاقة المجتمع، الذي هم من إمكانياته، وإيهان وإهانة لفعل القوة التي يفترض أن تغير وجه التاريخ… إن انشغالنا الذي يستهلكنا في معارك وهمية يبعدنا عن معركتنا الحقيقية لتحقيق الأفضل والأجمل والأسمى ، وعن هدفنا الحقيقي في الحياة، إن هذا الانشغال يجعلنا في غفلة عن التهديد المباشر لشعبنا وأرض وطننا، حيث يشكل اغتصاب أية بقعة من هذه الأرض، ضاقت أو اتسعت، وبعامل ضعف التهيؤ الجدي لمواجهة هذا التهديد، هو من أهم نتائج تلك الغفلة … ولئن شهدنا ومضات نيرات من بطولات التصدي للمغتصبين، تمثلت بحرب تشرين 1973 والعمليات الاستشهادية في لبنان وفلسطين وفي تحرير الجزء الأكبر من جنوب لبنان، والمقاومة العراقية ضد الغزو الأمريكي المتوحش المرتهن لصنوه اليهودي في أرضنا. إننا نجد في هذه البطولات تعبيرا حيا عن إرادة الأمة في رفض هذا الواقع المؤلم، لكن تلك البطولات قابلة للإجهاض إذا لم يدعمها الوعي الاجتماعي المتكامل للواقع المجتمعي الواحد لأبناء تلك الكيانات السياسية المفروضة وفق تقسيمات اتفاقية سايكس بيكو… وإن النقص في وحدة الرؤية للتصدي لهؤلاء المغتصبين يهدد انجازاتنا بالانحسار وربما بالانكفاء ..

أما إذا لاحت في الأفق ملامح وفاق بين بعض الكيانات السورية أو ما بين بعض  الفئات المتباينة في الكيان الواحد.. وفاق يفضي إلى لقاء وبحث ، فكثيراً مايضيع البحث في متاهات النقاط التي تفرق عوض التركيز على ما يجب أن يجمع ( ولنا في طاولات الحوار المتعددة خير مثال ) . إن ذلك مرده إلى جزئية المنطلقات وإلى تصور مصالح متعددة بتعدد المتصورين المتباحثين التي هي عرضة للتصادم والتضارب، تضيع فيها المصلحة المشتركة الجامعة التي وحدها يمكن أن تحشد حولها الضمائر والخمائر والقوى والطاقات. حتى إن تناول أمر، بالقياس الفئوي الباطل، يفترض أن يكون جامعا ومحفزاً على الوفاق والوحدة، يمكن أن لا ينجو هو نفسه من التشويه والتشويش في ظل الأجواء السائدة والمفاهيم المستجاب لها المطروحة. إن دعم نهج المقاومة أمر بدهي ويجب أن يعم كافة مجالات فعل شعبنا بعيداً عن الانفعال، فيكون تخطيطاً ذا مفعول مزدوج لما يزيد فعاليتنا في الداخل فنخفف الضغط علينا من الخارج. وذلك بأن لا يكون القياس حكراً حصرياً على مجموعة في كيان، أو فصيل في موقع، ولا حتى باسم “نظام” أياً كان، إن تلك الفئويات تبعد عن مكامن القوة الحقيقية وتؤخر امتدادها في روح الشعب كله.

وإزاء ما نشهد من صراع عالمي على المصالح و النفوذ، كيف لنا أن تتحقق مصالحنا في خضم الصراعات الأممية التي تجتاح أغلب بقاع العالم، ومع بروز قطب واحد أوحد يحاول بكل ما أوتي فرض إرادته وهيمنته على العالم أجمع. أين حقوقية المسألة الفلسطينية التي باتت “حقوقا” مشاعة لكثير من دول العالمين “العربي والإسلامي” وبات التسييس ينخرها حتى العظم،  فتحولت من مسألة تتعلق بحقنا في السيادة على كل شبر من أرضنا، إلى مسألة تقلص إلى فتح معبر هنا وتأمين أبسط وسائل “العيش” هناك، ومن استنكار بناء جدار فاصل هنا إلى المطالبة بالإفراج عن أسرى من هناك،أين هو حقنا في الحياة الحرة الكريمة، ولو باسم ” حقوق الإنسان” التي يتشدقون بها، ويطعنونها بكل ما أتيح لهم ؟…

إذا كنا نريد لحقنا كفة راجحة حقاً. علينا أن نعي هذا الحق وعيا تاما وصحيحا، وأن نحفز فعل قوتنا لإقرار هذا الحق وإرادتنا للقتال لانتصاره فلا يكون عرضة للانفعال بالأحداث الجارية ولا تقرره لنا الإرادات الغريبة وفقا لمصالحها وأهوائها ومساوماتها على وجودنا. وإذا كان العقل هو ميزة الإنسان الأولى وهو أسمى هبات الله لأسمى مخلوقاته، فيكون هو الشرع الأسمى الذي يعتد به ويحتكم إليه، فلنعمل إذاً ما أكرمنا الله به من عقل لنجعل حياتنا في كرامة نصير جديرين بها، وليكن درب آلامنا في العقود الماضية طريق خلاصنا الذي نستحق.. لنأخذ العبرة مما أودت بنا إليه مفاعيل سايكس – بيكو وتوابعها من شتات وشرذمة سياسية ونفسية إلى حد الاقتتال والتدمير المتبادل.

وإذا كانت القناعة السائدة أن “المستفيد الوحيد هو العدو “الإسرائيلي” ولكي لا يبقى رفض هذا الأمر قولا سطحيا فإن الواجب القومي الأساسي هو العمل لقطع الطريق على عدونا ، بمنعه من التغلغل عبر عيوبنا ونواقصنا والإقلاع كليا عن كل ما يكرسها ويغذيها. والتهيؤ الدائم والإعداد المثابر لقتال هذا العدو .. لنكون نحن المستفيدين وينتصر حقنا على باطله.

عندئذ، نكون قد خطونا خطوتنا الأولى على طريق الشهادة للحق – حقنا. ولا تعود دماء أبناء شعبنا تراق هدرا في اقتتالات مهزلات قد يكون فيها إفناء لحيويتنا وتهديد لوجودنا.

هلموا إلى طريق الشهادة للحق، شهادة أن سورية للسوريين وأن السوريين أمة تامة، فنسهم في إنارة هذه الطريق لتتضاعف أعداد الذين يسلكونها بخطى ثابتة. ويبقى قدوتها ونور هدايتها الثامن من تموز وتبقى أصوات السائرين في هذه الطريق – طريق الصراع لانتصار حق الأمة تهتف مدوية لتحي سورية وليحي سعاده.

تموز 2008

رئيس المجلس الأعلى

الرفيق علي حيدر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *