الجزيرة بعد الإسكندرون1

ليس فَقْدُ لواء الإسكندرون عائدًا إلى السياسة الإنترنسيونية فحسب، بل إلى سياسة الحزبية والعنصرية التي سارت عليها الكتلة الوطنية مضافة إلى عوامل السياسة الإنترنسيونية.
فالذين يتتبعون انتخابات الشمال والإنذارات التي سبقتها يجدون أنّ الكتلة أبت أن تأخذ بعين الاعتبار خطورة بعض المسائل السياسية في جبل الأكراد، مما أدّى إلى انصراف بعض العناصر عن تأييد الحكم السوري الوطني وإلى احتكاك بعض الرؤساء الأكراد بالقنصلية التركية وتودّدهم إلى الأتراك إظهارًا لنقمتهم على سياسة الكتلة.
وحتى الآن تستند سياسة الحكومة في معالجة مشكلة لواء الإسكندرون على النعرة العنصرية. فهي تعطي الأساس الحقوقي من وجهة العنصر العربي مهمِلةً العناصر الأخرى التي لها شأن عظيم في تقرير مصير اللواء. فأدّت هذه السياسة العنصرية إلى النتيجة الوحيدة لكلّ سياسة عنصرية وهي تنافر العناصر الداخلة في سورية وتصادمها.
والظاهر أنّ السياسة عينها التي اتُّبعت في معالجة مسألة الإسكندرون تُتَّبع في معالجة مسألة الجزيرة. فالعناصر هنالك تتذرع بالخطر العنصري عليها لتدعو إلى التفكّك وعدم الثقة بالحكم الوطني. فماذا تفعل حكومة الشام في سبيل اكتساب هذه العناصر ونزع سلاح المشاغبين. أن تفضِّل أن تكون بربونية على أن تكون قومية متساهلة. وكما أن البربون ظلوا يكرّرون أغلاطهم حتى قيل إنهم لم ينسوا شيئًا قديمًا، ولم يكتسبوا فائدة جديدة، كذلك تريد الكتلة ألاّ تنسى شيئًا عقيمًا، وألاّ تستفيد درسًا جديدًا، ولو تبعت الجزيرة العليا لواء الإسكندرون.
طبعًا إنّ رجال الكتلة سيجدون الداء في المطامع الخارجية، وسيضعون كلَّ التبعة على هذه المطامع. ولكنهم من هذه الجهة عينها يخطئون، لأنّ الطريقة الوحيدة للإبقاء على لواء الجزيرة هي طريقة اكتساب العناصر كلها للوحدة القومية.
ولقد تسرّب إلى بعض الأوساط أنّ بعض الأحاديث التي دارت بين زعيم الحزب السوري القومي ودولة رئيس الوزارة الشامية تناولت مسألة الجزيرة العليا وإمكان تعاون الحزب مع الحكومة لإيجاد الحلّ الملائم للمصلحة القومية. وقد أثبت الزعيم لدولة رئيس الوزارة صحة الإمكانيات الواسعة العمل للحزب في سبيل تأييد الحكم الوطني وتثبيته. وظهر أنّ دولة رئيس الوزارة اقتنع بوجهة نظر الزعيم.
ولكنّ الأمور عادت فسارت على عكس المرغوب. وقيل إنّ السبب هو في الخلاف الداخلي على بعض وجوه النظر الأساسية في محيط الكتلة. فإنّ بعضَ أعضائها يتشبّثون بمبدأ الحزبية قبل كلّ شيء وضرورة منع التطوّر القومي إلا ضمن قالب الكتلة، وإن تكن الكتلة لم تضع برنامجًا اقتصاديًا اجتماعيًا يصحّ السكوت عليه.
لقد جرّبت الكتلة الحكمة من هذه السياسة العقيمة في لواء الإسكندرون، واختبرتها مكرَّرًا في جبل حوران حيث نكبت سياستها أكثر من مرة. وهي لن تنفك عنها حتى تأتي فادحة لا تستطيع الأمّة تحمُّلها.
لا نعتقد أنّ الحزب السوري القومي يريد أن يزاحم رجال الحكم في الشام على الحكم، فاللحزب من المشاغل القومية ما يصرفه عن هذا الأمر. وممّا لا شك فيه أنّ مبادئه قد أعطت نتائج حسية في إيجاد الاتحاد القومي لجميع العناصر الداخلة في وجود الأمّة، وأنّ تعاون هذا الحزب مع حكومة الشام يعطي نتائج كبيرة للمصلحة القومية.
يقول رجال الحكم في الشام للحزب السوري القومي اشتغلوا في الإسكندرون والجزيرة ولا تشتغلوا في دمشق ومدن الشام. فكأنهم بهذا القول يريدون عملاً عقيمًا أو غير ممكن الحدوث، إذ كيف يستطيع حزب أن يعمل من غير قاعدة؟
إنّ طُرُقَ التفاهم للمخلصين للقضية غير وعرة، ولكنها تحتاج إلى نفي الأنانية والنظرة الخصوصية. فهل تستفيد الكتلة من الدروس الماضية وتفسح للعناصر القومي مجال العمل لمصلحة الأمّة والوطن؟
الحقيقة أننا تجاه مشاكل قومية خطيرة لا تفيد فيها العجرفة البربونية ولا يفيد فيها إلاّ الضمير الحيّ.

1جريدة النهضة: العدد 6 في 20 تشرين الأول 1937.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *