الصداقة التركية الفرنسية وقضيّة الإسكندرون 1

نشرت “النهضة” في عددها الصادر في العاشر من الجاري ملخص خطاب رئيس الجمهورية التركية في افتتاح مجلس الأمّة الكبير في أنقره.
وقد عرض رئيس الجمهورية التركية في خطابه المشار إليه لمسألة الإسكندرون وعلاقات تركية بفرنسا، فعدّ الإسكندرون “من أكبر قضايا تركية القومية”، وهذه العبارة تثبت ما قلناه مرارًا في هذه الباب عن مطامع تركية في سورية وشرق البحر السوري على العموم.
وأظهر رئيس الجمهورية التركية اغتباطه بأنّ نظام الإسكندرون الجديد سيوضع موضع التنفيذ في القريب العاجل. وقال إنّ تنفيذ هذا النظام سيتمّ في “ظل الصداقة المتينة” التي تربط تركية بفرنسا. وأعلن ثقته بأنّ “قضية الإسكندرون السائرة في الطريق المستقيم ستكون خير مقياس لهذه الصداقة”.
يهمّنا في الدرجة الأولى أن نوضح الفرق العظيم بين العقلية السياسية المسيطرة في تركية والعقلية السياسية المسيطرة في سورية. ففي حين تنظر العقلية التركية الجديدة في توسيع نطاق النفوذ التركي ومدّ المصالح التركية، تنظر العقلية السورية بنظارات الأساليب التركية العتيقة. وفي حين يعد رئيس الجمهورية التركية قضية الإسكندرون في صدر القضايا القومية نرى رجال حكومة دمشق ينظرون إلى خسارة الإسكندرون ببلادة مدهشة.
أما حكومة بيروت فإنها تعدّ مسألة الإسكندرون وسلامة حدود الشام مسألة خارجية لا علاقة للبنان بها، حتى ولو كان من ورائها تهديد لبنان نفسه، إذ تستطيع الجيوش التركية الزاحفة من لواء الإسكندرون أن تبلغ حدود الجبل في أقلّ من أربعة أيام إذ لا حدود ولا تحصينات تصدّها أمام هضاب الإسكندرون.
يحاول رئيس الجمهورية التركية أن يكون سياسيًا في خطابه فهو يتكلم كثيرًا وبحرارة نادرة عن “الصداقة التركية- الفرنسية”. والظروف السياسية توجد أسبابًا كثيرة لهذه الحرارة التي تكاد تفوق حرارة المعارك التي دارت بين جيوش النهضة التركية الحديثة وجيوش فرنسا في الشمال الأقصى من سورية.
على أنّ لهجة الرئيس التركي لا تخلو من تحفّظ مع هذه الحرارة. فهو يجعل “قضية الإسكندرون السائرة في الطريق المستقيمة” المقياس المفضّل لهذه الصداقة.
ولسنا ندري إذا كان هذا المقياس هو عينه الذي يستعمله حلفاؤنا الفرنسيون لقياس الصداقة الفرنسية التركية. فمن المحتمل أن يكون لفرنسا مقياس آخر هو فوائد الصداقة التركية في البحر المتوسط في هذه الظروف الحرجة.
فإذا كانت هذه هي وجهة النظر الفرنسية فلا شكّ أن المقياس التركي هو الأصح، وتكون الصداقة التركية الفرنسية لخير تركية على حساب النفوذ الفرنسي، إذ بين القوميتين السورية والتركية لا يشكّ بصير في أن مصلحة فرنسا كائنة في القومية السورية لا في القومية التركية، لأنّ الصداقة السورية لا تكون مبنية على مجرّد ظروف سياسية كما هو الحال في الصداقة التركية، خصوصًا إذا كانت هذه الصداقة مع النهضة السورية القومية الجديدة.
لا ندري إلى أي حدّ تريد فرنسة أن تعتمد على صداقة تركية. ولكننا لا ندري أنّ هذه الصداقة تؤسس على إرضاء تركية بمدّ نفوذها على أرض سورية. وهي صداقة رابحة لتركية فهي توسع أملاكها في الشرق الأدنى وتسهل لها سياسة التوسع والاقتراب من أبار البترول.
وبعد فما مصلحة فرنسا الحقيقية من تشجيع السياسة التركية شرقي البحر السوري؟
إنّ مصالح تركية لا يمكن أن تكون متفقة ومصالح فرنسا. فهي تقوم دائمًا على تقليل مصالح فرنسا في الشرق الأدنى لكي يخلو الجو لتركية لتنفّذ سياسة التوسع التي وضعت قواعدها وابتدأت السير عليها.
أمّا مسألة ظروف البحر المتوسط السياسية فلا توجِد أساسًا ثابتًا لتعاون تركي- فرنسي مستمر. فصحيح أنّ تركية لا تريد أن ترى نفوذ إيطاليا يمتد إلى شرق البحر السوري ولكنها، في الوقت نفسه لا ترغب في رؤية نفوذ أية دولة أخرى يمتد على هذا الجانب.
وإذا تمكن الكونت شيانو [وزير خارجية إيطاليا وصِهْرُ موسليني] من إعطاء ضمانات كافية للسياسة التركية أو من إيجاد تفاهم بين إيطاليا وتركية فلا يبقى مجال لتعاكس المصالح بين تركية وإيطاليا ولا يعود هنالك فائدة من إيجاد جبهة فرنسية تركية في البحر السوري.
إنّ صداقة تركية أقرب إلى بريطانيا منها إلى فرنسا فإذا لم تتمكن فرنسا من إيجاد ثقل موازن من هذه الجهة فالصداقة التركية- الفرنسية صداقة خاسرة لفرنسا على طول الخط.

1جريدة النهضة: العدد 27 في 13 تشرين الثاني 1937.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *