من مقالة: في شرقي المتوسّط(1)

وضعَتِ الحربُ أوزارَها فوقعت بلاد العرب والعراق2 وجنوب سورية تحت نفوذ السياسة البريطانية ووقع شمال سورية (قبل إعلان لبنان الكبير) تحت نفوذ السياسة الفرنسية حتى جبال طوروس. فما مضى وقت قصير حتى اضطرت فرنسا إلى سحب جيوشها من أقاصي الشمال تاركة كيليكية للسيطرة التركية. أما بريطانية فقد تغلبت سياستها على ثورة العراق وتشنجات مصر ولم تخسر شبرًا واحدًا من الأرض الداخلة في منطقة نفوذها. والمعاهدة الأخيرة بين فرنسا وتركيا أفقدت فرنسا وسورية السيطرة على لواء الإسكندرون فانكشفت الحدود الشمالية أمام الجيش التركي. فما هو هذا السرّ العجيب الذي يقود الموقف إلى هذه الحالة الراهنة الغريبة؟

السرّ هو في أن بريطانية عرفت كيف تجعل رغبات الجماعات المستعجلة وغير المستعجلة موافقة لسياستها، فاستقبلوا فيصل الذي نبذه الفرنسيون وقدموا له عرش العراق ورحّبوا بابن السعود الفاتح الموحِّد القبائل المتبدّية، وانتفعوا من أموال اليهود باسم الوطن القومي في فلسطين واستخدموا كلّ تيار سياسي أو نفساني لمصلحتهم، فلم يقاوموا تيارًا واحدًا ولم يكبحوا نزعة جماعة من الجماعات.

اهتدى البريطانيون إلى مفتاح لكل الأبواب السياسية المغلقة في العالم العربي ودواء لجميع الأوصاب هو القضية العربية فماشوا الحسين الذي كان يريد أن يرى شبه الجزيرة وسورية والعراق إمبراطورية هاشمية واحدة هو إمبراطورها وأولاده ملوك أقطارها ثم جرّوا ابن السعود في سياسته الوهابية وشجّعوا كلّ فكرة ترمي إلى ربط الأقطار العربية بأية وسيلة كانت لكي تبقى لها وحدة سياسية تخضع لمرجع واحد: لندن.


1- جريدة النهضة: العدد 1 في 14 تشرين الأول 1937.
2- كتب الزعيم هذه المقالة قبل أن يقوم بتعديل نصّ المبدأ الخامس بتثبيت العراق ضمن الوطن السوري وبإصلاح التعبير الأول “ضفاف دجلة” الذي كان اعتمده «بجعله أوضح وأكمل بإعطائه مدى معنى منطقة ما بين النهرين التي تصل حدودها إلى جبال البختياري، إلى الجبال التي تعيِّن الحدود الطبيعية بين سورية وإيران».

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *